ultracheck
منوعات

قصص أسماء البيوت والمنازل في تونس

29 يونيو 2025
صورة بيت تونسي
بيّن الأستاذ المختص في علم الاجتماع أن التونسيين يطلقون التسميات على منازلهم ودورهم وقصورهم منذ القدم (حكمة مصدق/الترا تونس)
رمزي العياري
رمزي العياري صحفي من تونس

تقول أغنية  للفنانة فائزة أحمد من كلمات الشاعر الغنائي المصري مرسي جميل وألحان الموسيقار محمد الموجي: 

                                                                       "بيت العز يا بيتنا، على بابك عينبتنا                                              

                                                                        ليها خضرة وضليلية بترفرف ع العيلة                                    

                                                                       وتضلل يا حليلة يا حليلة من أول عتبتنا

                                                                       يا بيت العز يا بيت السعد يا بيت الفرح يا بيتنا.."

تسمية البيت أو المنزل وإعطائه عنوانًا ومعنًى هو سلوك شعري صرف، الهدف منه إعلاء قيمة ما، أو ترسيخ لجمال كلمة ملهمة، أو هي رسالة حب مرسلة في رحاب البيت أو إلى المُطلق والكوني. هي حالة عاطفية ووجودية لا تخضع لمبررات الضرورة، بل تأتي محمولة على بساط جمال العيش المشترك الذي يقتضي المشاركة. أحيانًا تسمية البيت فيها الترف والفخامة، وأحيانًا أخرى فيها الخجل والتقشف. هي لمسة إبداع متخارج من الذات الفنانة التي تسكننا ونسكنها ولا نراها في زحمة الحياة اليومية. إنها سرد مكثف، نصفه للتباهي ونصفه الآخر للخلود من بعده.

تتعدّد أسماء البيوت في تونس، فنجد: "بيت العز"، "بيت الأمل"، "القصر الصغير"، "دار الهناء"، "دار الحبايب"، "فيلا السلام".. وغيرها، وهي حالة عاطفية ووجودية لا تخضع لمبررات الضرورة

"بيت العز"، "بيت الأمل"، "القصر الصغير"، "دار السعادة"، "منزل الأمراء"، "بيت الجمال"، "الفيلا الأنيقة"، "بيت الزهور"، "دار الحبايب"، "فيلا السلام"، "دار النقاء"، "دار العلا"، "جنة الفل"، هي تسميات نراها منقوشة على بوابات المنازل في تونس، وربما في غيرها من البلدان، بطرق وخطوط شتى، موائمة لهندسة البيت ومعماره، تتصدر بوابات المنازل بالأحياء الراقية أو بالأحياء الشعبية على حد سواء، لكنها تعكس فيما تعكس ذاك التفجر الفني والجمالي داخل ذات صاحب المنزل.

لم يكن الأمر كذلك قبل حلول الاستعمار الفرنسي وحلول الجاليات الأوروبية بتونس، لم تكن هناك تسميات للمنازل والبيوت. فقد كانت المناطق الحضرية والمدن التونسية العتيقة على طول البلاد من شمالها إلى جنوبها تنبض بالحياة والمعيش والذوق والمعمار الفخم، لكن عالم الفخامة والأبهة لا يظهر على واجهات المنازل والبيوت. فنجد أن المظهر الخارجي بسيط ومتقشف ومتواضع، فلا نجد رخامات تحمل تسميات، ولا إفراطًا في النقائش وتخشيش الأبواب، وكانت الدور تحمل مشافهة على النسب، فتُطلق الألقاب على المنازل. وإلى اليوم، عندما نزور المدينة العتيقة بالعاصمة تونس، أو "المدينة العربي" في تسمية أخرى، نجد مثلًا: "دار الأصرم"، "دار حسين"، "دار بن عبد الله"، "دار باش حامبه"، "دار حمودة باشا"، و"دار بن عاشور"، وعندما نزور هذه المعالم لا نجد تسميات على البوابات، فقط ما يدلنا على وجودها هو علامات سياحية ركزتها البلدية وجمعية صيانة المدينة.

قصص تسمية البيوت والمنازل في تونس
صورة منزل تونسي في الحمامات (حكمة مصدق/الترا تونس)

 

في الفترة الرومانية المسيحية، كانت الطبقة الأرستقراطية والنبلاء يطلقون تسميات على منازلهم وبساتينهم ومقابرهم في كامل مقاطعات الإمبراطورية، بما فيها منطقة "أفريكا" (شمال إفريقيا)، وقد تواصلت هذه العادات في المدن الأوروبية، ثم عادت من جديد إلى تونس مع الاستعمار الفرنسي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حيث كان الأوروبيون المقيمون بتونس يسمون منازلهم تسميات فنية وشعرية أو بأسماء أبنائهم، فأخذ عنهم التونسيون هذه العادة الجميلة. وبرز ذلك بشكل لافت مع التوسع العمراني الذي شهدته المدن التونسية، فبُنيت الأحياء الجديدة على غرار المدن الأوروبية، والذهاب إلى التخطيط الهندسي الشطرنجي، والمنازل المنفردة التي توجد بها حدائق وبوابات خارجية. ونجد ظاهرة تسمية المنازل بأحياء ميتيال فيل، ولافيات، والمرسى، والزهراء، وباردو، والعمران.

أما في فترة الستينيات والسبعينيات، فقد عرفت تونس طفرة في تسمية الدور والمنازل، والعلامات المركزة على المنازل ما زالت موجودة إلى اليوم، تروي تفصيلًا من التاريخ الاجتماعي للتونسيين. وانسحبت التسميات لتشمل المناطق الشعبية كنوع من الرفاه والاستقرار الاقتصادي والتباهي، فحملت أسماء الدور والمنازل أسماء الأبناء وألقاب العشيرة التي ينتمي إليها صاحب المنزل، كما أعلت تسميات المنازل بالمناطق الشعبية من بعض القيم الدينية والإنسانية على غرار: "منزل الرحمة"، "دار التقوى"، "منزل التآخي"، "دار الارتقاء"، "دار الإخاء"، "منزل الأخلاء".

 أعلت تسميات المنازل بالمناطق الشعبية من بعض القيم الدينية والإنسانية على غرار: "منزل الرحمة" و "دار التقوى"

هذه الظاهرة خفّ بريقها مع بداية الألفية الجديدة، وأخذت في التراجع، وانتقلت التسميات من المنازل والدور والبيوت إلى العمارات والأحياء الجديدة، فالباعث العقاري في تونس مطالب بتسمية البناءات التي يبعثها، وهذه التسميات منها ما يخضع للعامل السياسي، فنجد عمارات بُنيت في فترة الرئيس الراحل زين العابدين بن علي تحمل تسميات من قبيل: "عمارة العهد الجديد"، "عمارة التحول المبارك"، "عمارة السابع من نوفمبر" أو العامل الديني، فنجد عمارات تحمل تسميات أماكن مقدسة على غرار: "عمارة المزدلفة"، "عمارة القدس"، "عمارة عرفات".

ولمزيد فهم هذه الظاهرة وتفكيك شيفراتها النفسية والاجتماعية والثقافية، بسط "الترا تونس" عناصر هذا الموضوع على عدد من المختصين من بينهم مهندسة ديكور خارجي للمنشآت المعمارية إيمان درين، التي أوضحت لـ"الترا تونس" أن بناء المنزل يخضع للقاعدة الوظيفية بالأساس، مع مراعاة القواعد الجمالية التي تعود للذوق العام المنتشر في المجتمع، وإلى لمسات صاحب المنزل، مما يعطي خصوصية، وفق تعبيرها.

وأضافت المهندسة: " المنزل يعكس مكانة ودور صاحبه في المجتمع، وهو ما يُباين بين المنازل في الحي الواحد. وتسمية المنزل عنصر من عناصر هذا التباين الجمالي والمجتمعي".

إيمان درين، مهندسة ديكور خارجي لـ"الترا تونس": المنزل يعكس مكانة ودور صاحبه في المجتمع، وهو ما يُباين بين المنازل في الحي الواحد

وأشارت محدثتنا إلى أن المهندس أو شركة الهندسة تقترح أحيانًا تسمية المنزل، وإن وافق صاحبه، تُدرَج لوحة التسمية في التصميم، فتجعلها منسجمة مع المواد المستعملة في بناء الواجهة الرئيسية للمبنى، وتتخير مكانها وتناقش محتواها مع سكان المنزل. وكشفت أنها صممت منازل حملت تسميات شعرية كأسماء الورود أو القيم الإنسانية، لكن تبقى تسميات من قبيل: "دار العز" و"دار السعادة" هي الأكثر رواجًا في تونس، وفق قولها. 

وأكدت المهندسة إيمان درين أن لوحة التسمية هي عنصر جمالي وفني وذوقي يهتم به كل مشتغل بالتصاميم الهندسية، ويقرؤون حول تاريخه وأسباب نشأته، وهو جزء من فلسفة المدينة التي تنهض بالعيش معًا على رقعة جغرافية واحدة. وأوضحت أن التونسيين اليوم عادوا إلى هندسة المنازل البسيطة والجميلة معًا، ولا يميلون إلى التسميات كما في السابق، وربما يعود ذلك إلى ثقافة التقشف والتواضع أمام الآخرين، بحسب تعبيرها.

من جهته، أكد الأستاذ المختص في علم الاجتماع، سفيان الفراحتي، أن تسمية المنازل تجعلنا نقرأ المجتمع قراءة نفسية واقتصادية معًا، فهي تعكس استقرار المجتمع وتركيبته وثقافته ومدى انسجام طبقاته، وأيضًا منظومة قيمه، وفق قوله.

تسمية البيت أو المنزل وإعطائه عنوانًا ومعنًى هو سلوك شعري صرف (Pinterest)

 

وأضاف الأستاذ سفيان الفراحتي أن فلسفة العيش المشترك التي تحدّث عنها أفلاطون في كتابه الجمهورية، ومن بعده العلامة عبد الرحمان بن خلدون في مقدمة كتابه العبر، أفرزت ما يمكن تسميته بالثابت المشترك، وهذا الثابت يراوح بين الظهور والأفول، من ذلك مثلًا: تسمية المنازل والدور ومؤسسات الخدمات وتسمية الحدائق وتخليد الأحداث والشخصيات، حيث نجد هذا السلوك في كل المجتمعات التي اختارت أن تعيش معًا في "المدينة"، وذلك مع تغيرات تفرضها اللحظة السياسية والتاريخ الثقافي، وفق قوله.

الأستاذ المختص في علم الاجتماع، سفيان الفراحتي لـ"الترا تونس": التونسيون يطلقون التسميات على منازلهم ودورهم وقصورهم منذ القدم، وقد أثبتت ذلك النقائش الأثرية والكتب التاريخية 

وبيّن الفراحتي لـ"الترا تونس" أن التونسيين يطلقون التسميات على منازلهم ودورهم وقصورهم منذ القدم، وقد أثبتت ذلك النقائش الأثرية والكتب التاريخية وبالتالي، هناك امتداد مع اللحظة الراهنة. وفي تفسيره لتخيّر التونسي التسمية بعينها وتركيزها على واجهة المنزل معروضة أمام المارة، أوضح أن ذلك فيه دعوة من صاحب المنزل لمشاركته ما رآه جمالًا معنويًا وقيميًا، وهي علامة من علامات حسن العيش، أما عن محتوى التسميات، فأشار المختص في علم الاجتماع إلى أن ذلك يعود لثقافة المجتمع وذوق صاحب المنزل واللحظة السياسية السارية.

تبقى ظاهرة تسمية المنازل والبيوت مسارًا جماليًا وتشكيليًا في مجال هندسة المدينة، وعنوانًا مميزًا لذوق الأفراد والمجموعات في تعاملهم مع هندسة الفضاء الخاص والعام، وهو في نفس الوقت اختزال وتكثيف لثقافة المجتمع، والوقوف على منظومة القيم التي يدافع عنها، فتكون تسمية المنزل حمّالة لرسائل، ونشرًا لمحتوى معنوي في كلمة واحدة.

الكلمات المفتاحية

ليلة القدر في الذاكرة الشعبية.. من مؤتمر نضالي إلى خروج الكنوز للصالحين

ليلة القدر بين العبادة والتقاليد.. كيف يحيي التونسيون أقدس ليالي رمضان؟

مع دخول العشر الأواخر من رمضان، يبدأ المسلمون في كلّ بقاع الأرض في تحرّي ليلة القدر التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم، وحثّ فيها على الاجتهاد في العبادات والطاعات لما تحمله في طيّاتها من عفو ومغفرة وتغيير للأقدار


جامع الزيتونة.. علوّ السماحة والتاريخ على أرض تونس

جامع الزيتونة.. علوّ السماحة والتاريخ على أرض تونس

جامع الزيتونة في تونس، سردية كبرى للتأمل العميق والتنوير الخيالي المليء بالأسرار وعلوّ السماحة على أرض تونس، وتتميز قاعة صلاة الجامع بأعمدة جلبت من الآثار بجهة قرطاج ويصل عددها إلى 184 عمودًا رخاميًا بألوان متباينة تحمل تيجانًا بزخارف قرطاجنية ورومانية متنوعة ومختلفة..


مسلسلات رمضان 2026 في تونس.. الدراما تسجّل حضورًا طاغيًا

مسلسلات رمضان 2026 في تونس.. تنافس شديد في سباق الدراما

من بين مسلسلات رمضان 2026 الدرامية التي ستعرض في تونس، نجد أركان حرب وحياة والخطيفة وأكسيدون.. وغيرها


صبرية في السبعينات وصاحبك راجل 2.. مسلسلات كوميدية في رمضان 2026 بتونس

"صبرية في السبعينات" و"صاحبك راجل 2".. مسلسلات كوميديا رمضان 2026 في تونس

مع حلول شهر رمضان 2026، تعود مسلسلات الكوميديا التونسية لتحتلّ موقعها الثابت في المشهد التلفزيوني، لتتحول السهرة الرمضانية إلى موعد يومي مع الضحك والسخرية والنقد الاجتماعي اللاذع..

الاتحاد العام التونسي للشغل غيتي
سیاسة

مؤتمر اتحاد الشغل.. قائمة المترشحين للمكتب التنفيذي

انتهت يوم السبت فترة تقديم الترشحات للمكتب التنفيذي الوطني للاتحاد العام التونسي للشغل، وللهيئة الوطنية للنظام الداخلي وهيئة المراقبة المالية، استعدادًا لعقد مؤتمر المنظمة أيام 25 و26 و27 مارس 2026 بمدينة المنستير، وفق موقع "الشعب نيوز" التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل

17 مشاركة دولية في الدورة الثالثة للمهرجان الدولي للطائرات الورقية
منوعات

17 مشاركة دولية في مهرجان الطائرات الورقية "طائرات السلام" في تونس

انعقدت يوم الخميس 12 مارس/آذار 2026 الندوة الصحفية الخاصة بالدورة الثالثة من المهرجان الدولي للطائرات الورقية "طائرات السلام"، الذي ينظمه المركز الثقافي والرياضي للشباب ببن عروس بالشراكة مع المركب الشبابي بنفطة والجمعية التونسية للطائرات الورقية "One Tunisia Kite Team" والديوان الوطني التونسي للسياحة، وبالتعاون مع المندوبية الجهوية للشباب والرياضة ببن عروس وعدد من دور الشباب…


الترجي التونسي الكرة الطائرة
منوعات

إثر رفضه قرار إعادة المباراة.. النجم الساحلي يغيب عن مواجهة الترجي

غاب النجم الرياضي الساحلي عن المباراة المُعادة أمام الترجي الرياضي التونسي ضمن بطولة الكرة الطائرة، احتجاجًا على قرار الجامعة التونسية للكرة الطائرة ولجنة الاستئناف، القاضي بإعادة اللقاء

طقس السبت.jpg
منوعات

طقس تونس.. أمطار في بعض المناطق وارتفاع طفيف في الحرارة

معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تتراوح بين 15 و20 درجة بالمناطق الساحلية والمرتفعات

الأكثر قراءة

1
مجتمع

"حشيشة رمضان".. كيف تحوّل التعبير الشعبي إلى ذريعة لتعنيف النساء؟


2
میدیا

إطلاق حملة وطنية ودولية للمطالبة بالإفراج عن الصحفي مراد الزغيدي


3
سیاسة

10 سنوات سجنًا في حق عبير موسي في قضية مكتب الضبط


4
مجتمع

ما مستجدات أوضاع الجالية التونسية في السعودية تزامنًا مع التصعيد بالمنطقة؟


5
مجتمع

صدور أحكام سجنية في حق المعتدين على قطارات الضاحية الجنوبية