في الذكرى 62 لإصدار مجلة الأحوال الشخصية.. دعوة لإرساء مجلة الحريات الفردية

في الذكرى 62 لإصدار مجلة الأحوال الشخصية.. دعوة لإرساء مجلة الحريات الفردية

3492 مشاهدة
من مظاهرة سابقة للمطالبة بالمساواة في الميراث خلال اليوم العالمي للمرأة مارس 2018 (صورة أرشيفية/الشاذلي بن براهيم/Nur Photo)

"الاستثناء التونسي".. إنه أحد التراكيب الأكثر تداولًا حول تونس خلال السنوات الأخيرة وقد استعمل في سياقات مختلفة. يعود اليوم للضوء في سياق حقوقي مع الدعوة لـ"مجلة الحقوق والحريات الفردية" عساها تكون استثناء تونسيًا جديدًا بعد أن كانت مجلة الأحوال الشخصية استثناء سنة 1956، عام الاستقلال عن المستعمر الفرنسي، وكانت ثورة الكرامة استثناء آخر في 2011 وكان دستور 2014 استثناء بما تضمنه من حقوق وحريات في محيط عربي قمعي.

يطالب ائتلاف جمعياتي تونسي بمبادرة تشريعية تترجم ما اقترح في تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة من خلال تبني مجلة للحريات الفردية تقطع مع هيمنة الفكر الذكوري

"مبادرة تشريعية تترجم ما اقترح في تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة من ضرورة تبني مجلة للحريات الفردية تقطع مع هيمنة الفكر الذكوري وسلطة الجماعة باسم الأخلاق الزائفة واستبداد الدولة على أجساد الأفراد وحيواتهم وضمائرهم"، كان هذا ما ورد في "إعلان 13 أوت 2018" بمناسبة الذكرى 62 لإصدار مجلة الأحوال الشخصية والمُعلن عنه من قبل ائتلاف جمعياتي خلال ندوة صحفية بعنوان "حركة مواطنية من أجل الحريات والمساواة في تونس"، والتي انعقدت في مقر نقابة الصحافيين التونسيين يوم 10 أوت/ آب الجاري واعتبر مطلبًا رئيسيًا للائتلاف الجمعياتي الواسع (حوالي 100 جمعية حسب منضمين للائتلاف).

كما وردت أيضًا في ذات الإعلان مطالبة بتنقيح شامل لمجلة الأحوال الشخصية التي وصفها إعلان الحركة المواطنية بأنها "حافظت في جوهرها على النظام الأبوي عبر احتكار رئاسة العائلة للزوج واعتبار المرأة سلعة تباع وتشترى بشرط المهر وإقصاء النساء من الثروة عبر التمييز في الميراث على أساس الجنس..".

هكذا إذًا بعد 62 سنة من إصدار مجلة اعتبرت في منتصف خمسينيات القرن الماضي ثورة تشريعية في بلد عربي وصدرت بعد أشهر قليلة من استقلاله عن المستعمر الفرنسي، لم يعد التمسك بمجلة الأحوال الشخصية التي طالما اعتبرت محطة مهمة في تاريخ حركة الحداثة والإصلاح في تونس، المطلب.

اقرأ/ي أيضًا: كيف علّق النواب على تقرير لجنة الحريات الفردية؟

تطورت مطالب الحركة النسوية والحقوقية في تونس إلى المطالبة بـ"تطوير هذه المجلة وإتمامها بنصوص تشريعية تجسد مقتضيات الدستور والمعاهدات الدولية المصادق عليها فيما يتعلق بالمساواة والحريات الفردية والسعي إلى تكريس ذلك"، وفق ذات الإعلان السابق. تطور، منطقي حسب الكثيرين، باعتباره يوازي تطورًا في المطالب النسوية والحقوقية حول العالم وباعتبار تميز دستور الجمهورية الثانية في تونس (دستور 2014) وتكريسه للحريات والمساواة والكرامة والعدالة الاجتماعية وما ينعكس من ضرورة ملاءمة التشريعات الأخرى للدستور والالتزامات الدولية لتونس.

في ذات السياق، أعلن الائتلاف الجمعياتي مساندته تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، معتبرينه "امتداداً لمطالبهم واستجابة ولو جزئية لها" مؤكدين دعمهم "لجل ما جاء في التقرير من مقترحات"، وواصفين مطالبهم في ذات الإعلان بـ"الاستحقاقات المشروعة التي لا تقبل المساومة وتحقيقها يستوجب إرادة سياسية واضحة لا غبار عليها".

يسرى فراوس: لن نقبل وعودًا جزئية في خطاب رئيس الجمهورية يوم 13 أوت/آب 2018 بمناسبة عيد المرأة التونسية والسلطة لا يجب أن تكون مرتعشة في دعم هذا المشروع

تقول سناء بن عاشور، رئيسة جمعية بيتي للنساء فاقدات السند والرئيسة السابقة للجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، خلال الندوة الصحفية التي قدمت الإعلان الجمعياتي، "آلياتنا لتحقيق مطالبنا هي الضغط على المشرع التونسي من خلال حججنا وقوة براهيننا والضغط الشعبي من خلال التحرك في الفضاء العام، حراكنا يوم 13 أوت لن يقتصر على العاصمة التونسية بل ستنظم تحركات جهوية في عدة محافظات أخرى".

جزء من الحضور خلال الندوة الصحفية (الترا تونس)

جزء من الحضور خلال الندوة الصحفية (الترا تونس)

وكرد على مطالب البعض بتمرير مقترحات تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة أمام استفتاء شعبي، وهو ما كشفت رئيسة اللجنة بشرى بلحاج حميدة عن رفضها له، جاء في "إعلان 13 أوت 2018"، "لتحقيق مطالبنا لن يثنينا ترهيب ولا تكفير ولا فتاوى ولا استفتاء"، في تأكيد على رفض هذه الآلية وهو ما ذكّرت به أيضًا يسرى فراوس، رئيسة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، خلال مداخلتها للإعلان عن هذه الحركة المواطنية من أجل الحريات والمساواة، قائلة إن "المطالبة بالاستفتاء والحديث عن ضرورة توافق سياسي حول التقرير هي محاولات لضرب عمل اللجنة وتندرج ضمن حملة تجييش ضد تقريرها"، متسائلة "هل نسائل التونسيين في كرامتهم وإنسانيتهم؟".

وعن الانتظارات من خطاب الباجي قائد السبسي يوم 13 أوت/آب 2018 بمناسبة عيد المرأة التونسية، تقول فراوس، في ذات الندوة الصحفية: "لن نقبل وعودًا جزئية والسلطة لا يجب أن تكون مرتعشة في دعم هذا المشروع".

اقرأ/ي أيضًا: يسرا فراوس: يجب تحرير الجسد بتونس وهذا موقفنا من أحكام الشريعة الخاصة بالنساء

وإجابة عن سؤال "الترا تونس" حول سقف المطالب وما يمكن القبول به، ترد بن عاشور: "السقف هو المساواة والحريات الكاملة والشاملة وليس أقل من ذلك، لن نقبل مثلًا بغير إلغاء عقوبة الإعدام، لم يعد من الممكن الحديث عن تدرج في هذا الأمر، كما لن نرضى بغير المساواة التامة في الميراث ولن نقبل بتجريم شخص لميولاته الجنسية مهما كانت العقوبة ونطالب بإلغاء تام للفصل 230".

سناء بن عاشور لـ"الترا تونس": سقف المطالب هو المساواة والحريات الكاملة والشاملة وليس أقل من ذلك، لن نقبل بغير إلغاء عقوبة الإعدام، لن نرضى بغير المساواة التامة في الميراث ولن نقبل بتجريم شخص لميولاته الجنسية

وفي ذات السياق، أضاف وحيد الفرشيشي، رئيس الجمعية التونسية للدفاع عن الحريات الفردية، أن لجنة الحريات الفردية والمساواة لم تتعرض للفصل الذي يجرم عقوبة الزنا، لكنهم يطرحون الموضوع من جديد ويؤكدون أنهم ضد العقوبة السالبة للحريات في حالة إثبات الزنا، وأنهم سيطرحون ملف الموت الرحيم الذي لم يسبق التعرض له في تونس.

ومن المنتظر أن يخرج المساندون لتقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة والمطالبين بمجلة جديدة للحقوق والحريات الفردية، تقطع مع ما اعتبر اهتراء لمجلة الأحوال الشخصية ومع عدد من التشريعات التونسية القائمة حاليًا، للشارع يوم 13 أوت/ آب الجاري في مظاهرة أمام المسرح البلدي بالعاصمة التونسية، الساعة السادسة مساء، تأكيدًا على مطالبهم وحشدًا للدعم من حولهم.

في المقابل، ينزل معارضو التقرير، بدعوة من جمعية الأئمة، في مسيرة يوم السبت 11 أوت/ آب الجاري، من منطقة باب سعدون إلى باردو (أين مقر مجلس النواب التونسي)، وكان عدد من الأئمة قد عبر عن احتجاجه في مسيرات جهوية في محافظات تونسية مختلفة، للتظاهر ضد مخرجات عمل لجنة الحريات الفردية والمساواة، الذي يعتبرونه "يتنافى مع الدستور والدين الإسلامي ويخرّب المجتمع".

وحيد الفرشيشي: لجنة الحريات الفردية والمساواة لم تتعرض للفصل الذي يجرم عقوبة الزنا، لكننا سنطرحه وكذلك ملف الموت الرحيم الذي لم يسبق التعرض له في تونس

والآن بعد سن دستور 2014، المدني الديمقراطي الضامن للحقوق والحريات كما يقول طيف واسع من النخبة التونسية، ورفع تحفظات تونس على الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW) وما أثارته من جدل في المجتمع التونسي خلال السنوات الأولى التي تلت الثورة، والمصادقة على القانون الأساسي ضد العنف وإلغاء منشور 1973 الذي كان يجرّم زواج التونسية من غير المسلم، قد يعرف المشهد الحقوقي التونسي، بعد هذه الخطوات المتسارعة، خطوة أخرى تتكرس في مجلة للحقوق والحريات الفردية، تقضي بشكل تام على كل أشكال التفرقة بين الجنسين وتؤسس لتونس المختلفة عن منطقتها العربية.. "تونس الاستثناء" ربما.

 

اقرأ/ي أيضًا:

من أجل حوار وطني حول المساواة والحريات الفردية

تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة.. إشكالية الدين والدولة المدنية