قصة خبيب حمدي.. ما لا يُرى بالعين يُدرك بالإرادة
9 يوليو 2025
"هو طريقك مهما ساعدك الناس وساندوك، في الأخير ستجتازه لوحدك ولك القرار. وتكتشف مع الوقت أن حياة كل فرد فينا متقلّبة لا يمكن السيطرة على كلّ تفاصيلها ولا نملك دائمًا رفاهية الاختيار". كانت هذه الكلمات عصارة خبرة سنوات عاشها الشاب الكفيف خبيب حمدي الذي نجح مؤخّرًا في مناظرة المحاماة.
ولكنّ بساطة الكلمات تحمل في طيّاتها تفاصيل مسيرة لم تكن بالهيّنة على طفل عاش طفولة عاديّة لكنّه وجد نفسه محرومًا من نور البصر عندما بلغ الثالثة عشرة من عمره بسبب مرض بصري نادر يتطور بسرعة ويؤدي في ظرف وجيز إلى فقدان النظر.
وجد خبيب حمدي نفسه محرومًا من نور البصر عندما بلغ الـ13 من عمره بسبب مرض بصري نادر، لكنه لم يستسلم وواصل طريقه ونجح في الالتحاق بكلية الحقوق، حيث بزغ اسمه كطالب استثنائي، تُوّج الأول وطنيًا في اختصاص القانون
وهنا كانت اللحظة الفارقة في حياة تلميذ تطال أحلامه النجوم لكنّ المرض أطفأ نور عينه ومع ذلك أشعل مصابيح روحه وأضاء طريقه بعزيمة تهد الجبال الراسيات.
"الترا تونس" رصد قصّة الشاب الطموح خبيب حمدي، تجدون تفاصيلها في هذا التقرير.
حين تغيّر كل شيء.. نقطة التحوّل في حياة خبيب
كان خبيب طفلاً شغوفًا بعلوم الفضاء والفلك، يعيش طفولة طبيعية كأي طفل يحلم بأن تطأ قدماه القمر يومًا. لكن، كما الحياة دائمًا، تُخفي المنعطفات الأكثر تأثيرًا خلف لحظات لا نتوقعها.
في السنة الثامنة من التعليم الأساسي، بدأ المرض يشتد به إلى أن فقد البصر حيث يسترجع هذه اللحظات قائلًا: "عشت طفولة عادية، ثم فجأة وجدت نفسي في عالم آخر، دون ألوان ولا وجوه. كانت لحظة فارقة في حياتي وخاصة في فترة انتقالية بين الطفولة وبداية المراهقة. ولكن الابتلاء لا يكسرنا، بل يكشف من نحن فعلاً. فإما أن نصبر ونتحدى، أو نستسلم. وقد ألهمني الله قوة جعلتني أواصل".
ما بين الطفولة وبداية المراهقة، كان عليه أن يعيد ترتيب حياته. الأحلام تغيّرت، والطموحات اختُبرت، والواقع أصبح أقسى.
في تلك السنة الاستثنائية، لم يكن خبيب يعرف لغة برايل بعد. تخيّل تلميذًا لا يرى، لا يقرأ، لا يكتب، لكنه يصر على مواصلة الدراسة.
خبيب حمدي لـ"الترا تونس": اكتسبتُ نضجًا مبكرًا بعد فقداني البصر، رؤيتي للحياة أصبحت أوسع، وتعلمت أن الابتلاء قد يكون بوابة بصيرة لا تُمنح للجميع
ولكنّ والدته كانت قبس النور الذي يضيء له الطريق حيث كانت تقرأ له بصوت ثابت عشرات المرات، تكتب الدروس، تعيدها بصبر، وتعيش القصة معه حرفًا حرفًا: "كنت أركز على السمع، وأمي كانت عيني وعقلي وسندي. والتحدي كان كبيرًا، لكنني نجحت، وكنت الثاني على الدفعة".
ما لا يُرى بالعين يُدرك بالإرادة
بعدها، التحق خبيب بمعهد المكفوفين، وهناك بدأ فصلًا جديدًا من حياته.
ورغم شغفه بالعلوم، لم يكن متاحًا له إلا شعبة الآداب، بسبب ضعف الإمكانيات: "كانت هناك طموحات أهداف وأحلام كثيرة لكني وجدت نفسي في وضعية جديدة وتغيير جذري في حياتي يفرض عليّ التأقلم مع كلّ حيثيّاته".
لكن بدلاً من التذمر، تكيّف خبيب حمدي مع الواقع، وسار في الطريق المتاح، مصدقًا أن "الخير دائمًا فيما اختاره الله". وما بدأ كخيار مفروض، أصبح مسيرة تفوّق.
من ثمّ التحق خبيب حمدي بكلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية، وهناك، بزغ اسمه كطالب استثنائي. وكانت اللحظة الذهبية حين تُوّج الأول وطنيًا في اختصاص القانون، متحصلًا على جائزة رئيس الجمهورية، وفق حديثه لـ"الترا تونس": "النجاح لم يكن وليد الحظ، بل تعب، مثابرة، وإيمان بأن الحلم لا يُطفأ، حتى لو انطفأ البصر".
خبيب حمدي لـ"الترا تونس": الطالب الكفيف يعاني من ضعف شديد في النفاذ إلى المعلومة، ونقص في المراجع، وقِدم التشريعات، وانعدام التسهيلات التكنولوجية
لم تخلُ مسيرة المحامي الشاب من لحظات ضعف ويأس، خصوصًا مع الإرهاق وضعف الإمكانيّات التي توفرها الدولة لذوي الإعاقة البصريّة، لكنّه كان ينهض في كل مرة، لأنّه آمن أنّ "الناس يمكن أن يساندوك، لكن القرار في النهاية قرارك وحدك".
أكثر ما تغير فيه بعد فقدان البصر لم يكن فقط طريقة التعلم أو العيش، بل الوعي.
يقول لـ"الترا تونس": "اكتسبتُ نضجًا مبكرًا، رؤيتي للحياة أصبحت أوسع، وتعلمت أن الابتلاء قد يكون بوابة بصيرة لا تُمنح للجميع".
نظام قانوني لا يُنصف ذوي الإعاقة
لكن رغم التفوق، لا يخفي خبيب قلقه من واقع المكفوفين في تونس، إذ يشير إلى ما يعانيه الطالب الكفيف من ضعف شديد في النفاذ إلى المعلومة، ونقص في المراجع، وقِدم التشريعات، وانعدام التسهيلات التكنولوجية: "نحتاج اليوم لتشريعات تحترم حق التأليف وتضمن في الوقت نفسه حق النفاذ للمعلومة لذوي الإعاقة البصريّة. الإطار موجود، لكنه يحتاج التفعيل والتطبيق الواقعي".
ويضيف منتقدًا البنية الحالية: "التشريعات أصبحت بالية ومحاضر التلاوة والإمضاء أصبحت قديمة. أعتقد أنّه حان وقت التغيير".
في ختام شهادته، يوجّه خبيب رسالته لكل من يحمل حلمًا في قلبه، ويخشى ألا يراه يتحقق: "لكل إنسان قصته، ومهما كانت الصعوبات، إن آمنت بنفسك وبربك، ستصل. المهم أن لا تتنازل مهما كانت الصعوبات". ثم يتوقف لوهلة، قبل أن يقول بشيء من التأثر: "أمي.. تستحق كل تحية. لم تكن فقط أمًا، كانت مدرسة. وكذلك زميلي وأستاذي بلال المناع، الذي رافقني وساندني".

ومن بين الذين رافقوا خبيب في الرحلة، وشهدوا التحديات التي عاشها، عمّته سعاد حمدي حيث تقول لـ"الترا تونس": "خبيب هو فخر العائلة، دون مبالغة. قصته تمس أي إنسان، لأنها تحكي عن تحدٍّ حقيقي وعن إصرار لا يُهزم. لم تكن الإعاقة عنده عائقًا، بل كانت دافعًا، نقطة انطلاق لا نهاية. الله ابتلاه، لكنه عوّضه بعزيمة لا توصف، وإرادة من حديد. نحن في العائلة نعتبره قدوة وملهمًا، لأنه لم يستسلم للحظة. أنا شخصيًا درست القانون، وأحب هذا المجال، لكن لم أتمكن من الوصول فيه لما وصل إليه خبيب، لذلك أعتبره حقّق حلمي أيضًا".
مضيفة أنّ "خبيب، ومنذ طفولته، كان يحمل في داخله شيئًا مختلفًا، روحًا لافتة لا تشبه باقي الأطفال. لكنّ لحظة فقدانه للبصر كانت صعبة على الجميع، وكانت صدمتها قاسية بشكل خاص على العائلة. رغم ذلك، تؤكّد أن خبيب لم يسمح للانكسار أن يتسلل إليه. مضى في طريقه بثبات نادر، متسلّحًا بعزيمة جعلته يتجاوز كل العقبات. ومع مرور السنوات، راكم النجاحات، وواصل الاجتهاد دون أن يلتفت للقيود". واليوم، تراه سعاد بفخر من بين المتفوقين في مجال القانون، وقد صنع من المحنة منطلقًا لمسيرة مشرّفة، وفقها.
الكلمات المفتاحية

نقص الأدوية في تونس.. منظمات: الأزمة هيكلية وفئات هشة تواجه خطر الموت
الكاتبة العامة للمجلس الوطني لهيئة الصيادلة ثريا النيفر قد أكدت في تصريح لـ"الترا تونس"، يوم الاثنين 12 جانفي/يناير 2026، أن "الصيدليات الخاصة تفتقر لعدة أدوية، لعدم إمكانية التزود بها خلال الفترة الأخيرة نتيجة أزمة السيولة المالية لدى الصيدلية المركزية"

جيل زد في تونس.. جيل مجازف يبحث عن خلاصه الفردي
سوسن درين (مختصة في علم الاجتماع) لـ"الترا تونس": العائلة التونسية تعيش أزمتها مع جيل زد الذي يبدو غير مفهوم وغامض ولا يحسن التعبير عن دواخله الضاجة وهواجسه المتلاطمة وأحلامه المختلفة.. هو جيل لا يمكن إغراؤه بسهولة، نظرته يغيب منها الانبهار والدهشة، لا يقيم طويلًا في لذة الأشياء..

من تجربة رائدة إلى قضية استعجالية.. واحات جمنة تُهدَّد بالإخلاء
تترقّب جمعية حماية واحات جمنة، مصير قضيتيْن تنظر فيهما الجهات القضائية نهاية هذا العام وبداية العام المقبل: الأولى استعجالية تتعلّق بإخلاء "الضيعة" التي تُعدّ مصدر رزق لمئات الأسر، والثانية تتعلّق بتقييم محاصيل نخيل الواحة منذ عام 2011.

وفاة ممرضة في الرديف متأثرة بحروقها أثناء العمل يثير الغضب في تونس
أثارت وفاة الممرضة التونسية أزهار بن حميدة، التي فارقت الحياة متأثرة بالحروق التي تعرضت لها أثناء تأديتها لحصة الاستمرار الليلية بالمستشفى المحلي في الرديف، وفق ما صرح به الناطق باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، رمضان بن عمر، في وقت سابق لـ"الترا تونس"، موجة غضب واسعة في تونس. وأدت الحادثة إلى سلسلة من ردود الفعل من نقابات القطاع الصحي، المنظمات الحقوقية، والناشطين…

منظمات وجمعيات تدعو إلى الإفراج عن شذى الحاج مبارك وأحمد صواب والعياشي الهمامي
أعربت عدد من الجمعيات والمنظمات الحقوقية عن بالغ قلقها، يوم الثلاثاء 13 جانفي 2026، إزاء الوضع الصحي المتدهور للسجينة والصحفية شذى الحاج مبارك، الموقوفة منذ 20 جويلية 2023 على خلفية قضية مرتبطة بالاستعانة بمعلومات متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي

"اعتماد المرونة في الفوترة الإلكترونية".. تثير جدلًا واسعًا في تونس
أثار بلاغ وزارة المالية الصادر يوم الثلاثاء 13 جانفي 2026 بشأن تطبيق الفصل 53 من قانون المالية لسنة 2026 جدلًا واسعًا في الأوساط المهنية والإعلامية وبين المواطنين، بعد أن أعلن فيه أن العمليات الاقتصادية ستخضع للفوترة الإلكترونية ابتداءً من غرة جانفي 2026، مع التعامل بـ"مرونة" في التطبيق لتفادي الاضطراب والإرباك.

إرجاء محاكمة المتهمين في هجوم كنيس الغريبة بجربة إلى أجلٍ غير مسمى
أرجأت السلطات القضائية في تونس، الثلاثاء 13 جانفي 2026، محاكمة المتهمين في الهجوم الذي استهدف كنيس الغريبة في جزيرة جربة خلال موسم الحج اليهودي السنوي في ماي 2023، وذلك إلى أجلٍ غير مسمى، وفق وكالة الأنباء الفرنسية "فرانس براس". وكان الهجوم قد أسفر عن سقوط خمسة قتلى

يوم غضب وإضراب مفتوح في قطاع التربية المختصة مع حمل الشارة الحمراء
قرر المربّون المختصّون، ارتداء الشارة الحمراء ابتداء من تاريخ الاثنين 12 جانفي 2026 "والانخراط الفعلي في جميع الأشكال النضالية القانونية والمشروعة دفاعًا عن حقوقهم المسلوبة" وفق نص بيانهم
