قضاة تونس تحت سيف التفقدية.. وجه آخر لصناعة الترهيب
17 ديسمبر 2025
كشفت جمعية القضاة التونسيين أن التفقدية العامة بوزارة العدل وجّهت مؤخرًا استجوابات لعدد من القضاة على خلفية "آرائهم ومواقفهم الناقدة لما آل إليه الوضع القضائي" وذلك في مصادرة لحريتهم في التعبير، وفيما اعتبرتها الجمعية "ملاحقات قمعية معلومة الأهداف والغايات" بهدف زيادة أجواء الخوف في أوساط القضاة.
وتأتي هذه الاستجوابات عبر جهاز التفقدية لتزيد في تبيان تمادي نفوذ السلطة السياسية على حساب القضاة المباشرين خاصّة في ظلّ وضعية هشاشة ضمانات استقلاليتهم بعد تجميد مجلس القضاء العدلي المؤقت من جهة وإدارة وزيرة العدل بمذكرات عمل لمساراتهم المهنية من جهة أخرى. وهو مناخ أدّى لإنتاج "قضاء التبعية" وهو يعدّ، بحسب مراقبين، "أداة السلطة في المحاكمات السياسية التي تستهدف تقييد الحريات وإسكات الأصوات المعارضة".
مصادرة لحرية القاضي في التعبير
تعلّقت الاستجوابات الصادرة على خلفية تعبير عدد من القضاة عبر منشورات أو تعليقات سواء عبر صفحاتهم الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي أو المجموعات الداخلية الخاصة بالقضاة حول الوضع القضائي المتردّي سواء من جهة شواهد تغييب ضمانات الاستقلالية أو أيضًا حول الأحكام القضائية الجائرة في ظل غياب مقومات المحاكمة العادلة. وهي أحكام تضمّنت عقوبات سجنية مشدّدة شملت فاعلين سياسيين ومدنيين ومواطنين دون استثناء، ومن ذلك الحكم الصادر بإعدام مواطن على خلفية منشورات على حسابه، وهو الحكم الذي تم التراجع عنه بمقتضى عفو إثر حالة الجدل التي خلّفها ليس داخل تونس فقط، بل خارجها أيضًا.
الاستجوابات الموجهة إلى عدد من القضاة على خلفية "آرائهم ومواقفهم الناقدة لما آل إليه الوضع القضائي" عبر جهاز التفقدية تأتي لتزيد في تبيان تمادي نفوذ السلطة السياسية على حساب القضاة المباشرين خاصّة في ظلّ وضعية هشاشة ضمانات استقلاليتهم
غير أن تعليقات القضاة لم تكن بعيدة عن عيون وزارة العدل التي وظّفت جهاز التفقدية العامة لمساءلة القضاة المعنيين حول مواقفهم وآرائهم. وهي مساءلة تستهدف حق القاضي في التعبير وهو حق لا يمارسه فقط بصفته مواطنًا، ولكن أيضًا يعدّ من مستوجبات الاستقلالية. ذلك أن القاضي مُطالب بالدفاع عن استقلاليته بالتعبير عن ذلك عبر كشف مواطن استهدافها والمطالبة بالدفاع عنها وتحفيز النقاش العمومي لضمانها وكلّ ذلك تكريسًا لدوره الحيوي في الدفاع عن الاستقلالية ومبادئ دولة القانون.
اقرأ/ي أيضًا: جمعية القضاة تحذّر من "عواقب وخيمة لهرسلة القضاة التونسيين في ظل تعسف السلطة"
وقد نصّت العديد من المواثيق والمبادئ الدولية على حرية التعبير للقاضي ومن ذلك المبادئ الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية الصادرة عن الأمم المتحدة عام 1985، وكذلك دليل المفوضية السامية لحقوق الإنسان حول القضاة والمدعين العامين والمحامين. ولا تعارض حرية تعبير القاضي إلا بالقيود العامة ومن ذلك أن مبادئ الأمم المتحدة تؤكد على لزوم احترام القضاة عند ممارسة حقوقهم لما "يحفظ هيبة منصبهم ونزاهة واستقلال القضاء".
وبذلك تعدّ الاستجوابات الأخيرة "آخر محطات الهرسلة التي يواجهها القضاة المباشرون في تونس الذي يعملون في مناخ غير مسبوق لجهة تغييب ضمانات استقلاليتهم سواء الوظيفية أو الهيكلية. وهو وضع يسّر وضع يد السلطة السياسية يدها على القضاء وبالتالي في إدارة المحاكم وفرض المحاكمات الجائرة".
هرسلة جديدة في مناخ قاتم
تأتي هذه "الهرسلة" في خضم إدارة وزارة العدل ذاتها للمسارات المهنية للقضاة منذ خريف 2023 من تسمية ونقل وتعيين وتجريد من الخطط، دون معايير معلنة وشفافة، ودون قدرة القضاة المعنيين من الاعتراض بالطريقة الإدارية، على خلاف الوضع الطبيعي وهو تولي المجلس الأعلى للقضاء إدارة المسارات المهنية مع إمكانية ممارسة المعنيين للاعتراض مع فتح التناظر بخصوص الخطط القضائية السامية. وكانت قد تعمّدت السلطة تغييب مجلس القضاء المؤقت عبر إحداث شغورات منذ عامين. وهو تعمّد يتقاطع مع عدم مبادرة السلطة التنفيذية ولا البرلمان على المبادرة لسن قانون للمجلس الأعلى للقضاء طبق دستور 2022، بما يعكس الخيار الواضح في استدامة الوضع المؤقت بلا نهاية.
تعدّ الاستجوابات الأخيرة "آخر محطات الهرسلة التي يواجهها القضاة المباشرون في تونس.. وتواجه جمعية القضاة نفسها تضييقات من السلطة.. وهو وضع يزيد في كشف مدى استفحال تصعيد السلطة ضد القضاة المدافعين عن الاستقلالية
وكانت قد ابتدأت محنة القضاء منذ حلّ المجلس الأعلى للقضاء في فيفري/شباط 2022 وثمّ إعفاء 57 قاضيًا بجرّة قلم بأمر رئاسي وثمّ رفض تنفيذ قرارات المحكمة الإدارية بتوقيف تنفيذ جلّ الإعفاءات.
اقرأ/ي أيضًا: الشبكة العربية لاستقلال القضاء: ندين اصطفاف قضاة إلى جانب السلطة في تونس
وهو وضع تفاقم مع تضمّن الحركة السنوية عام 2023 لنقل "تعسفية" شملت قضاة معروفين بنزاهتهم وبدفاعهم العلني عن استقلالية القضاة. وقد شملت حملة الاستجوابات الأخيرة عددًا من هؤلاء القضاة، بما يكشف عن "إمعان في هرسلتهم والتضييق عليهم". وقد دفع هذا المناخ لانتشار ما تصفه جمعية القضاة نفسها "بالتخويف والترهيب" في أوساط القضاة وبالخصوص بعد استفراد وزارة العدل بإدارة المسارات المهنية للقضاة عبر مذكرات عمل تشمل ضمنيًا معاقبة قضاة ومكافأة آخرين في مناصب قضائية متقدّمة في النيابة أو التحقيق أو الدوائر المجلسية، وبما أدى بالنتيجة لفرض تبعية للسلطة التنفيذية. وقد أحصت الجمعية، في هذا الجانب، أكثر من ألف مذكرة في ظرف عامين فقط.
خشية من معاقبة قضاة الاستقلالية
في خضم هذا التطوّر المستجدّ، حذّرت الجمعية من توظيف وزارة العدل للاستجوابات لفرض إجراءات عقابية ضد القضاة وذلك علاوة على العقوبات الخفية في شكل مذكرات عمل باتت اليوم أداء السلطة لفرض حالة "الحصار" على القضاء على النحو الذي وصّفته الجمعية في بلاغها بداية العام القضائي. وقد دعت الجمعية، في هذا السياق، عموم القضاة المستهدفين على خلفية ممارسة حقهم في التعبير إلى إبلاغها بخصوص كل ما يبلغهم من دعوات من التفقدية بغاية المتابعة واتخاذ الإجراءات الحمائية المتاحة.
وتواجه جمعية القضاة نفسها تضييقات من السلطة بعد سابق إحالة رئيسها أنس الحمادي على التحقيق على خلفية نشاط نقابي، وهو وضع يزيد في كشف مدى استفحال تصعيد السلطة ضد القضاة المدافعين عن الاستقلالية سواء عبر أطرهم أو في أشخاصهم. غير أن الاستجوابات تكشف، في جانب مقابل، عن تمسّك عديد القضاة بحريتهم في التعبير عبر نقد أوضاع القضاء منزوع الاستقلالية وكشف الممارسات التعسفية، بما يظهر وجود إرادة تصدٍّ رغم قتامة الوضع وذلك في مواجهة سلطة يظهر، في نفس الوقت، أنها أحكمت سيطرتها على المحاكم عبر قضاة سخّرتهم لإدارة المحاكمات السياسية.

الكلمات المفتاحية

قضية فساد "كبير قضاة تونس" سابقًا.. استحقاق المحاسبة زمن قضاء معطوب
تعامل السلطة السياسية التي ترفع شعار "تطهير القضاء" ومن ذلك التصدّي للفساد القضائي كان متعارضًا مع ما رفعه قضاة حراك "نحن الموقعون" الذين وإن تمسكوا بدورهم بالمحاسبة فإن ذلك كان مشروطًا بضمانات المحاكمة العادلة وعدم تدخل السلطة السياسية

الهيئات المستقلة زمن قيس سعيّد.. تقويض واستهداف ممنهج
دستور 2022 يعكس خيارًا سياسيًا واضحًا في تهميش الهيئات الدستورية المستقلة إلى درجة الإلغاء مقارنة بدستور 2014 الذي خصّها، في المقابل، بباب مستقلّ..

تعطيل حرية العمل.. تهمة جاهزة للتعسّف ضد المهمّشين أيضًا
منظمة العفو الدولية: السلطات لم تقدم أي أدلة تشير إلى وجود شبهات معقولة عن ضلوع الملاحقين في أي سلوك عنيف أو أي سلوك آخر يمكن أن يشكّل إحدى الجرائم المتعارف عليها دوليًا

طقس تونس.. رياح قوية وأمطار غزيرة في بعض المناطق
أفاد المعهد الوطني للرصد الجوي بأنّ طقس تونس يوم الأحد 15 فيفري 2026، سيكون أحيانًا كثيف السحب مع أمطار متفرقة بالشمال ومحليًا الوسط، وتكون مؤقتًا رعدية وأحيانًا غزيرة بأقصى الشمال الغربي، مع إمكانية تساقط البرد بأماكن محدودة

وسام الصغير: قمع الحقوق والحريات من أركان الاستبداد والفشل الاجتماعي والاقتصادي
وسام الصغير لـ"الترا تونس": تقييم الأنظمة بالمساندة أو بالنقد لا يكون بشكل دغمائي عبثي، بل يقوم على تقييم المنجز من عدمه.. وبمرور 3 سنوات على وجود السياسيين في السجون، فإنّ الأوضاع تراوح مكانها وكلّ القطاعات تعاني أزمة

جبهة الخلاص: السلطة كثّفت من حملة استهداف حرية التعبير معتمدة تطويع القانون
جبهة الخلاص الوطني: "نطالب بالإفراج عن المعتقلين السّياسيّين ونعبّر عن انخراطنا الكامل في النّضال المدني السّلمي من أجل إنهاء المظلمة المسلّطة عليهم وقد افتتح بعضهم العام الرّابع خلف القضبان دون تهمة ولا ذنب"

الرصد الجوي: درجة إنذار كبيرة بعدة ولايات وتحذيرات من رياح قوية جدًا
معهد الرصد الجوي: ندعو إلى اتخاذ جملة من الإجراءات من بينها، توخي الحذر في حركة التنقل وفي الأنشطة ذات العلاقة بالنقل الجوي والبحري، مع تجنب القيام بأنشطة ترفيهية في الخارج

