قراءة في نقاشِ اليسار الراديكاليّ من زاوية ديمقراطية - اجتماعية
17 أغسطس 2026
مقال رأي
لماذا يعسرُ على اليسار التونسيّ الإمساك بمعنى هزيمته؟ وهل يعود ذلك إلى أنّه يقرؤها بالمفردات نفسها التي أنتجتها؟ حين يفسّر إخفاقَه بخيانةِ نُخبٍ أو بضعفِ وعيٍ أو باختلال موازين القوى، ألا يظلّ يبحث عن فاعلٍ غائب، بينما يقع الإخفاقُ في مكانٍ لا تبلغه أدواتُه؟ ألم يفتقد هذا اليسار، طوال العشريّة حزبًا يترجم قدرةً تعبوية على تمثيلٍ سياسيّ ينظّم الطبقات التي من المفترض أن يُعبّر عنها؟ وحين يغيب هذا الحزب، أفلا تنزلق الدولةُ إلى ريعٍ مَدينٍ يموّل تسويةً توزيعيّةً بالاستدانة؟ ومن يتقاسم البلادَ سوى رأسمالٍ ريعيّ ورأسمالٍ دولتيّ كلاهما تابع لمركز مهيمن لا مصلحةَ لأيٍّ منهما في التحوّل المنتج؟
تنطلق هذه القراءة من فرضيّةٍ مفادها أنّ هذا الجهاز المفاهيميّ يسمّي مأزقَ اليسار ويفسّره دون أن يوفر بديلًا جديًا. حيث يكتفي نصّان لحمة الهمامي وأيمن العلوي، صدرا في أوت/أغسطس 2026، وعلى أهميتهما بوصف هذا المأزق دون طرح مراجعة تسمح بخلق شروط بناء يسار اجتماعي فاعل.
يحمل النصّان دلالةً تتجاوز صاحبيهما، لأنّهما يصدران عن الجناحين المتنافسين لـ"اليسار الجديد" التونسيّ، ذاك الذي وُلد في سبعينيات القرن الماضي بميولٍ ستالينيّةٍ شبه ماوية. يكتب حمّة الهمّامي بوصفه أحد الوجوه التاريخيّة لتجربة «العامل التونسيّ» وخاصة سليلها حزبَ العمّال الشيوعيّ التونسيّ. ويكتب أيمن العلوي بوصفه وجهًا جديدًا نسبيًّا لما يُسمّى العائلةَ الوطنيّة الديمقراطيّة، وخاصّةً «الوطد». وقد توحد الجناحان أنفسَهما، ذات لحظةٍ، مع جناح في التيار القومي في الجبهة الشعبيّة، وهي أقرب محاولةٍ لتأسيس «حزبٍ يساريّ كبير» في تونس. لذلك لا يقرأ المرءُ في النصّين موقفَين فرديّين، بل صدى تجربتين تتقاسمان الأصلَ نفسه وتفترقان في قراءة انهياره.
يلتقي نصّان لحمة الهمامي وأيمن العلوي عند التشخيص، أي هزيمة كبرى لليسار؟ ويفترقان عند الجواب افتراقًا يعكس افتراقَ الجناحين التاريخيين لليسار الراديكالي.. يشتغل الأوّل على الماضي القريب ليُثبت صوابَ مواقفه، ويشتغل الثاني على المستقبل ليتحرّر من عبء تلك المواقف
كتب حمة الهمّامي، في الحادي عشر من أوت/أغسطس الجاري مقالًا عنوانه «جدل حول الثورة والثورة المضادّة في تونس». يشخّص تردّي المناخ العامّ تحت منظومة قيس سعيّد، ثم يطرح الإشكالية الرئيسية، التي لا يمكن إلا تثمينها في رأيي، وهي: الدفاع عن حقّ الشعب في تقييم العشريّة التي عقبت الثورة، وضدّ من يجعلون التقييمَ إلهاءً عن مقاومة الاستبداد. يستعرض التركيبات الحكوميّة كلّها بين 2011 و2021، ليخلص إلى أنّ الأحزاب التي حكمت بأغلبيّةٍ مريحة — وفي مقدّمتها حركة النهضة — تتحمّل مسؤوليّةَ الالتفاف على الثورة، وأنّ حزبَه عارض خياراتها في حينها. يرفض، وهو محق في رأيي، مقولةَ «كلّنا مسؤولون» بوصفها تملّصًا. ويردّ فشلَ تلك الأحزاب لا إلى معارضةٍ عرقلتها، بل إلى خياراتها النيوليبراليّة التي واصلت نمطَ الإنتاج القديم، فيسوق أرقامَ الدَّين والعجز التجاريّ والبطالة دليلًا. ويطالب أخيرًا بنقاشٍ علنيّ حول البديل الاقتصاديّ والاجتماعيّ للفترة الانتقاليّة، لا حصرِه في السياسيّ وحده، وهو أيضًا موقف معقول تمامًا. لكن عمومًا يكتب حمة الهمّامي من موقع من ظلّ وفيًّا لهويّة حزبه ولصوابيّة مواقفه المعارِضة.
في المقابل كتب أيمن العلوي، نصًّا تفاعليًّا، دون أن يسميه صراحة، مع نص حمة حول «أزمة اليسار الراهنة». ينطلق من أنّ انهيار الجبهة الشعبيّة خلّف فراغًا سياسيًّا ونفسيًّا، ومن أنّ الفرزَ داخل اليسار لم يكتمل بعد. ويدعو إلى الكفّ عن الاشتغال بالذاكرة، وإلى الاعتراف بالهزيمة اعترافًا صريحًا، والهزيمة هي أساسًا الانتهاء إلى مجموعات محدودة العدد، ضعيفة التأثير، لا أحزاب للطبقة العاملة. يؤكد العلوي وهمين: وهم الاندماج في السلطة باسم «الواقعيّة»، ووهم الثورة الشاملة التي تتجاهل ارتباطَ الاقتصاد التونسيّ ببنية الرأسماليّة العالميّة.
ويقترح بناءَ منظّمةٍ حديثةٍ محترفة، ذاتِ جهازٍ إعلاميّ وامتدادٍ اجتماعيّ، تحمل برنامجًا «جذريًّا في أهدافه، إصلاحيًّا في أفقه»، وتبدأ من «الصفر السياسيّ» لا الصفر التاريخيّ. يكتب العلوي، إذن، من موقع الجيل الذي يحاول تجاوزَ آبائه دون أن يقطع معهم.
في الحقيقة يلتقي النصّان عند التشخيص، أي هزيمة كبرى لليسار؟ ويفترقان عند الجواب افتراقًا يعكس افتراقَ الجناحين التاريخيين لليسار الراديكالي. يجيب حمة الهمّامي، من موقع «حزب العمّال»، عن الهزيمة بالتقييم، فيحوّله إلى محكمةٍ توزّع المسؤوليّةَ على الآخرين وتُبرّئ حزبَه إلّا من «خطيئة» التحوّل إلى كتلةٍ برلمانيّة. ويجيب العلوي، من موقع الجيل الجديد لـ«الوطد»، عن الهزيمة بالاعتراف، فيوجّه النقدَ إلى الداخل، ويجعل الإقرارَ بالضعف شرطًا لإعادة البناء. يشتغل الأوّل على الماضي القريب ليُثبت صوابَ مواقفه، ويشتغل الثاني على المستقبل ليتحرّر من عبء تلك المواقف. يظلّ حمة الهمّامي وفيًّا لأفق القطيعة الثوريّة ونمطِ إنتاجٍ جديد، بينما يتخلّى العلوي عن الثورة الشاملة ويستعيد منطقَ التراكم والإصلاح. غير أنّ الرجلين يتقاطعان في نقطةٍ دالّة: يذكران الاتّحادَ العامّ التونسيّ للشغل أداتيًّا — حصنًا في وجه الميليشيات عند الأوّل، وطرفًا يُنسج معه تحالفٌ عند الثاني — دون أن يسأل أيٌّ منهما عن دوره البنيويّ في تفسير غياب "الحزب اليساري الكبير". وهو تقاطعٌ لافت، لأنّ تجربةَ الجناحين معًا، في الجبهة الشعبيّة، كانت أقربَ ما بلغه اليسار من ذلك الحزب الغائب، ثم انهارت.
يشترك النصّان في مشكل واحد: يعاملان الاتّحادَ كأداة، بينما هو معضلة الإشكالية التنظيمية. انغمست تيارات اليسار التاريخي في العمل النقابي، والاستضلال بالاتحاد، حتى أصبح يستوعب وظيفةَ التمثيل السياسيّ الطبقيّ التي كان حزبٌ يساريّ كبير سيؤدّيها في سياقٍ آخر
تبدو لي حجّة حمة الهمّامي محدودة عند مفصلها الاقتصاديّ. يجعل المشكلةَ استمرارَ «نمط إنتاج نيوكولونياليّ» ويطلب نمطًا جديدًا يقطع معه، غير أنّ الأرقام التي يسوقها هو نفسه تقول عكسَ ذلك. يتضاعف الدَّين العموميّ أربع مرّات في عشريّةٍ واحدة، فلا يدلّ ذلك على انتصار النيوليبراليّة المتوحّشة بقدر ما يكشف رَيعًا مَدينًا: تستدين الدولةُ تحت ضغط الشارع لتموّل الاستهلاكَ والتشغيلَ العموميّ وسِلْمَها الاجتماعيّ، لا لتنفّذ تقشّفًا. وهذا لا يعني قطيعة مع اقتصاد تابع تم إعادة تأسيسه مع دولة الاستقلال خاصة مع حلول السبعينيات، بل يعكس سياسات تلفيقية تعايشت بشكل اعتباطي مع ضغوط ما بعد الثورة. يقرأ حمة الأعراض ولا يشخص بشكل دقيق العلّة، فيصفُ الخيارَ النيوليبراليّ في حين نحن بصدد آليّة ريعٍ توزيعيّةٍ عاجزةٍ عن الإنتاج، ولا ترتقي أن تكون ليبرالية أو نيوليبرالية. ويظلّ جوابُه — القطيعة — بلا شروطٍ ماديّة، لأنّ رتقَ نمط الإنتاج بالثورة يفترض قوّةً اجتماعيّةً منظّمة لا يتم تحديد ماهيتها بشكل واضح ودقيق خارج القوالب الإيديولوجية القديمة التي تعيد استنساخ الجهاز المفاهيمي للثورة البلشفية حول "حزب الطبقة العاملة والفلاحين".
وهنا يظهر بشكل جلي إرثُ «العامل التونسيّ»، تظلّ لغةُ نمط الإنتاج والثورة المضادّة تحملُ تصوّرَ السبعينيات نفسه، حيث يُنتظر من التحليل الطبقيّ أن يوقظ فاعلًا تاريخيًّا لم يعد قائمًا.
يقترب، في رأيي، العلوي من مراجعة الجهاز المفاهيمي العتيق للتأقلم مع الواقع المادي القائم، أي الجواب المفترض أكثر، لكنّه يقف عند عتبته. يعيد اكتشافَ منطق المراجعيّة الاجتماعية - الديمقراطيّة —نعود هنا إلى النقاش القديم الذي شق اليسار الماركسي، خاصة الألماني نهاية القرن التاسع عشر، أي الجذريّة في الأهداف والإصلاح في الأفق، وتحويلَ المطلب الجزئيّ إلى قوّة — دون أن يسمّيه، فيقدّمه بوصفه جِدّةً داخل الماركسيّة. يُبقي بذلك على التوتّر نفسه غيرَ محسوم: هل الإصلاحُ وسيلةٌ نحو قطيعةٍ مؤجّلة، أم مشروعٌ إيجابيّ قائم بذاته؟ حين يظلّ الأفقُ النهائيّ ثوريًّا والفعلُ اليوميّ إصلاحيًّا، تنشأ الفجوةُ ذاتُها التي شخّصها بين اللغة والواقع، لكن هذه المرّة داخل مشروعه هو. ولعلّ هذا التردّدَ ميراثُ «الوطد»: تيّارٌ نشأ على حدود الماوية، أي المسافة من تيار "العامل التونسي" بالتركيز على المسألة الوطنية في علاقتها بالمسألة الديمقراطية، ثم انزاح تدريجيًّا ولو باحتشام نحو مقولات الديمقراطيّة والحريّات، دون أن يقطع مع الأصل قطعًا معلنًا يسمّي ما صار إليه.
عن إمكانية حزبٍ يذهب إلى المجتمع بدل أن ينتظره.. نجد أنّ الفاعلين الحاضرَين ميدانيًّا ليسوا حزبًا يساريًّا، بل هيئات مهنيّة - حقوقيّة مثل رابطةُ حقوق الإنسان وهيئة المحامين والمنتدى الاقتصادي والاجتماعي، حيث يتم استثمار جزء كبير من طاقات مناضلي اليسار الماركسي الراديكالي
ثم يشترك النصّان في مشكل واحد: يعاملان الاتّحادَ كأداة، بينما هو معضلة الإشكالية التنظيمية. يؤدّي الاتّحاد، في تونس، وبمشاركة حثيثة من هذين التيارين التاريخيين لليسار خاصة منذ السبعينيات، وظيفةَ البديل الحزبيّ. وذلك، في رأيي، الجواب على سؤال العلوي «لماذا لم تنشأ منظّمة جماهيريّة؟». انغمست تيارات اليسار التاريخي في العمل النقابي، والاستضلال بالاتحاد، حتى أصبح يستوعب وظيفةَ التمثيل السياسيّ الطبقيّ التي كان حزبٌ يساريّ كبير سيؤدّيها في سياقٍ آخر، فيُمكّن (الحوارات الوطنية، التعاقداتُ الاجتماعيّة، صدُّ الإسلام السياسي) ويحجُب في الآن نفسه نموَّ حزبٍ مستقلّ في ظلّه. يفسّر هذا فشلَ الجبهة الشعبيّة نفسِها: تحرّكت في فضاءٍ اجتماعيّ يشغله الاتّحاد سلفًا، فلم تجد قاعدةً تنظيميّةً خالصةً تبنيها. ويفسّر فراغَ اليسار أعمقَ ممّا يفسّره تقصيرُ المناضلين عند العلوي أو خيانةُ النخب عند الهمّامي.
ويبقى الفارقُ الأعمق بين النصين طبقيًّا: تركز سردية حمة الهمّامي على سردية أخلاقيّة عن نُخبٍ فاسدة خانت شعبًا صالحًا، بينما تُقرأ بنيويًّا تسويةً صامتة بين رأسمالٍ ريعيّ ورأسمالٍ دولتيّ، لا مصلحةَ لأيٍّ منهما في التحوّل المنتج. يفسّر هذا لماذا لم تتشكّل لا القطيعةُ التي بشّر بها الأوّل، ولا القوّةُ المتراكمة التي حَدَسها الثاني.
وثمّة مسألةٌ أعمق تسبق الجوابين معًا وتفسّر حدودهما: هل حسم اليسارُ الراديكاليّ الماركسيّ موقفَه من الديمقراطيّة السياسيّة في الجوهر، أم لا يزال يقيم معها علاقةً أداتيّة؟ يشير مؤشّران إلى أنّ المسألة ظلّت مؤجّلة. يظهر الأوّل في الموقف الاستئصاليّ الذي اتّخذه طيف واسع بشكل مضمر أو صريح من هذا اليسار إزاء التيّارات الإسلاميّة عمومًا، حين تعامل مع تيّارٍ جماهيريّ لا بوصفه خصمًا يُهزَم سياسيًّا، بل بوصفه ظاهرةً تخون آليًا ثم تُجتثّ، فكشف بذلك أنّ الديمقراطيّة عنده تكتيكٌ يُرفع ويُطوى بحسب موازين القوى، لا قيمة تحكمه هو نفسه. وهنا يجب طرح نقطة أخرى مرتبطة بهذه المسألة وهي الخلط بين يمينية التيارات الإسلامية في القضايا الاقتصادية والثقافة الدينية القوية في الأوساط الشعبية المعنية بمطالب يسارية جامعة، والتي للمفارقة تميل في أحيان كثيرة إلى الطيف الإسلامي، في حين يتميز اليسار الراديكالي السائد بتموقع ثقافي يستعدي أحيانًا المسألة الدينية ويجعل التكوين الفكري والقيمي لكوادره وقواعده في حالة اغتراب تجاهها.
ويظهر المؤشر الثاني في أنّ الجناحين ظلّا يعبّئان شبيبتَيهما ويكوّنان كوادرَهما بمراجع نظريّةٍ شموليّة، من ضمنها نموذجُ الدولة اللينينيّة، بل الستالينيّة أحيانًا. تبقى اللغةُ الديمقراطيّة، والحال هذه، قشرةً فوق تكوينٍ لا يستبطن التعدّديّة، فينتج يسارًا يطالب بالديمقراطيّة في الشارع ويعيد إنتاج المركزيّة والوحدانيّة في تنظيمه ومخيّلته. يلمّح العلوي إلى أنّ الديمقراطيّة لم تصر بعدُ جزءًا من ثقافة مجتمعنا، لكنّه يوجّه الملاحظةَ إلى المجتمع لا إلى تكوين تيّاره هو. ويظلّ الهمّامي يعادل بين الظلم من أيّ مصدرٍ جاء، دون أن يسائل التكوينَ الذي جعل حزبَه، وريثَ اللينينيّة-الستالينية في تونس، يقرأ الديمقراطيّةَ إطارًا للصراع لا غايةً في ذاتها. هذا عدى عن الانتقادات التي تطاله حول قصر واضح في الديمقراطية الداخلية منعت تداولًا على المناصب القيادية وخلطت بين موقع القيادة والزعامة. وعمومًا هنا لم يحسما بعدُ ما إذا كانت الديمقراطيّة ثقافةً تُستبطن أم أداةً تُستعمل.
تسدّ الجمعيات والمنظمات، فراغًا تنظيميًّا وتتولى التوثيقَ والمساءلةَ القانونيّة، عوض بناءَ القوّة السياسيّة المستدامة.. يكشف هذا الغيابُ بدقّةٍ أين يقع العجزُ.. حيث توجد الكتلةُ الاجتماعيّة والقضيّةُ الرافعة.. لكن يغيب الحزبُ القادر على جمع الملفّات في مشروعٍ سياسيٍّ واحد
في الواقع المادي القائم تمثل نماذج الحركات الاجتماعية من أجل البقاء إزاء بيئة قاتلة، ومن أجل الحق في الماء والكهرباء، ومن أجل حق النساء العاملات في الفلاحة، أمثلة على تحويل المطلب الجزئيّ إلى تراكم، وعن إمكانية حزبٍ يذهب إلى المجتمع بدل أن ينتظره. نحن هنا إزاء كتلةٌ اجتماعيّةٌ محدّدة (شبابُ الأحياء الشعبيّة والمناطق الداخليّة، النساء العاملات في مصانع النسيج والحقول، ضحايا انسحاب الدولة من الخدمات الأساسيّة)، وقضايا ملموسةٌ يحسّها الناسُ في حياتهم اليوميّة (الماء والبيئة التي تسمح بالحياة وأجور تستغل ضعف المرأة لا «نمط الإنتاج»)، وقمعٌ يكشف طبيعةَ الدولة حين يستدعي مفرداتِ الإرهاب والتآمر لمواجهة شكوى معيشيّة، وهو ما يصلح نواةً لوعيٍ جماعيّ متراكم كما تصوّره.
غير أنّ الفاعلين الحاضرَين ميدانيًّا ليسوا حزبًا يساريًّا، بل هيئات مهنيّة-حقوقيّة مثل رابطةُ حقوق الإنسان وهيئة المحامين والمنتدى الاقتصادي والاجتماعي، حيث يتم استثمار جزء كبير من طاقات مناضلي اليسار الماركسي الراديكالي.
بذلك تسدّ هذه الجمعيات والمنظمات، وهي للمفارقة تشتغل في كثير من الأحيان عبر ناشطي تنظيمات حزبية تنتمي لليسار الراديكالي، فراغًا تنظيميًّا يوازي الفراغَ الذي يسدّه الاتّحادُ في الميدان النقابيّ، وتتولى التوثيقَ والمساءلةَ القانونيّة، عوض بناءَ القوّة السياسيّة المستدامة التي تراكم من قضيّةٍ إلى أخرى وتحوّل الغضبَ المحلّيّ إلى تمثيلٍ وطنيّ. يكشف هذا الغيابُ بدقّةٍ أين يقع العجزُ، حيث توجد الكتلةُ الاجتماعيّة والقضيّةُ الرافعة، ويحضر فاعلون حقوقيّون يوثّقونها بلغة الحقوق، لكن يغيب الحزبُ القادر على جمع ملفّاتٍ من هذا الطراز — الماء هنا، والكهرباء هناك، وأجر هزيل يستغل المرأة الريفية وتجريمُ الاحتجاج في كل مكان — في مشروعٍ سياسيٍّ واحد بدل أن تبقى كلُّ قضيّةٍ جزيرةً معزولةً يتابعها فاعلٌ حقوقيّ محليّ.
يلتقي الجناحان حسب هذين النصين، في النهاية، عند صدقٍ نادرٍ في نقد المرحلة، ولكن يقفان معًا عند عتبة الجواب. يظلّ أحدهما مرتبطًا بقطيعةٍ بلا شروط، ويظلّ الآخر يبني قوّةً دون أن يحسم الأفقَ الذي تخدمه. وتشهد قضايا جزئية نسبيًّا، كأزمة البيئة في قابس والماء في الرديف والمتلوي وبرج الرأس في المهدية مؤخرًا وحقوق المرأة الريفية العاملة في القيروان وسيدي بوزيد، بأنّ الرافعةَ متوفّرةٌ في الميدان قبل أن تتوفّر في طرح النصّين. أي كتلٌ اجتماعيّةٌ مهمَّشةٌ تُجرَّم حين تطالب بأبسط حقوقها، وهيئاتٌ حقوقيّةٌ ومهنيّة تعوض الأحزابَ في تسمية الظلم وتوثيقه. ولعلّ مهمّةَ الجيل القادم تبدأ من حيث تتوقّف النصوصُ والهيئاتُ معًا: أن يكفّ عن تحويل الهزيمة إلى هويّةٍ أو إلى ملفّ اتّهام، وأن يبني الحزبَ الذي عجزت الجبهة الشعبيّة عن تأسيسه — حزبًا يجمع قضايا مثل قضيّة برج الرأس والبيئة في قابس والمرأة العاملة في الريف والشباب الجامعي العاطل عن العمل، في مشروعٍ واحد، ويخرج الدولةَ من الريع المدين.
ويحتاج كل هذا إلى مراجعة شجاعة وصريحة في قضايا الديمقراطية والهوية الثقافية الجامعة للطبقيات المعنية برفع قضايا اليسار. باختصار الانتقال الصريح من اليسار الراديكالي الماركسي إلى حالة إصلاحية نيوماركسية تساهم في إعادة تأسيس الديمقراطية الاجتماعية التونسية بمعية تيارات أخرى غير ماركسية الأصول. ويتم القبول ضمنه بتعايش الأصول الإيديولوجية على قاعدة التنافس الديمقراطي الانتخابي الداخلي ومبدأ القدرة على تحصيل دعم القاعدة الاجتماعية الواسعة للحزب الديمقراطي الاجتماعي الكبير. من هنا أساسًا يبدأ الجوابُ الغائب.
وأيًّا كان الحكمُ على حصيلة هذا النقاش، فإنّ مجرّد وقوعه يستحقّ أن يُثمَّن في يسارٍ نادرًا ما يراجع نفسه علنًا خارج لغة التخوين والتبرير، ويستوجب أن يُوسَّع ويُعمَّق نظريًّا على غرار ما مثّلته مجلّة «أطروحات» في الثمانينيات من محاولةٍ جادّة لمساءلة اليسار التونسيّ لذاته وخوض جدل نظري هادئ يستبدل حالة العطالة الشعاراتية والسباب المتبادل.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية

تثبيت حكم قضية التآمر في تونس.. هل من جديد؟
قرار رفض التعقيب، في الأثناء، يسدل الستار على مسار التقاضي ولكنه يؤشر على بدء مرحلة جديدة لقضية "التآمر" وهي حصره كملف سياسي في إطار النضال الحقوقي والديمقراطي لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين

سؤال "ما البديل؟".. بين التّعجيز والعجز
لم يعد السّؤال عن البديل مجرّد ترف فكريّ.. والأهمّ من ذلك، أنه لم يعد من المُحرّمات في الشّارع التّونسيّ. ولعلّ الإجابة تستوجب، إعادة صياغة السّؤال ذاتِه، من "ما البديل؟" إلى "كيف نبني هذا البديل؟"

جحيم السّجون في تونس
من التّهم الموجّهة من أنصار الرئيس سعيّد، لكلّ من يُثير مسألة الوفيّات الأخيرة، هي عدم حيازة تقرير طبّيّ يُؤكّد الحرّ سببًا للوفاة، والحال أنّه على الدّولة أن تُقدِم على تلك الإجراءات، من باب الشّفافيّة

درجة إنذار تتطلب الحذر.. أمطار رعدية ورياح قوية تشمل 18 ولاية تونسية
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تصل إلى 41 درجة بالجنوب الغربي

تونس تحصد 17 ميدالية في البطولة العربية لألعاب القوى تحت 18 سنة
اختتمت تونس يوم الأربعاء 9 سبتمبر 2026 مشاركتها في البطولة العربية لألعاب القوى تحت 18 سنة، التي احتضنتها مصر من 5 إلى 9 سبتمبر الجاري، بحصيلة جملية ناهزت 17 ميدالية

جامعة التعليم العالي: ندعو إلى مفاوضات عاجلة والترفيع في منحة العودة الجامعية
الجامعة العامة للتعليم العالي: تنامي أعداد الدكاترة الباحثين العاطلين عن العمل يظل مؤشرًا آخر على غياب التخطيط الكفيل بتحقيق التوازن بين منظومة التكوين الجامعي وحاجيات سوق الشغل

طقس تونس.. درجات الحرارة في ارتفاع طفيف وتصل القصوى إلى 41 درجة
أعلن المعهد الوطني للرصد الجوي أن طقس اليوم الأربعاء 9 سبتمبر/أيلول 2026 سيكون قليل..




