فيلم "عصفور جنة".. قراءة في الشخصية التونسية
25 يناير 2025
عرض الفيلم الروائي التونسي الإيطالي "عصفور جنة" في مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية في دورته التي انتظمت من 9 إلى 14 جانفي/يناير2025، وتحصّلت بطلته أمل مناعي على جائزة أحسن أداء نسائي وهو من اقتباس المخرج مراد بن الشيخ عن رواية الكاتب التونسي محمد رضا بن حمودة "La marmite d’Ayoub". ودارت أحداثه بين تونس وإيطاليا.
طرح الفيلم بصورة كوميدية تناقضات الشخصية التونسية من خلال مغامرة تونسية إيطالية، أظهرت المعاناة التي يعيشها المهاجر غير النظامي التونسي في إيطاليا والتحديات التي تعترض الرجل غير المسلم حين يرغب في الزواج من مسلمة
طرح الفيلم بصورة كوميدية تناقضات الشخصية التونسية من خلال مغامرة تونسية إيطالية، أظهرت المعاناة التي يعيشها المهاجر غير النظامي التونسي في إيطاليا، كما تطرّق إلى التحديات التي تعترض الرجل غير المسلم حين يرغب في الزواج من مسلمة.
التونسي بين حلم الهجرة وواقعها
يتقاسم بطولة فيلم "عصفور جنة" الممثل الإيطالي "نيكولا نوشيلا" (هي أوّل مشاركة له في فيلم عربي) والممثلة التونسية أمل مناعي في أول تجربة سينمائية لها، تخوضها وتتميّز فيها وتنال بها إعجاب الجماهير لإتقانها دور الفتاة التونسية، ذات الإرادة القويّة والقدرة الفائقة على التأقلم مع كلّ الأوضاع من أجل بلوغ الهدف.
تطرّق الفيلم إلى موضوع الهجرة وكيف أنّها أصبحت هاجسًا وحلمًا، لا للشباب التونسي فقط بل للكهول أيضًا، معرّضين أنفسهم وأطفالهم إلى خطر ركوب زوارق الموت بغية الوصول إلى برّ "الطليان".
تطرّق الفيلم إلى موضوع الهجرة وكيف أنّها أصبحت هاجسًا وحلمًا، لا للشباب التونسي فقط بل للكهول أيضًا، معرّضين أنفسهم وأطفالهم إلى خطر ركوب زوارق الموت بغية الوصول إلى إيطاليا
تقمّصت البطلة أمل المناعي دور "بدرة" الفتاة التي هاجرت إلى إيطاليا، وأقامت هناك بصفة غير قانونية، فتعذّبت وأُهينت وتعرضت إلى ملاحقات للعودة بها إلى بلدها تونس، إلى أن أسعفها الحظّ وأعجب بها الإيطالي "أماديوس" بائع التحف العتيقة وعرض عليها الزواج فقبلت دون تردّد رغم فارق السنّ وفارق الدين وفارق الجنسية. وسارعت بالعودة إلى تونس للقيام بإجراءات عقد الزواج وفقًا للديانة والتقاليد التونسية مصحوبةً بخطيبها "أماديوس"، العصفور الذي سيحلّق بها في سماء أوروبا ويضمن لها وجودًا قانونيًا في دولة تحارب الهجرة وتتصدى لها.
التونسي شخص محافظ ومنفتح في الآن ذاته
سعى المخرج مراد بن الشيخ في هذا الفيلم إلى إبراز تركيبة الشخصية التونسية فلمّح إلى أنّها منفتحة وفي نفس الوقت محافظة، مصوّرًا بعض المشاهد الحيّة من حياة التونسي اليومية، ليبيّن سيره على منوال الحياة العصرية وتمسّكه أيضًا بمعتقداته الدينية وعاداته التقليدية، جامعًا بين فكرين مغايرين، فكر حداثي شغوف به لما يوفّره له من رفاهية ومتعة، وفكر محافظ موروث ومقدّس علق بذهنه منذ طفولته ونشأ معه، يشعر بالذنب إن لم يمتثل له. ممّا خلق لديه خلطًا بين القوانين الوضعية والدينية.
اقترن الفيلم بفكر ومواقف المخرج مراد بن الشيخ فجعل أحداث الفيلم تحكي عن فكره ورأيه في الشخصية التونسية من موقع المثقف العضوي الذي يعيش داخل مجتمعه ويحمل همومه ويتفاعل معه.
ركّز المخرج على تركيبة شخصية التونسي فأبرز ازدواجيته وتناقضات سلوكه نتيجة الجمع بين فكرين مغايرين، فكر حداثي وآخر محافظ، أسقطاه في القيام بالفعل وضدّه
وحتى يكون موضوعيًا في تعاطيه مع موضوع سلوكيات الشخصية التونسية ولا يُتّهم بتحميلها ما ليس فيها، جعل من البطل أماديوس، الشخصية الإيطالية الأجنبية، يختلط لأول مرّة بعائلة تونسية ويحتك بأفرادها ويتحدّث معها ويطّلع على تفاصيل حياتها ليكون شاهد عيان على تصرّفاتها وردود أفعالها.
ولمّح إلى بعض صفات التونسي من تلقائية كبيرة في التعامل مع الآخر، فلم تُبد عائلة بدرة أدنى مظاهر الخوف من خطيب ابنتها، على الرغم من أنه الغريب القادم من وراء البحار.
وتعاملت معه بأريحيّة من أوّل وهلة، فشرّكته في قضاء شؤونها وجلساتها وأجوائها، فكانت فرصةً مكّنته من الاطّلاع على تصرّفات وسلوكيات التونسي وكيف يقوم بالفعل وضدّه، متعاطيًا المحرمات سرًا، متمسّكًا بتحريمها جهرًا فتراه يؤدّي الفرائض الدينية ولا يرى مانعًا في الغش والتحيّل، بل يسمّيه حسن التدبير، يشرب الخمرة بانتظام ويمتنع عنها في الأعياد والمناسبات الدينية، وتباع له سائر الأيام ما عدا يوم الجمعة، يقبل الرشوة ويستخدم الواسطة.. وغيرها من الممارسات.
اقترن الفيلم بفكر ومواقف المخرج مراد بن الشيخ فجعل أحداث الفيلم تحكي عن فكره ورأيه في الشخصية التونسية من موقع المثقف العضوي الذي يعيش داخل مجتمعه ويحمل همومه ويتفاعل معه
دفع المخرج مراد بن الشيخ المتفرّج أيضًا ليكون ملاحظًا فطنًا ويكتشف بنفسه تناقض سلوك التونسي، فأحاله إلى مشاهدة كمّ الترحاب الذي حظي به "أماديوس" من قبل أفراد عائلة خطيبته "بدرة"، وكيف علّقوا عليه الآمال الكبيرة منذ حلوله بينهم ورأوا فيه منقذهم وعصفورهم القادم من وراء البحار ليأخذهم للجنّة الإيطالية حيث يحلو العيش ويتوفر الشغل.
وفي الآن نفسه تعمّدوا إحراجه وإزعاجه بإملائهم عليه شروطًا تعجيزية، من شأنها أن تنفّره وتجعله يصرف النظر عن فكرة الزواج من ابنتهم التونسية المسلمة، ليبيّن المخرج من وراء هذه المشاهد أنّ التونسي شخص متناقض وعاطفي وحماسي.
يبدو أنّ هذه الصفات السلبية وهذا التناقض المكبّل للتطوّر لا يخصّ التونسي فقط، بل هو ظاهرة اجتماعية تشمل كلّ المجتمعات العربية الإسلامية، فقد تحدّث الدكتور علي الوردي، وهو عالم اجتماع ومؤرّخ عراقي عُرف بتبنيه النظريات الاجتماعية الحديثة وتحليل الواقع، عن ازدواجية الشخصية العربية الإسلامية، وأعاد سببها إلى أسلوب الحياة المتوارث والعلاقات مبيّنًا أنّ الزواج في هذه المجتمعات لا يزال قائمًا على أساس الأصل والنسب والطبقية ولا تزال الحياة تدار بعقلية قبلية ووفقًا للعاطفة والحماس القائم على التعصّب والنرجسية.
الانفتاح يقتضي التسامح وقبول الاختلاف
في دعوة منه للتسامح وقبول الآخر المختلف، شدّد مخرج الفيلم مراد بن الشيخ على المعاناة التي تعرّض لها الإيطالي "أماديوس" لمجرّد رغبته في الزواج من تونسية، فصوّره في أحسن صورة وجعل منه شخصيةً حنونةً ومنفتحة، تقدّس الدين وتحترم الروابط العائلية وتسعى إلى إرضاء من تحب. ومع ذلك، يُرغم "أماديوس" على المشاكل ويجد نفسه ممزّقًا لإرضاء امرأتين:
- والدته المسيحية التي عوّدته على الذهاب إلى الكنيسة للاعتراف بأخطائه أمام القديس فهي ترفض أن يتزوّج ابنها من "بدرة" الفتاة التونسية المسلمة والمتواجدة في بلدها وجودًا غير قانوني، فتحاول بكل الطرق إقناعه بصرف النّظر عن هذه الزيجة إلى أن وصل بها التعنّت حد اللحاق به إلي تونس، لتوقف هذا الزواج غير المتكافئ.
- وخطيبته بدرة الفتاة التونسية التي أزعجوه أفراد عائلتها بشروطهم وأوامرهم، وإرضاءً لها قبل ببعضها على مضضٍ ورأى في بعضها الآخر شروطًا تعجيزية وغير معقولة، فلم ير مانعًا في اعتناقه الدين الإسلامي وفي اتخاذ اسم عربي لاعتقاده أنّه قادر على الجمع بين ديانتين وأنّ اعتناقه الإسلام لا يعني تخلّيه عن دينه المسيحي، إلّا أنه رفض رفضًا قاطعًا فكرة الختان.
اعتناق الديانات اختياري لا إجباري
ليبيّن المخرج أن شرط إعلان الشخص غير المسلم الراغب في الزواج من تونسية إسلامه أمام مفتي الديار التونسية يعدّ شرطًا واهيًا ودون جدوى، عمد إلى تصوير البطل "أماديوس" وهو ماثل أمام مفتي الديار التونسية للإعلان عن اعتناقه الدين الإسلامي في مشهد هزلي، مجيبًا عن أسئلة المفتي بأجوبة آلية ومتوقعة ودون اقتناع ومن باب المصلحة وقضاء الحاجة ، لقّنتها له خطيبته بدرة فردّدها حرفيًا، ما أوقعه في لخبطة، فكشف للمفتي عن نيته التمسك أيضًا وفي الآن نفسه بديانته المسيحية.
وللإشارة، فقد ألغت السلطات التونسية سنة 2017 الأمر الترتيبي الوزاري الذي كان يحظر زواج التونسيات المسلمات من غير المسلمين، وكان يشترط على غير المسلم أن يمثل أمام مفتي الديار التونسية ليعلن إسلامه.
عقلنة الإنسان العربي
أنهى مراد بن الشيخ الفيلم بزواج أماديوس الإيطالي من بدرة التونسية المسلمة دون توفّر شهادة تثبت اعتناقه الدين الإسلامي بحضور إمام المسجد لعقد القران وبحضور العائلة وسط أجواء توافقية وبهيجة في دعوة منه إلى التعايش والتسامح مع الآخر المختلف، ملمّحًا إلى أنّ الحلّ لتخليص التونسي من سلوكه المتناقض لا يكون بسنّ القوانين بل بتغيير العقليات.
دعا المخرج مراد بن الشيخ من خلال هذا الفيلم التونسيين إلى ضرورة تغيير عقليتهم وحثّهم على استخدام العقل للتخلص من السلوك المتناقض والتعايش مع الآخر المختلف
وهذا ما ذهب إليه بعض علماء التاريخ والاجتماع، فقد ارتأى عالم الاجتماع التونسي منصف ونّاس أنّ الحلّ لإعادة بناء الشخصية التونسية والعربية الإسلامية يكون بتغيير الثقافة والقناعات والمنطلقات الفكرية بالتركيز على دور التربية والإعلام في التوعية والدعوة للتخلص من الجمود وللابتعاد عن الخرافة والشعوذة.
أمّا المفكّر التونسي هشام جعيّط فقد ذكر في كتابه "الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي" أنّ الحلّ يكمن بالأساس في إعادة هيكلة الإنسان العربي لذاته ليصبح عقلانيًا وعميقًا ولا يكتفي بظواهر الأمور، وعليه أن يشرع في نقد ذاتي ويتجاوز مسألة الهويات فيتخلص من النرجسية الإسلامية ويقدر كل الديانات ويتوجّه نحو الحداثة، إذ أصبح العالم قرية صغيرة متّصلًا ومترابطًا بفعل العولمة، مشدّدًا على ضرورة البدء بالعمل على تغيير العقليات دون أن ينكر أن تغيير العقليات أمر صعب ويتطلب وقتًا ولن يحصل إلّا تدريجيًا لأنّ العقليات تتطور ببطء ولا يمكن محو إرث حضاري بين عشية وضحاها.

الكلمات المفتاحية

"بابورينو"... الأغنية التونسية التي شقّت عباب الذاكرة
في اللحظة التاريخية الفارقة للمجتمع ـ أيّ مجتمع ـ يمكن للإبداع أن يلتقط الأحداث والوقائع والرموز ويحوّلها إلى سرديات خارقة للأزمنة، تحمل في تجاويفها المعاني الخالدة والفكرة الجامحة التي تحلّقت حولها قلوب الناس ودَفعتهم إلى الفعل المُغيِّر، لتضعها في الأعالي اللامتناهية تحت شموس الذاكرة حفاظًا على الحقيقة الكاملة وجوهرها الكامن، همّةً للأجيال المتعاقبة ورصيدًا رمزيًا تتغذّى منه الهوية، وسندًا…

المتاحف في تونس.. في البحث عن فضاءات أفضل لحفظ الذاكرة
يجب مراجعة إدارة المتاحف في تونس كليًا حتى ترتقي إلى مستوى عالمي مرموق، فالقطع الأثرية التونسية ذات قيمة حضارية إنسانية ثابتة لا تزال المخازن تعج بها وفي حاجة إلى أن ترى الصيانة والعرض في أبهى حلة

المهرجان الدولي لفيلم المرأة "بعيونهن".. احتفاء بمخرجات عربيات مبتدئات من 10 دول
زيادة على الإقامة الفنية التي ضمّت 14 مخرجة مشاركة من دول عربية عديدة، نظم المهرجان الدولي لفيلم المرأة "بعيونهن"، الذي تنظمه كل سنة الجامعة التونسية لنوادي السينما بمدينة نابل، مسابقة في الأفلام القصيرة العربية من إنتاج مخرجات نسائيات

معرض الرسام التونسي سامي بن عامر.. "الأرض الروحية" أو "زهرة الغريب"
أصحاب "اللوحة الفنية التونسية" صنفان: صنف يرى في الخامات تعليلاً لطرح الأسئلة الفكرية والفلسفية والوجودية المترعة بالجدل والتأمل والتصوّف، أو لتقديم إمكانات لأجوبة عصية، قصية تشبه الفتح الجديد، أو مقاربة للأشياء من زوايا مستحيلة فيها استنطاق للذات القلقة، الحائرة التي تستشعر عمق المعاني فتسرّبها عبر الألوان ثم تتراجع إلى الخلف لترى عين ما أنجزت

رغم الانتصار بثلاثية ضد قطر.. تونس تغادر كأس العرب 2025
نجح محمد علي بن رمضان في تسجيل الهدف الأول للمنتخب التونسي في الدقيقة 16 من عمر المباراة، في حين تمكن ياسين مرياح من إضافة الهدف الثاني في الدقيقة 62

"أول فوز عربي في الدور الثاني"… تونس تهزم النمسا في مونديال كرة اليد
الإعلامي الرياضي عصام الشوالي: تحقيق الفريق النسائي لتونس لانتصار أمام النمسا في بطولة العالم لكرة اليد النسائية يعدّ أول انتصار عربي في تاريخ الرياضات الجماعية في الدور الثاني للرياضة النسائية

مونديال 2026.. برنامج مباريات منتخب تونس في الدور الأول
أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" عن برنامج مباريات الدور الأول لمنافسات كأس العالم 2026 بالولايات المتحدة وكندا والمكسيك.. تعرّف على مواعيد مباريات المنتخب التونسي

طقس تونس.. سحب كثيفة مع أمطار متفرقة
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تتراوح عامة بين 17 و22 درجة
