ultracheck
رأي

في مكاتب العمل.. حين يتحوّل الزميل إلى خصم صامت!

13 يونيو 2025
الزميل الناجح عدو محتمل؟ عن الحسد المهني وأثره المدمر
يُعتبر الحسد المهني أكثر بروزًا في الأنظمة الهرمية الصارمة، وفي السياقات التي تكون فيها المكافآت نادرة (صورة تعبيرية/ Getty)
إيمان الغربي
إيمان الغربي باحثة دكتوراه في علم الاجتماع ومربية طفولة

مقال رأي 

 

الرغبة في امتلاك ما يملكه الآخر، ومشاعر الغضب أو الاستياء تجاه الشخص الذي يعلوك مكانة، هي ظواهر اجتماعية تعترضنا في الحياة المهنية، بغض النظر عن الوسط المهني، سواء كان تعليميًا، إداريًا، أو صحيًا، فالمشكل ما زال متغلغلًا في كل المجالات.
 إذا ما طبّقنا نظرية الصراع لكل من عالم الاجتماع كارل ماركس وبيير بورديو، نجد أن بيئة العمل تُعدّ ساحةً للصراع الرمزي والمادي على رأس المال الاقتصادي والرمزي.

وإذا فككنا هذين النوعين من "الرؤوس"، سنجد أنهما يتمثلان في كل ما يملكه الفرد من مال، وما يتميز به من سمعة طيبة، فيتحوّل ذلك إلى مصدر تهديد وخطر بالنسبة للآخرين. فأن تكون محبوبًا، يعني أنك في خطر محدق بالنسبة للبعض، فأنت محاط بالاهتمام والمتابعة، خاصة من قبل المديرين أو المسؤولين، وهذا قد لا يُعجب البعض.

نسلط في هذا المقال الضوء على ظاهرة حساسة قلما يُتحدث عنها بوضوح: الحسد المهني. نحاول أن نفهم خلفياته النفسية والاجتماعية، ونرصد آثاره المدمّرة على بيئة العمل من حيث الإنتاجية، والعلاقات بين الزملاء، وثقة الفرد بنفسه. كما سنقترح حلولًا عملية من شأنها خلق مناخ مهني أكثر توازنًا وصحة.

يُعدّ الحسد والغيرة من الظواهر النفسية الشائعة في الأوساط المهنية، حيث يواجه الموظفون مشاعر متناقضة تتراوح بين الإعجاب بإنجازات الآخرين والرغبة في التفوق عليهم

يُعتبر الحسد المهني أكثر بروزًا في الأنظمة الهرمية الصارمة، وفي السياقات التي تكون فيها المكافآت نادرة، كما هو الحال في قطاعات التعليم، الوظيفة العمومية، أو الشركات متعددة الجنسيات.

نجد أنّ بيئة العمل تمثّل ساحةً للصراع الرمزي والمادي على رأس المال الاقتصادي (مثل المال والمناصب) ورأس المال الرمزي (مثل السمعة، التقدير، النفوذ، أو المكانة المعنوية). وعند تفكيك هذه الرؤوس، ندرك أنّ كل ما يملكه الفرد من موارد أو ما يحظى به من احترام واهتمام، يمكن أن يتحوّل إلى مصدر تهديد للآخرين.

فعلى سبيل المثال، أن تكون شخصًا محبوبًا من قِبل المديرين أو المسؤولين، هو في نظر البعض خطر قائم. المحبوب في بيئة العمل يَحظى باهتمام خاص ومتابعة، وقد يُنظر إليه كمنافس غير مرغوب فيه. هذه المعطيات تخلق في كثير من الأحيان مشاعر الحسد والرفض، وتتولد عنها صراعات خفية قد لا يُعبَّر عنها صراحة، لكنها تُترجم إلى سلوكيات ومواقف تُثقل كاهل العلاقات المهنية.

يُعدّ الحسد والغيرة من الظواهر النفسية الشائعة في الأوساط المهنية، حيث يواجه الموظفون مشاعر متناقضة تتراوح بين الإعجاب بإنجازات الآخرين والرغبة في التفوق عليهم. ورغم أن هذه المشاعر طبيعية في سياق التنافس، إلا أنها تتحول إلى مصدر توتر نفسي واضطراب اجتماعي حين تتفاقم وتُترجم إلى سلوكيات سلبية، مثل العزلة، العدوانية، أو بث الشائعات. إن غياب ثقافة التعاون والعدالة داخل المؤسسة يعمّق هذه الإشكالات، مما ينعكس سلبًا على الإنتاجية وجودة بيئة العمل. لذا، تبقى المعالجة الواعية لهذه الظواهر ضرورة لضمان توازن نفسي ومهني صحي داخل فرق العمل.

في الإدارات العمومية، حيث تتسم التراتبية بالوضوح وفرص الترقية بالمحدودية، يزداد ظهور مشاعر الحسد والغيرة بين الموظفين، خاصة عندما تغيب الشفافية في التقييم أو تسود العلاقات الشخصية على الكفاءة. هذه المشاعر، وإن كانت طبيعية في بيئة عمل تنافسية، قد تتحول إلى عوائق حقيقية تعرقل الأداء الجماعي، وتغذي سلوكيات سلبية مثل التكتلات، الإقصاء، أو نشر الشائعات. من هنا تبرز أهمية تعزيز مناخ إداري قائم على العدالة، التواصل المفتوح، والتقدير الموضوعي للجهود، بما يضمن توازناً نفسياً واجتماعياً ينعكس إيجابًا على جودة الخدمة العمومية.

تتعدد الأسباب التي تؤدي إلى ظهور مشاعر الحسد والغيرة داخل بيئة العمل، وغالبًا ما ترتبط بعوامل تنظيمية ونفسية وثقافية.

من أبرز هذه الأسباب تلعب التنشئة الاجتماعية الأولى، التي يتلقاها الفرد منذ نعومة أظافره، دورًا محوريًا في تشكيل شخصيته وتحديد نظرته إلى الآخرين. فالفرد الذي ينشأ في بيئة تُعزز الأنانية وتُضعف قيم التعاطف والمشاركة، غالبًا ما يجد صعوبة في تقبّل الآخر أو الفرح لنجاحه.

حين يتربّى الطفل على أوامر وتوجيهات تُثنيه عن مساعدة الغير أو الاهتمام بمشاعر الآخرين، تنمو لديه مشاعر العزلة والانغلاق، ويتراجع إحساسه بالتضامن الإنساني. ومع مرور الوقت، يُترجَم هذا النقص في الوعي الاجتماعي إلى تصرفات أو كلمات قد تكون عنيفة أو خبيثة، خصوصًا عندما يشعر بأن مكانته أو إنجازه مهدد من قبل الآخرين.

ففي غياب القيم الداعمة للتعاون والاحترام المتبادل منذ الصغر، يصعب على الفرد لاحقًا أن يندمج بشكل صحي في بيئة العمل، ويصبح أكثر عرضة لتبني سلوكيات عدائية أو مليئة بالغيرة والحسد، كرد فعل دفاعي على إحساسه بالتهديد أو النقص.

أيضًا التنافس غير الصحي على الترقيات والمكافآت، حيث يشعر بعض الموظفين أن التقدير لا يُوزّع بعدل، ما يدفعهم إلى مقارنة أنفسهم بزملائهم بشكل دائم. ويزداد الأمر سوءًا في حال غياب الشفافية في التقييمات أو قرارات الترقية، مما يفتح المجال للتكهنات والإشاعات، ويُضعف الثقة في المؤسسة.

كما تُعدّ الفروقات في الكفاءة أو الحضور المؤسسي عاملًا مؤثرًا، إذ قد يشعر البعض بأن زملاءهم ينجحون في لفت انتباه الإدارة بشكل أكبر، ما يولّد شعورًا بالدونية أو الحسد، حتى وإن كانت هذه الفروقات ناتجة عن جدّ واجتهاد.

ويُضاف إلى ذلك انعدام الثقة بين الزملاء أو مع الإدارة، الذي يخلق مناخًا من الريبة، ويجعل كل نجاح يُفسَّر كتهديد شخصي أو كمحاولة تملّق.

أما في بيئات العمل السامة، حيث تسود ثقافة المقارنة والتنافس العدائي بدلًا من التعاون والدعم المتبادل، فإن مشاعر الحسد والغيرة تنمو بشكل طبيعي وتُغذّى باستمرار، ما يهدد التوازن النفسي والمهني داخل المؤسسة.

الآثار النفسية على الأفراد

لا تقتصر آثار الحسد والغيرة على الأجواء العامة في العمل، بل تترك أثرًا بالغًا على الصحة النفسية للأفراد. فمن أولى العلامات التوتر والقلق الدائم، نتيجة الخوف من فقدان المكانة أو المقارنة المستمرة بالزملاء، ما يؤدي إلى استنزاف طاقة الفرد الذهنية والعاطفية.

كما يُصاب البعض بـتدني احترام الذات، خصوصًا عندما يشعر الموظف بأنه لا يُقدَّر بالشكل الكافي أو لا يحصل على نفس فرص الاعتراف أو التطور التي يحظى بها الآخرون. هذا الشعور قد يُؤدي إلى الكبت والغضب، الذي قد يظهر في شكل نوبات انفعال، أو سلوك عدواني أو سلبي تجاه الزملاء أو المؤسسة.

في حالات متقدمة، يمكن أن تتطوّر هذه الضغوط إلى اكتئاب مهني، يشعر خلاله الفرد بعجز مزمن أو فقدان للحافز، ويرى نفسه فاشلًا أو غير قادر على مواكبة محيطه. وقد تُفضي هذه المعاناة إلى العزلة الاجتماعية، نتيجة انعدام الثقة أو الابتعاد عن العلاقات المهنية خوفًا من الأذى أو النقد.

الآثار الاجتماعية داخل المؤسسة

تمتد تأثيرات الحسد المهني لتطال النسيج الاجتماعي للمؤسسة ككل، حيث تتأثر العلاقات بين الزملاء وتضعف الروابط المهنية.
 يؤدي الحسد إلى تفكك العلاقات المهنية، من خلال انتشار النميمة والشكوك والصراعات الخفية، ما يُزعزع جوّ الثقة المطلوب لنجاح العمل الجماعي.

ويُلاحَظ أيضًا تراجع واضح في التعاون بين الأفراد، حيث تغيب روح الفريق، وتصبح العلاقات مبنية على الحذر والمنافسة السلبية، بدل الدعم والتكامل.

في هذا السياق، يبدأ بعض الموظفين بفقدان الولاء المؤسسي، خاصة إذا شعروا بالظلم أو التهميش، ما يؤدي إلى تراجع الحافز والإنتاجية، بل أحيانًا إلى الرغبة في مغادرة المؤسسة.

تمتد تأثيرات الحسد المهني لتطال النسيج الاجتماعي للمؤسسة ككل، حيث تتأثر العلاقات بين الزملاء وتضعف الروابط ما يؤدي إلى تفكك العلاقات المهنية

وتُختَتم هذه السلسلة من الآثار بـنشر ثقافة سلبية في محيط العمل، حيث يصبح تبرير الفشل مرتبطًا بإلقاء اللوم على الآخرين أو على "الحظ"، بدلًا من مراجعة الذات والسعي نحو التطور، ما يُقوّض قيم العمل والإبداع.

لمواجهة آثار الحسد والغيرة داخل الإدارات، لا بد من تبنّي سياسات مؤسسية واضحة تقوم على مبادئ الشفافية، العدالة، وتحفيز الأداء الجماعي. ويشمل ذلك اعتماد آليات تقييم موضوعية تعتمد على الكفاءة والإنجاز، بدل العلاقات الشخصية أو الولاءات. كما ينبغي للإدارة أن تعزز ثقافة الاعتراف بالجهود من خلال آليات رسمية مثل شهادات التقدير أو الترقية حسب الاستحقاق، إضافة إلى تنظيم ورشات تدريبية في الذكاء العاطفي والتواصل الإيجابي. إنشاء قنوات استماع داخلية وآليات فعالة لحل النزاعات سيساعد أيضًا في الحد من التوترات وتحويل المشاعر السلبية إلى فرص للنمو والتطور المهني.

الحسد والغيرة مشاعر طبيعية لكنها تصبح خطيرة عندما تتحكم في العلاقات داخل بيئة العمل. من المهم معالجتها بمقاربة شمولية تشمل البُعد النفسي، الاجتماعي، والإداري لضمان بيئة مهنية صحية تدعم النمو والإنجاز الجماعي.

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت" 

الكلمات المفتاحية

أسطول الصمود فتحي بلعيد أفب  Getty

تونس الرسمية وأسطول الصمود.. مياه كثيرة جرت في النهر

كان المفترض أنّ السلطة، التي تبنت خطابًا بدا "جريئًا" إسنادًا للقضية الفلسطينية، أن توظف مبادرة الأسطول فرصة لها لتكريس التضامن الرسمي المُعلن على الأرض وذلك بدعم المبادرة وتأطيرها.. ولكن للأسف، اختارت السلطة الآن بدل كلّ ذلك، تطويق الأسطول ومحاصرته وإيقاف ناشطيه وهم سفراء تونس الشعبية إسنادًا لغزة.


سعيّد رئيسة الحكومة

تونس التي تعيش في كوكب آخر

أمام حالة الحيرة والصدمة التي تهيمن على العالم، من حقّ التونسيين السؤال عن تصورات رئيس البلاد للمشاكل الاقتصادية الحقيقية، وعن أسباب السياسة الدبلوماسية التي ينتهجها في لحظة إقليمية ودولية فارقة


صورة من لقاء قيس سعيّد، يوم 22 ماي 2024 بطهران،  المرشد الأعلى الإيراني علي الخامنئي

"أعتقد أنّه كان يُخاطب الرّأي العامّ التّونسيّ"

لم يُحدّد بيان وزارة الخارجيّة التّونسيّة، المسؤوليّات ولا الأطراف الفاعلة في الأزمة، بل إنّه لم يأت على ذكر إيران، مُكتفيًا بالتّعبير عن "التّضامن الكامل" مع الدّول العربيّة المُستهدفَة والدّعوة الرّتيبة إلى "تغليب الحكمة والعودة إلى طاولة المفاوضات".


الطاقات المتجددة في تونس.. سراب السيادة

الطاقات المتجددة في تونس.. سراب السيادة

إذا كان هناك ملف يستوجب النظر إليه تحديدًا من زاوية السيادة فهو بلا شك ملف الطاقات المتجددة. فهل يشير خطاب السيادة إلى سياسات فعلية في ملف الطاقات المتجددة، أم أنه يعكس سرابًا؟

رحلات جوية استثنائية بين الدوحة وتونس لإعادة التونسيين العالقين
مجتمع

سفارة تونس بالدوحة: جدولة رحلات جوية أسبوعية لتأمين عودة التونسيين

أعلنت سفارة الجمهورية التونسية في الدوحة، في بلاغ صادر يوم الاثنين 16 مارس 2026، أنه من المنتظر قريبًا جدولة عدد من الرحلات الجوية الأسبوعية بين الدوحة وتونس، وذلك بالتنسيق مع المصالح المختصة لدى الخطوط الجوية القطرية، على أن تتواصل هذه الرحلات إلى غاية يوم 28 مارس 2026

تعيينات وزارة النقل.jpg
مجتمع

برنامج استثنائي للنقل بمناسبة عيد الفطر 2026

أعلنت وزارة النقل التونسية، يوم الاثنين 16 مارس 2026، عن برنامج استثنائي لتأمين تنقل المواطنين بمناسبة عيد الفطر لسنة 2026، وذلك خلال الفترة الممتدة من 13 مارس إلى 23 مارس 2026، بالتنسيق مع الشركات الوطنية والجهوية للنقل البري ومهنيي النقل العمومي غير المنتظم


الدفع الإلكتروني في تونس.jpg
اقتصاد

في قطاع الدفع الرقمي.. البنك المركزي يمنح ترخيصًا لمؤسسة دفع في تونس

أصدر البنك المركزي التونسي، عبر لجنة التراخيص التابعة له، قرارًا يقضي بمنح الترخيص النهائي لشركة OFT Tunisie لممارسة نشاط مؤسسة دفع مقيمة في تونس

في بادرة إنسانية.. كشافة الوردية تدعم مرضى الحبيب ثامر
مجتمع

بادرة إنسانية.. الكشافة توزّع أكلات على المرضى بمستشفى الحبيب ثامر

قام وفد من الكشّافة التّونسيّة فرع الوردية، مساء الأحد 15 مارس 2026، بتوزيع أكلات خفيفة على الوافدين إلى قسمي الاستعجالي والإنعاش الطبي بـمستشفى الحبيب ثامر

الأكثر قراءة

1
سیاسة

صدور بطاقات إيداع بالسجن ضدّ أعضاء بهيئة أسطول الصمود في تونس


2
سیاسة

محمد عبو: لا وجه للمقارنة بين رداءة ما قبل 25 جويلية وفترة العبث بالبلاد حاليًا


3
مجتمع

إجلاء 14 تونسيًا من لبنان عبر الأردن ورحلات أخرى منتظرة في قادم الأيام


4
مجتمع

تعرّف على موعد عطلة عيد الفطر 2026 في تونس


5
منوعات

الترجي التونسي ينتصر على الأهلي المصري في رادس