في تونس.. حيوانات أليفة تحولت إلى أفراد من العائلة
9 يونيو 2026
"لقد أقمنا جنازة لـ'بيكا' كلبتنا البيضاء المرحة من نوع 'الكانيش' التي عاشت معنا عشر سنوات كاملة بشقتنا بالعاصمة ورحلت إثر أزمة صحية مفاجئة، وحرصت العائلة على أن يكون لها قبر صغير في زاوية مزهرة بحديقة منزلنا الريفي بإحدى القرى الساحلية بجهة الوطن القبلي شمال شرقي البلاد التونسية ليخلّد ذكراها بيننا.. لقد حزنت العائلة حزنًا شديدًا لأسابيع ودمعت أعين الأبناء وفطرت قلوبهم من لوعة فراق الكلبة البهية، لقد خلفت 'بيكا' رصيدًا من الذكريات والمغامرات التي لا تُنسى، فأحيانًا نقلّب في الصور والفيديوهات وهي تمرح بيننا فنبادلها الوفاء بالحب الصادق الصافي.." بهذه الكلمات -ومسحة من أسى الفراق تعلو وجهه- حدثنا سليم وهو أستاذ بالجامعة التونسية، عن ارتباط عائلته بالكلبة التي رحلت مطلع سنة 2026.
الارتباط والتعلق بالحيوانات الأليفة إلى حد اعتبارها فردًا من العائلة، ظاهرة نفسية اجتماعية نجدها في كل المجتمعات وعبر كل الحضارات، فتعلّق الإنسان بالحيوان هو جزء من الحياة وشكل من أشكال نكهتها ومعنى من معانيها.
الارتباط والتعلق بالحيوانات الأليفة إلى حد اعتبارها فردًا من العائلة، ظاهرة نفسية اجتماعية نجدها في كل المجتمعات والإنسان المعاصر والحديث الذي شيّد ناطحات السحاب لم يتخلَ في هذه المرحلة عن حيواناته الأليفة فقد نقلها معه إلى عالمه الجديد
والإنسان المعاصر والحديث الذي أسس مدن الميغالوبوليس الضخمة وشيّد ناطحات السحاب لم يتخلَ في هذه المرحلة عن حيواناته الأليفة فقد نقلها معه إلى عالمه الجديد حيث نجد أن القطط والكلاب والطيور والأسماك والسحالي.. تعيش مع الأفراد والعائلات معلقة في شقق العمارات الشاهقة، ولها مستشفيات ومصحات ونراها يوميًا تتجول في الحدائق وأيضًا نجدها سائبة بلا صاحب في الشوارع والطرقات وأصبحت هناك جمعيات ترعاها وترفق بها.
هذه الظاهرة نجدها منتشرة في المجتمع التونسي بشكل لافت للانتباه وقد تشكل نهج سردي خاص بهذه الظاهرة، نقل "الترا تونس" بعضها عبر هذا التقرير:
نهى: حيواناتي ريكي وريكس وتيتي وفرحان وفرحانة.. هم أفراد من العائلة
نهى أستاذة فنون جميلة تُدرّس وتقيم بإحدى مدن بنزرت بالساحل الشمالي لتونس، ذكرت لـ"الترا تونس" أنّ منزلهم مليء بالحيوانات فإلى جانب القطة "ريكي" والكلبة "ريكس" توجد الأرنب البيضاء "تيتي" صديقة ابنتها خديجة التي لم يتجاوز عمرها عشر سنوات وزوجيْ السلحفاة "فرحان" و"فرحانة" اللذين يختبئان في الحديقة لأشهر ثم يظهران فجأة فيتحول ظهورهما إلى حدث عائلي. وأضافت نهى أنّ ابنها محمد أمين الذي يدرس بالمرحلة الإعدادية يحب طيور الحمام وهو يملك قفصًا كبيرًا فوق سطح المنزل توجد به مجموعة من طيور الحمام، موضحة أن الأبناء يعشقون حيوانتهم عشقًا لا حدود له. وبيّنت أنّ سبب هذا التعلق هو تلك العطل التي تقضيها العائلة في المنزل الريفي لجدهم للأب حيث توجد عدة حيوانات مثل الحصان والأبقار والدجاج والقطط والطيور وهي بيئة جميلة ورائقة شجعتهم على الاهتمام بالحيوانات وملاعبتهم حتى الوصول إلى مرحلة التعلق.
اقرأ/ي أيضًا: بعد حجز دجاج وحمام وسناجب.. هل يهدد تهريب الحيوانات الأمن القومي؟
وأشارت نهى إلى أن انشغال عائلتها بتربية الحيوانات متعب خاصة عند مرض إحداها، ويحدّ من التنقل ومغادرة المنزل وترك تلك الزمرة من الحيوانات لوحدها، لكنه في الوقت نفسه، يُشيع شعورًا ممتعًا ولذيذًا ويُنمّي الحس العاطفي والجمالي بالنسبة للأبناء. وأضافت الأستاذة نهى أن زيارة سوق الحيوانات الأهلية بالعاصمة تونس والمعروف بسوق المنصف باي، هي ضرورية بالنسبة للأبناء وكل العائلة، فالتجول لنصف يوم بالسوق هو متعة وفرصة للاطلاع ومشاهدة الأنواع والاستماع إلى القصص.. وهي في النهاية معارف يعود بها الأبناء لمواصلة شغفهم واهتماماتهم بحيواناتهم.
منية: سافرتُ إلى الجزائر من أجل شراء عصفور مقنين لابني
منية صاحبة مشروع تجاري بإحدى ضواحي العاصمة تونس، روت لـ"الترا تونس" قصتها مع عصافير "المقنين" أو "الحسّون" تقول باللهجة التونسية: "ولدي لؤي عمرو ستاش سنة، تغرم بالبومزيّن على طريق خالو.. وتغرمت أنا معاه.. ولينا الزوز مهبلة متاع عصافر.. دخلنا في مجموعات فيسبوكية متاع مقنين.. عندي توا في الدار 15 قفص.. نشري ونبيع.. لكن المحبة والغرام هو الأساس متاع الحكاية".
وتضيف منية أنها سافرت إلى الجزائر من أجل شراء عصفور "مقنين الزين" وهو من النوع الذي ولد في الغابة (يسمى غوّابي) عرضه صاحبه الجزائري للبيع عبر صفحته على فيسبوك، وقد فرح ابنها بهذا العصفور وهو مميز بالنسبة إليه.
وأشارت منية إلى أنها شاركت في دورة تكوينية لصناعة أقفاص العصافير وأصبحت تصنع أقفاصًا جميلة تبهر الناظرين، تقدم بعضها هدايا للأصدقاء من العائلة و"المغرّمة" من هواة تربية "المقنين" (البومزيّن).
اقرأ/ي أيضًا: ظاهرة تربية الكلاب في تونس.. قصص البحث عن الأمان المفقود
عم الشاذلي: أتحدث مع حيواناتي وأشكيهم وحدتي وآلامي
عم الشاذلي، توفيت زوجته منذ عشر سنوات وله ابنة وحيدة متزوجة وتقيم بالساحل التونسي وهو متقاعد من وزارة الفلاحة ويقطن بمدينة طبربة من ولاية منوبة.
عم الشاذلي هو في العقد السادس من عمره، يعيش في بستانه الفسيح في ضواحي المدينة مع حيواناته، ووفق كلامه "يعتبرها جزءًا من عائلته، بل هي عائلته التي يتحدث إليها ويشكي إليها هموم وحدته ويقاسمها ضحكاته وأحزانه.
موظفة لـ"الترا تونس": تعلّقت ابنتي بحيوان الحرباء، وبعد استشارة طبيب بيطري اقتنيتُ لها واحدة رغم أنّ العائلة تقبلت الأمر بصعوبة في بدايته، لكننا أصبحنا نسأل عنها ونتفقدها كلما غابت صاحبتها
يملك عم الشاذلي حمارًا ذكرًا بني اللون اشتراه من السوق الأسبوعية بطبربة من أجل مساعدته على نقل الأثقال لكن تشكلت بينهما علاقة محبة وبالبستان أيضًا خمس عنزات ومجموعة من أزواج الدجاج والديكة رومية وقططًا وكلبًا ألماني الأصل من نوع "بارجي". وقد حدثنا عم الشاذلي أنّ "جزءًا من وقته يقضيه في الاهتمام بحيواناته وأحيانًا يجلب البيطري ضمن تدابير صحية يراها ضرورية ضمن اهتمامه بحيواناته".
إيمان: اشتريت حرباء لابنتي بعد استشارة الطبيب البيطري
إيمان موظفة بوزارة السياحة، متزوجة، لها ابنة تبلغ من العمر عشر سنوات، تقيم بمدينة منوبة بيّنت أن ابنتها تعلّقت بحيوان الحرباء، وبعد استشارة طبيب بيطري وتبين لها أنّ الحرباء هي كائن لطيف ولا يملك غدة سامة ولا يعض وهو كائن مسالم وخجول جدًا، اشترت واحدة لابنتها من باعة يعرضون الحرباء للبيع بجهة الوطن القبلي بعد اصطيادها من الغابات وقرب مجاري المياه، وأطلقت عليها اسم "توتي الحكيمة" لهدوئها وتحركها ببطء.
اقرأ/ي أيضًا: تربية القطط في تونس.. هواجس مخيفة ومواقف طريفة
وأضافت محدثتنا أنّ تعلق ابنتها بالحرباء أو "أم البوية" كما نطلق عليها في تونس كان إثر رحلة إلى المغرب الشقيق حيث شاهدت شبابًا يلاعبون الحرباء والسحالي دون خوف. أما ما هو مثير في القصة أنّ الحرباء أصبحت تميز ابنتها دونًا عن بقية أفراد العائلة لأنها هي الوحيدة التي تتكفل بإطعامها والعناية بها، وأشارت أن العائلة تقبلت الأمر بصعوبة في بدايته وقالت: "لكننا أصبحنا نسأل عنها ونتفقدها كلما غابت صاحبتها.." كما أفادت أن الحرباء تساهم في القضاء على الحشرات داخل المنزل مثل الذباب والناموس.
منية (صاحبة مشروع تجاري) لـ"الترا تونس": سافرت إلى الجزائر من أجل شراء عصفور "مقنين الزين" لابني كما شاركت في دورة تكوينية لصناعة أقفاص العصافير وأصبحت أصنع أقفاصًا جميلة، أقدم بعضها هدايا للأصدقاء من العائلة والمغرمين
وأوضحت إيمان أن ابنتها توثق بالصور والفيديو لصداقتها مع الحرباء وخاصة تحول لونها وانسجامه التام مع المكان والإضاءة حيث توجد وصيدها السحري للحشرات بواسطة لسانها الطويل.. وهي تستعد لنشر وثائقي خاص بهذه العلاقة بمساعدة إحدى قريبات العائلة.. وفي خاتمة حديثها قالت: "إنه لأمر جميل جعلنا ندرك عظمة الله في خلقه".
المختص في علم النفس: التعلق بالحيوانات هو نتيجة لفقدان الأمان والشح العاطفي
هذه الظاهرة السارية في المجتمع التونسي وخصوصًا بالمدن، فسّرها الأستاذ نوفل بوصرة المختص في علم النفس والباحث بالجامعة التونسية، بأنها نوع من الهوس نتيجة فقدان الأمان ونتيجة الشح العاطفي في العلاقات الانسانية في المدينة ونقصان الصداقات الصدوقة الخلوصة فيتم اللجوء أو الهروب إلى الحيوان. وأضاف أن منزلة الحيوان الأليف في المنازل تصبح سوية لمنزلة الإنسان في الأكل والمشرب والاهتمام والعناية الصحية والتنقل والسفر من أجل الترفيه، حتى أنه أصبح لبعض الحيوانات جوازات سفر على غرار القطط والكلاب ولها أماكن خاصة بها في مختلف وسائل النقل ولها مصحات ونزل ودور رعاية خاصة ومختصين في علم نفس الحيوان، وبين الأستاذ نوفل بوصرة أنّ كل هذه البدائل التي ابتدعها الإنسان وبحث عنها هي من أجل توفير بيئة نفسية جيدة ومتوازنة منتجة للسعادة والأمان العاطفي.
وفي تونس، أوضح المختص في علم النفس أن علاقة التونسيين بالحيوانات وخصوصًا تربيتهم في البيوت، هي علاقة قديمة جدًا لكنها تنامت في المدن الكبرى وأصبحنا نرى حيوانات أليفة فوق أسطح المنازل وداخل البيوت وفي الشقق بالعمارات الشاهقة وفي الشوارع وأزقة الأحياء الشعبية، كما أصبحت هناك أسواق لهذه الحيوانات الأليفة ومتاجر تبيع متطلبات عيش الحيوان داخل المنازل. وأضاف أنّ علم النفس ذهب إلى تفسير هذه الظاهرة بعودة الإنسان إلى الطبيعة بحثًا عن السعادة الأولى وكما تقول الحكمة "حذو النبع يحدث كل شيء".
ويرى الأستاذ نوفل بوصرة أنّ انفراط عقد القيم المجتمعية نتيجة انهيارات المنظومات الاقتصادية الدولية ونتيجة سطوة التكنولوجيا.. يجعل الإنسان في حيرة وهشاشة نفسية وخصوصًا ذاك الشعور بالوحدة الذي يصبح قاتلًا أحيانًا أو يحمل صاحبه إلى الانحراف وهو ما حصل بعد التغير الذي طرأ على مفهوم العائلة (من الممتدة إلى النواة).
نوفل بوصرة (مختص في علم النفس) لـ"الترا تونس": علاقة التونسيين بالحيوانات وخصوصًا تربيتهم في البيوت، هي علاقة قديمة جدًا لكنها تنامت في المدن الكبرى لسعي الإنسان إلى العودة للطبيعة بحثًا عن السعادة الأولى
واعتبر المختص في علم النفس أن التعلق بالحيوانات والإقامة معها في البيوت وصنع علاقة فوق قوية معهم قد يبدو قصة أدبية مثيرة أو سردًا صحفيًا جاذبًا، لكنه في النهاية حالة نفسية يمكن للمختصين تشخيصها والخروج منها مشروط بإعادة بناء العلاقات العائلية على نحو آخر فيها الوعي بما حدث والتضحية من أجل بناء واقع آخر وعلاقات تتسم بالمتانة.
اقرأ/ي أيضًا: بغاية السحر والتشفي.. ظاهرة تعذيب الحيوانات تستفحل
قد تبدو القصص والسرديات التي توصّف العلاقة الوطيدة بين الإنسان والحيوان مشوقة وآسرة وسينمائية في بعض الأحيان، ومستقبلية أحيانًا أخرى لكنها علاقة جديرة بالدرس والتمعن، فظاهرة تربية الحيوانات الأليفة في تونس نلاحظ أنها تتنامى يومًا بعد يوم داخل البيوت والشقق وفي المدن ضواحيها وأصبح التعلق بها واللهو معها هوسًا يتطلب دراسات نفسية واجتماعية كما تتطلب أيضًا قوانين تنظم شكل العيش الجديد بمعية الحيوانات الأليفة كأن تسمح هذه القوانين بضرورة المتابعة البيطرية للحيوانات وإيلاء الجانب الأمني العناية اللازمة، وإمكانية إنشاء مؤسسات صحية وترفيهية لهذه الحيوانات كما لا بد من تربية الأجيال الجديدة بواسطة مؤسسة المدرسة باعتبارها مؤسسة مجتمعية كبرى تسهم في صناعة الإنسان على حسن تنظيم هذه العلاقة مثل إنشاء النوادي التربوية وإدراج بعض المحاور العلمية.
الحيوانات جزء من محيطنا الحضري وهي رفيقة الإنسان على مر التاريخ الإنساني، كانت لها مساهمات كبيرة في بناء الحضارات وكانت عنصر أنيسًا للتسلية والترفيه في أوقات الوحدة والضيق والأسى النفسي لا يمكن الاستغناء عنها لكن تنظيم العلاقة من جديد على أساس بيئي وصحي بات مسألة هامة وأساسية.
الكلمات المفتاحية
ماذا نعرف عن التوجيه الجامعي في تونس لسنة 2026؟
تمثل عملية التوجيه الجامعي في تونس مرحلة أساسية في المسار الدراسي للناجحين في امتحان الباكالوريا..
ارتفاع أسعار النزل والاصطياف في تونس سنة 2026 يثقل كاهل الأسر
تتواصل خلال صائفة 2026 موجة ارتفاع أسعار خدمات النزل والاصطياف في تونس، وسط شكاوى من غلاء تكلفة العطلة الصيفية مقارنة بالموسم الماضي..
عن أزمة المراحيض العموميّة في تونس
ما الذي يجعل كاتبًا أو صحفيًّا أو مدوّنًا يهتمّ بمشغل سفليّ بسيط في ظنّ الكثيرين لا يرقى عمقًا ودقّة وخطورة إلى القضايا السياسيّة والأمنيّة والفنيّة؟
كيف علّق وزير طاقة سابق على إجراء القطع المتعمَّد للكهرباء في تونس؟
منجي مرزوق: تونس تُعد نموذجًا جيدًا لدولة حققت وصولاً شبه شامل للكهرباء، لكنها ما زالت تلجأ إلى تخفيف (تقنين) موسمي ومحدد النطاق للكهرباء
محمد بالحاج محمود رسميًا في الترجي الرياضي
أعلن الترجي الرياضي التونسي، اليوم الأربعاء 15 جويلية/يوليو 2026، عن إتمام كافة الإجراءات المُتعلّقة بالتعاقد مع..
ماذا نعرف عن التوجيه الجامعي في تونس لسنة 2026؟
تمثل عملية التوجيه الجامعي في تونس مرحلة أساسية في المسار الدراسي للناجحين في امتحان الباكالوريا..
تنديد بالحكم الصادر ضد الإعلامي هيثم المكي ودعوات لنقضه
نقابة الصحفيين التونسيين: ندعو السلطات إلى احترام المعايير الدستورية والدولية الضامنة لحرية التعبير، ووضع حد للملاحقات القضائية التي تستهدف الصحفيين والإعلاميين خارج الضمانات التي يقرّها القانون