قراءة في تداعيات تنقيح مجلة الشغل في تونس.. هل تحققت الأهداف؟
6 أغسطس 2025
شهدت مجلة الشغل في تونس عديد التنقيحات في الفترة الأخيرة، وأبرزها منع المناولة وتنظيم جديد لعقود الشغل، وهي تنقيحات دخلت حيز التنفيذ مع صدور القانون في الرائد الرسمي أواخر شهر ماي/أيار 2025، إلا أن أثرها على سوق الشغل والعمال والاقتصاد التونسي ككل مع بدء تنفيذها بقي محل تساؤل، وهو ما تطرّق إليه الباحث المختص في التنمية والتصرف في الموارد حسين الرحيلي، في ورقة بحثية نشرت مؤخرًا.
وتحدث الرحيلي في ورقة بحثية من 39 صفحة تحت عنوان "تنقيح مجلة الشغل بين نقاوة الشعارات والنتائج العكسية" اطّلع "الترا تونس" على نسخة منها، عن تداعيات التنقيحات المدخلة على مجلة الشغل في تونس، كما قدم قراءة نقدية لأبرز هذه التنقيحات وخاصة منها إلغاء المناولة وعقود الشغل محددة المدة.
قراءة في تداعيات تنقيح مجلة الشغل
يعتبر الباحث المختص في التنمية حسين الرحيلي، أن "تداعيات هذا التنقيح الذي فرض على كل مكونات المجتمع بشكل عام، وعلى الأطراف المعنية بالعلاقات الشغلية بشكل خاص، لم تكن في صالح المعنيين بالتنقيح. كما أن تداعيته السلبية كانت على المستوى السياسي والاقتصادي وبالتالي الاجتماعي".
شهدت مجلة الشغل في تونس عديد التنقيحات إلا أن أثرها على أرض الواقع مع بدء تنفيذها بقي محل تساؤل.. الباحث حسين الرحيلي تطرق في ورقة بحثية إلى تداعيات هذه التنقيحات وقدم قراءة نقدية لأبرزها
تداعيات على العمال والشركات
وفي تقييمه للتداعيات على العمال والشركات، يبيّن الباحث أن "تنقيح مجلة الشغل كان الهدف منه إلغاء العقود محددة المدة وتعويضها بعقود غير محددة المدة إلا في حالات استثنائية سيحددها القانون بأمر، وهو إجراء فيه إنصاف للعمال وتأمين لمواطن شغلهم ولكل حقوقهم الاجتماعية من تأمين صحي واجتماعي. لكن الاستثناءات التي جاءت في التنقيح ستفتح التأويل على مصراعيه. وتجعل من المكاسب التي سيحققها التنقيح الجديد مجرد حلم".
ولفت إلى أن "كل الأنشطة الصناعية تقريبًا تخضع في إنتاجها لطلب الشركات الآمرة التي تمثل الشركات العابرة للقارات. وبالتالي فإن جل القطاعات ستكون طبقًا لهذا للتنقيح مستثناة من العقود غير محددة المدة".
وأكد من جانب آخر أن "ما ثبته التنقيح الجديد في فصله 6-2 جديد من أن العقود غير محددة المدة، قد نسفه الفصل الذي يليه 6-3، بإدراجه فترة التجربة لمدة ستة أشهر قابلة للتجديد مرة واحدة دون تحديد شروط وطرق حماية العاملة من فسخ العقد لعدم نجاحه في فترة التجربة، مما يجعل العامل في كل الحالات وأشكال العقود خاضع لسلطة قرار المشغل. وهو ما يعني أن شيئًا لم يتغير بعقود محددة المدة أو غير محددة المدة".
وأشار الرحيلي إلى أن "مجلة الشغل ومنذ إصدارها لم تدمج في حسابها، العمال والعاملات الذين يعملون في أنشطة غير مهيكلة وغير منظمة مثل العمالة الفلاحية، الذين يمثلون نحو 1.6 مليون مواطن دون عقود ولا تأمين اجتماعي ولا صحي"، متسائلاً في هذا الصدد عن أسباب عدم التفكير في إدماجهم، ضمن التنقيحات المدخلة مؤخرًا على مجلة الشغل.
وشدد الباحث المختص في التنمية على أن "التنقيح الجديد قد قنن ولأول مرة المناولة من خلال الفصل 30 جديد. لأنه ألغى مناولة اليد العاملة التي حصرها في قطاعي التنظيف والحراسة. وهو ما يعد غير مطابق للواقع الاقتصادي في البلاد. إذ أن مكاتب التشغيل مثلاً، المرخص لها من طرف وزارة التكوين المهني والتشغيل، والسمسرة باليد العاملة في القطاع الفلاحي هي الخزانات الطبيعية لمناولة اليد العاملة" وفق قوله، مضيفًا أن "التنقيح قد جانب الصواب قانونيًا واقتصاديًا".
مختص في التنمية: النتيجة الميدانية لإلغاء مناولة اليد العاملة بشركات الحراسة والتنظيف، تمثلت في حل هذه الشركات وطرد عمالها إلا من استطاع أن يبقى في موقع عمله بالمؤسسة المستفيدة
اعتبر أن "النتيجة الميدانية لإلغاء مناولة اليد العاملة بشركات الحراسة والتنظيف، تمثلت في حل هذه الشركات وطرد عمالها إلا من استطاع أن يبقى في موقع عمله بالمؤسسة المستفيدة. لكن ووفق المعطيات التي تم استقاؤها من العديد من المؤسسات، فإن عددًا كبيرًا من عاملات النظافة تم التخلي عنهن من المؤسسات المستفيدة ووجدوا أنفسهن في البطالة من جديد"، وفق تأكيده.
كما شدد الرحيلي على أن "إقرار تنقيح لمجالات معقدة ومتداخلة انطلاقًا من مفاهيم خاطئة، لا يؤدي إلا إلى عكس ما أريد فعله"، مؤكدًا أن "الحرب الحقيقية هي حرب الأجور المتدنية وليس الإشكال في العقود".
اقرأ/ي أيضًا: إلغاء المناولة في تونس.. حماية للعامل أم شلل للاقتصاد؟
تداعيات على الاقتصاد الكلي
ولفت إلى أن "التداعيات الاقتصادية لتنقيح مجلة الشغل تمثل الثقل الأكبر. باعتبار أنها تؤثر بشكل مباشر على العمال سواء بالسلب أو الإيجاب حسب الاستفادة من نص التنقيح، وعلى الشركات باعتبارها الطرف الذي سيتحمل الكلفة الإضافية لتغيير العقود وأعبائها الاجتماعية، والغلق ومغادرة ساحة الفعل الاقتصادي بالنسبة لشركات الحراسة والتنظيف"، وفق تأكيده.
وأضاف الرحيلي أن "هذا التنقيح جاء ليلغي أحد أهم العناصر التي كانت جاذبة للشركات الأجنبية وهي: مرونة التشغيل والعمل بالمناولة باعتبار أن الاقتصاد التونسي مناول بطبعه منذ بداية السبعينيات. وبالتالي، فإن التنقيحات الجديدة ستكون لها تداعيات خطيرة على الاستثمارات الموجودة حاليًا، من خلال إمكانية مغادرتها للبلاد بعد التنقيحات الجديدة وخاصة المتعلقة منها بشكل العقود، وهو ما يمكن أن يكلف هذه الشركات أعباء اجتماعية وأجور إضافية غير مبرمجة أصلاً في ميزانيتها. وبالتالي فهي لن تجد المردودية التي جاءت من أجلها".
أما بالنسبة للاستثمارات الجديدة، فيستبعد الباحث المختص في التنمية حسين الرحيلي، أن "تظل تونس بعد هذا التنقيح لمجلة الشغل وجهة تفاضلية للاستثمارات بمنطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط".
مختص في التنمية: التنقيحات الجديدة لمجلة الشغل ستكون لها تداعيات خطيرة على الاستثمارات الموجودة حاليًا في تونس، وسط إمكانية مغادرة الشركات الأجنبية للبلاد بعد تحميلها أعباء اجتماعية وأجور إضافية
كما تحدث عن "شروع العديد من الشركات الأجنبية في مغادرة تونس منذ إعلان الرئيس التونسي قيس سعيّد عن التوجه لإلغاء المناولة وعقود الشغل محددة المدة بتاريخ 5 مارس/آذار 2024"، ورجّح أن "تتجه العديد من الشركات الأخرى إلى التفكير جديًا في مغادرة تونس، بعد صدور التنقيح ودخوله فعليًا مرحلة التطبيق".
تداعيات سياسية
أما عن التداعيات السياسية، فقد اعتبر الرحيلي أن "تنقيح مجلة الشغل، ورغم أنه كان تحت شعارات شعبوية قوامها مقاومة الشغل الهش والأجور المتدنية والسمسرة باليد العاملة، إلا أنه لم يكن مقبولاً سياسيًا لا من طرف النخب التي أقصيت من الحوار الاجتماعي حول موضوع لا يمكن الفصل فيه منفردًا من الجانب السياسي، ولا من طرف أصحاب المصلحة وهم العمال والشركات الخاصة التي وجدت نفسها مطالبة بتحمل تبعات اقتصادية ومالية، لقرارات لم تكن طرفًا فيها، كما لم تقم الجهة الفارضة للتنقيح بتقييم آثار التنقيح على هذه الشركات"، وفق تأكيده.
اقرأ/ي أيضًا: اتحاد الشغل: مشروع قانون إلغاء المناولة محدود ولا يكرس العدالة الاجتماعية
تنقیح مجلة الشغل.. هل حقق أهدافه؟
وبشكل عام خلص الباحث المختص في التنمية إلى أن "تنقیح مجلة الشغل فشل في تحقیق الأهداف العامة التي تم الإعلان عنھا منذ 5 مارس/آذار 2024، من طرف الرئيس التونسي، كما تبين أن الشعارات الشعبوية يمكن أن تكون ذات نية حسنة، لكن إسقاط القوانين والتعسف على الواقع من خلال مبدأ القانون يصنع الحالات، فقد أثبتت التجربة أن هذا المبدأ خاطئ تمامًا"، معتبرًا أن "تنقیح مجلة الشغل جاء من أجل العمال فتحول إلی کابوس لهم وطرد وفقدان لمواقع رزقهم الأصلیة".
وأضاف الرحيلي أن "الحكم الفردي لا يحقق التقدم والرقي والنجاح، بل یعمق الاستبداد السیاسي والتدهور الاقتصادي والتخلف الاجتماعي. فلا یمكن أن ینجح مشروع أو قانون أصحاب المصلحة فیه مغیبون أو مقصیون"، مشددًا على أن "الحوار الاجتماعي صمام أمان ونجاح لأي مفاوضات ذات طابع اجتماعي أو اقتصادي أو سیاسي".
وقال الرحيلي إن "تنقیح الفصول المتعلقة بعقود الشغل والمناولة والأجور، لا يمكن أن يكون إلا بعد تقييم لمنوال التنمية المتبع، وإبراز حدوده، ومستوى القيمة المضافة التي ینتجھا".
كما بين أن "اقتصاد الكلفة وهو الاقتصاد التونسي، هو اقتصاد ذو قيمة مضافة متدنية، يقوم على مناولة العمل لا على خلق القيمة المضافة العالية. لذلك لا يمكن طرح قضیة الأجور المجزية. إلا إذا قررنا الخروج من منوال تنموي مناول إلی منوال تنموي ذو قيمة مضافة عالية وإنتاج فعلي للثروة محليًا.. ذلك أن أي إصلاح يجب أن يكون في إطار مقاربة تنموية كاملة وشاملة، وليس فقط إصلاحًا تشريعيًا مسقطًا".
المختص في التنمية حسين الرحيلي: تنقیح مجلة الشغل فشل في تحقیق الأهداف العامة المعلنة، وتنقیح الفصول المتعلقة بعقود الشغل والمناولة والأجور، لا يمكن أن يكون إلا بعد تقييم لمنوال التنمية المتبع
ولفت الرحيلي إلى أن "المراجعة الجذرية لمنوال التنمية مهمة عاجلة باتجاه تحسين قدرته على خلق مواطن الشغل ذات الجودة التي تستجيب لارتفاع مستوى تعلیم الموارد البشریة وتوزیع ثمار النمو بشكل منصف ومجز"، وفق تأكيده.
اقرأ/ي أيضًا: غرفة مؤسسات الحراسة لـ"الترا تونس": منع المناولة يعد عقوبة جماعية للقطاع
يذكر أن الاتحاد العام التونسي للشغل، كان قد عبّر منذ الأربعاء 3 جويلية/يوليو 2024، عن رفضه إحداث السلطة تنقيحات على مجلة الشغل "بشكل أحادي" ودون تشريك الهياكل المعنية، مؤكدًا أنّ " مجلّة الشغل مكسب وطني جاء نتيجة جهد تشاركي مبكّر وحوار اجتماعي غير مسبوق، وأنه قد مرّ عليها ما يقارب 6 عقود وقد آن الأوان لتعديلها وتطويرها بنفس الروح التشاركية بين أطراف الإنتاج التي ولدت فيها"، وفق تعبيره.
وإثر صدور التنقيحات الأخيرة أدانت الهيئة الإدارية لاتحاد الشغل في بيان لها بتاريخ 24 ماي/أيار 2025، "رفض السلطة للحوار الاجتماعي وتعطيلها للمفاوضة الجماعية وآخرها المرور بقوّة في تنقيح فصول من مجلَّة الشغل وإقصاء الاتحاد العام التونسي للشّغل عن إبداء رأيه الوجوبي في شأن يهمّ العمال وممثليهم الشرعيين المنتخبين"، داعية "الهياكل النقابية إلى التهيؤ لمجابهة كلّ التداعيات المنجرّة عن هذا التعديل"، كما ذكّرت بأن "هناك قطاعات كثيرة لا يزال فيها التشغيل الهش طاغيًا ومنها الشؤون الدينية وغيرها"، كما عبّرت الهيئة الإدارية لاتحاد الشغل، عن "تمسّكها بالمطالبة بتنقيحات جوهرية وشاملة في جميع تشريعات العمل في اتجاه تعديلات عادلة ومنصفة وتعزيز مكاسب العمال".
بدورها عبرت أيضًا الغرفة النقابية الوطنية لمؤسسات الحراسة، عن رفضها لما جاءت بها تنقيحات مجلة الشغل في علاقة بمنع المناولة في هذا القطاع، وكان الناصر الياتوجي عضو الغرفة النقابية الوطنية لمؤسسات الحراسة، قد أكد الاثنين 19 ماي/أيار 2025، في تصريحه لـ"الترا تونس" أن "مشروع قانون منع المناولة يعد بمثابة العقوبة الجماعية لكل مؤسسات الحراسة وإعدامًا لها كلها دفعة واحدة".
وكان مشروع قانون تنقيح مجلة الشغل الذي تضمن منع وتجريم المناولة، قد خلّف منذ تقديمه إلى البرلمان، آراء متباينة من مختلف الأطراف المعنية، فبينما تتعالى أصوات تطالب بإلغاء المناولة باعتبارها "شكلًا من أشكال الاستغلال والتشغيل الهش"، تحذر أطراف أخرى من تداعيات اقتصادية محتملة لهذا الإجراء. تفاصيل أكثر في التقرير التالي: إلغاء المناولة في تونس.. حماية للعامل أم شلل للاقتصاد؟

الكلمات المفتاحية

"باقون ما بقي الزيتون".. قصة تونسي يقود مبادرة استثنائية لتشجير أراضٍ في غزة
صاحب المبادرة التونسي عماد الرمضاني لـ"الترا تونس": الهدف لا يقتصر على دعم المزارعين لاستعادة نشاطهم الزراعي، بل يتجاوز ذلك إلى المساهمة في تثبيت الغزيين في أرضهم، في مواجهة مخططات التهجير القسري..

فاتورة الظلام.. عندما يدفع الفلاحون وصغار المهنيّين ضريبة العجز الطاقي
لم يعد القطع المتكرر للتيار الكهربائي في عدة مناطق تونسية مجرد إزعاج عابر يثير تذمر المواطنين في بيوتهم، بل تحوّل إلى نزيف اقتصادي يومي يُهدّد بإفلاس مئات الحرفيين وصغار المستثمرين

قرض جديد بـ500 مليون دولار يثير الجدل في تونس.. هل سيموّل الاستثمار أم الاستهلاك؟
كانت وزيرة المالية التونسية مشكاة سلامة قد أكدت أمام البرلمان أنّ هذا القرض يندرج في إطار التمويل مباشرة في إطار تعبئة الموارد الخارجية المبرمجة صلب قانون المالية. وشددت على أنّ القرض ليس استهلاكيًا.. وهو ما ينفيه مختصون ونواب بالبرلمان

درجة إنذار تتطلب الحذر.. أمطار رعدية ورياح قوية تشمل 18 ولاية تونسية
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تصل إلى 41 درجة بالجنوب الغربي

تونس تحصد 17 ميدالية في البطولة العربية لألعاب القوى تحت 18 سنة
اختتمت تونس يوم الأربعاء 9 سبتمبر 2026 مشاركتها في البطولة العربية لألعاب القوى تحت 18 سنة، التي احتضنتها مصر من 5 إلى 9 سبتمبر الجاري، بحصيلة جملية ناهزت 17 ميدالية

جامعة التعليم العالي: ندعو إلى مفاوضات عاجلة والترفيع في منحة العودة الجامعية
الجامعة العامة للتعليم العالي: تنامي أعداد الدكاترة الباحثين العاطلين عن العمل يظل مؤشرًا آخر على غياب التخطيط الكفيل بتحقيق التوازن بين منظومة التكوين الجامعي وحاجيات سوق الشغل

طقس تونس.. درجات الحرارة في ارتفاع طفيف وتصل القصوى إلى 41 درجة
أعلن المعهد الوطني للرصد الجوي أن طقس اليوم الأربعاء 9 سبتمبر/أيلول 2026 سيكون قليل..




