في البورجوازية الرثة والتنمية الرثة

في البورجوازية الرثة والتنمية الرثة

لا يخدم التراكم الرأسمالي لبورجوازية رثة في اقتصاد ريعي مسار تحرير الإنتاج (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

 

مقال رأي

 

هناك نظريات مختلفة في تفسير الفشل في التنمية وتخلف أمم قياسًا بأمم أخرى، لكن تتفق بشكل متزايد مؤخرًا في أن المسالة ليست قدرية، ويتفق أيضًا أكثرها جدة وحداثة (من السبعينيات حتى الآن) في أن أحد أهم المعضلات هو دور البرجوازية المحلية وطبيعة علاقتها بالدولة. يبقى الخلاف عميقًا حول دور العامل الخارجي هل هو رئيسي أم ثانوي.

ومن المصطلحات/المفاهيم الأكثر جذبًا للانتباه في تشخيص هوية البورجوازية في دولة تعاني من التخلف هو مصطلح "البورجوازية الرثة" (Lumpenbourgeoisie) الذي اجترحه المؤرخ الاقتصادي الألماني الأمريكي أندري قوندر فرانك (Andre Gunder Frank) في بداية السبعينيات من دراسته للتجربة الامريكية اللاتينية. طبعًا لست معنيًا بهذا المصطلح لدواعي الترف التنظيري بل لعلاقته الممكنة بالسياق العربي وخاصة التونسي.

من المصطلحات/المفاهيم الأكثر جذبًا للانتباه في تشخيص هوية البورجوازية في دولة تعاني من التخلف هو مصطلح "البورجوازية الرثة"

فرانك الذي يعتبر مع سمير أمين وآخرين من النيوماركسيين من بين مؤسسي أحد النظريات التي تفسر التخلف في "نظريات التنمية" (Development Theories) وهي "نظرية التبعية" (Dependency Theory) ركز تشخيصه على الحالة اللاتينية والتي ستصبح "نموذجًا" دراسيًا له خصوصياته لكن بكل تأكيد يشترك مع عديد المجالات الأخرى في خصائص فوق-قومية تشمل "دول الجنوب" عمومًا.

اقرأ/ي أيضًا: لماذا الضريبة الاستثنائية على الثروة؟

من الواضح أن تعبير "البورجوازية الرثة"، وهو عنوان كتاب فرانك والذي صدر أولًا بالإسبانية سنة 1970 قبل ترجمته بعد عام إلى الأنجليزية، مستلهم من التعبير الماركسي "البروليتاريا الرثة" (Lumpenproliteriat)، وهو دمج الكلمة الألمانية التي تفيد "الرثة" بالتعبيرين الفرنسيين الشائعين والعابرين للغات اي "البروليتاريا" و"البورجوازية".

عندما كتب ماركس عن "البروليتاريا الرثة" في خضم ثورة 1848 والإحباط الذي خلفته بعد فشلها كان يستهدف تحديدًا ليس معنى "البروليتاريا" أي الطبقة العاملة بما هي مرتبطة بمنظومة الإنتاج الرأسمالية، بل جيش العاطلين المستعدين للاسترزاق من الجريمة وبيع "عملهم" لقمع العمال عندما يقوم هؤلاء بثورة. هو القسم الأسفل من الفقراء الذين يبيعون قدرتهم على ممارسة العنف من أجل تحقيق مصالح البرجوازية، وبهذا المعنى هم "خارج الطبقات" أو طبقة يتم الاستثمار في لاوعيها الطبقي لضرب زملائهم من الفقراء.

الفكرة الماركسية التي استثمر فيها فرانك هي: طبقة لا تخدم مصالح مجموعتها الاجتماعية الفقيرة بل تخدم مصلحة طبقة أخرى مناقضة. بهذا المعنى، "البورجوازية الرثة" هي تلك الطبقة التي لا تخدم مصالح أمتها الاقتصادية بل تخدم مصالح أمم أخرى أغنى مستفيدة من تعطل التنمية في تلك الأمم الفقيرة. وهنا يبتدع فرانك مصطلحًا آخر وهو "التنمية الرثة" (Lumpendevelopement)، أي تلك التنمية الشكلية لفئة اجتماعية مخصوصة مستفيدة من علاقة خاصة بالسلطة السياسية تتحوز بفضلها على مجالات احتكارية وتبني على أساسها راسمالية ريعية (Rentier Capitalism) تعطل تطورًا اقتصاديًا عامة وثورة في الإنتاج خاصة إنتاج القيمة المضافة. 

 "التنمية الرثة" هي التنمية الشكلية لفئة اجتماعية مخصوصة مستفيدة من علاقة خاصة بالسلطة السياسية 

يجب التدقيق بالمناسبة في التمايز بين مصطلحي "البورجوازية الرثة" و"الكمبرادور" (ذو الأصل الصيني والذي تم تسويقه عالميًا في سياق الأدبيات الماوية). المصطلح الأخير يخص تحديدًا بورجوازية تقوم أساسًا على التمثيل المحلي لمصالح مؤسسات أوروبية. في حين "البورجوازية الرثة"، يمكن أن تعني أصحاب مؤسسات مستقلة بنفسها عن أي مؤسسات أجنبية وتتطور أحيانًا حتى على الضد من مصالح أجنبية (مثلما سنرى في مقال لاحق في السياق التونسي في علاقة بالاتحاد الأوروبي). يبقى أن دورها في تعطيل التنمية يجعلها لا تخدم مصالح أممها ويجعلها من ثمة تلتقي موضوعيًا مثلًا في إخضاع تلك الأمم في مواقع خلفية لا تسمح لها بالمنافسة في افتكاك الأسواق وتطور بورجوازية عضوية محلية قادرة على تحرير التنمية.

اقرأ/ي أيضًا: "خلق لينتهز".. مبدأ تجاري أم منوال اقتصادي؟

هنا ننتقل الى تحيين نظري لمصطلح فرانك خاصة مع الكتابات الجديدة التي تؤثر بشكل كبير في مضمار "نظريات التنمية" ذات الخلفية الليبرالية مثل كتاب عاصم أوغلو وجيمس ربينسون "لماذا تفشل الأمم؟" (Why Nations Fail).

يبقى التأسيس النظري لفرانك حيويًا إذ أنه يفرض التمييز بين بورجوازية "رثة" وأخرى "عضوية" (organic). من غير الممكن كما حاجج فرانك الحديث عن نفس البورجوازية في اقتصاد احتكاري في سياق التطور الرأسمالي التنافسي في أمم مثل الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر (والتي تحررت مع الثورة الأمريكية من حالة الهيمنة الخارجية)، والبورجوازية التي نشأت وتنشط في إطار أمم متموقعة في تقسيم عالمي للعمل يجعلها في وضع هيمنة أجنبية استعمارية او وضع خاضع مثلما هو الحال في السياق الأمريكي اللاتيني أو العربي.

التراكم الرأسمالي لبورجوازية رثة في اقتصاد ريعي عربي أو تونسي مثلًا لا يخدم أصلًا لا في بدايته ولا الآن مسار تحرير الإنتاج

بمعنى آخر، عائلات روكفيلر وكارنيغي لم تكن بورجوازيات رثة في القرن التاسع عشر، حين كان منحاها الاحتكاري يسمح إلى حد ما بالتطور الرأسمالي العام ولم تكن تخدم ولو موضوعيًا مصالح قوى أجنبية. لكن عندما بلغ توسعها الاحتكاري درجة قصوى أدت إلى هيمنتها المطلقة بما يضر التنافسية ومن ثمة تطور الرأسمالية ذاتها تدخلت الدولة لتعديل موازين القوى بين المؤسسات الرأسمالية واستحداث قوانين ضد الاحتكار (antitrust laws).

في حين أن التراكم الرأسمالي لبورجوازية رثة في اقتصاد ريعي عربي أو تونسي مثلًا لا يخدم أصلًا لا في بدايته ولا الآن مسار تحرير الإنتاج وخلق بورجوازية عضوية تنتج القيمة المضافة. إذ نشأت تلك البورجوازية ليس في أطر تطور عضوي بل في سياق احتلال وهيمنة قوة أجنبية، ثم كان عليها التماهي مع منظومة سياسية استبدادية لا تسمح بتنافسية حرة وتشجع الزبونية. وذلك، أي الأصول التاريخية للبورجوازية الرثة التونسية، سيكون موضوع مقالي القادم. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

من سيقود عالم ما بعد الكورونا؟

الكورونا.. الصحة مقابل الحرية