فيلم

فيلم "سامحني" للراحلة نجوى سلامة: انتصار لقيم العفو ودفاع عن رومانسية الموت

رحلت المخرجة نجوى الإمام سلامة وهي لا تعلم أن شريطها الروائي الطويل قد تغير اسمه

رحلت المخرجة السينمائية التونسية نجوى الإمام سلامة وهي لا تعلم أن شريطها الروائي الطويل قد تغير اسمه من "فوزي ومستاري" إلى "سامحني"، وهي آخر كلمة نطقت بها المخرجة قبل أن تعود إلى بيتها السماوي. وهذا التغيير كان باتفاق كامل فريق الشريط لأنه يتماشى أيضًا مع النسق الدرامي للعمل السينمائي.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "بنت القمرة".. عن نساء تحدين المرض وواجهن مجتمعًا لا يرحم

هكذا قدم زوجها رضا سلامة، وهو منتج سينمائي، احتفالية العرض الأول لشريط " سامحني" التي أقيمت يوم 19 ديسمبر/ كانون الأول 2018 بقاعة السينمائي الراحل عمار الخليفي بمدينة الثقافة، بحضور صحفيين ونقّاد سينمائيين وبعض الممثلين الذين أسهموا في الشريط وفريق العمل الموسع الذي أشرف على إنجاز هذا العمل الفني يتقدمهم المخرج الأسعد الوسلاتي الذي يعتبر الابن الروحي للمخرجة وهو من قام بـ"الرتوش" الفنيّة والتقنية الأخيرة للشريط.

كانت الدموع وأحاسيس الفقد وأحاسيس أخرى غريبة هي المهيمنة على عرض شريط "سامحني"

كانت الدموع وأحاسيس الفقد وأحاسيس أخرى غريبة هي المهيمنة على العرض من خلال الكلمات التي أفشاها فريق العمل والمتعلقة بكواليس الشريط واللحظات الرائعة التي جمعتهم بالمخرجة الراحلة نجوى الإمام سلامة، وكيف أنها لم تعلمهم بمرضها وواصلت أيام التصوير في مواعيدها، وحتى غيابها للتداوي لم يكن يعلم به إلا البعض بل كانت ممتلئة بالحياة إلى آخر يوم قبل الوداع الأخير، الكل أجمع على شجاعتها وبطولتها أمام المرض الخبيث الذي داهمها وهي في أوج عطائها السينمائي.

شريط " سامحني" يمكن تنزيله ضمن رؤية سينمائية اختارتها المخرجة نجوى الإمام سلامة منذ التسعينيات وبداية الألفية وهي التقاط الواقع وتحويله إلى سينما ناقدة لتعود لذاك الواقع فتغيّره وتجمّله. وهو ما نلمسه في أشرطتها القصيرة "حيرة " (سنة 2010) و"خميس عشية" (سنة 2013) و" يوم بدون امرأة " (سنة 2014). وهي أفلام تنحى الواقع من زوايا اجتماعية وسياسية فتنقده أملًا في الانتباه إلى تغيير ما.

لم تعلم المخرجة نجوى سلامة فريق عملها بمرضها وواصلت أيام التصوير في مواعيدها

يمكن القول إنّ "سامحني" لم يكن شريطًا تخيليًا بل كان شريطًا لصيقًا بالواقع التونسي في سنواته الأخيرة

سينما الواقع: سينما النقد والتغيير

" سامحني " هو الشريط الروائي الأول والأخير للمخرجة الراحلة نجوى الامام سلامة. وفي قراءة أولى له يمكن القول إنّه لم يكن شريطًا تخيليًا بل كان شريطًا لصيقًا بالواقع التونسي في سنواته الأخيرة، شريطًا التقط  ظاهرة اجتماعية استشرت في السنوات الأخيرة وهي الفساد الذي عمّ تقريبًا كل القطاعات ومنها قطاع القضاء، حيث يشير الشريط من خلال شخصية القاضي "فوزي" إلى الفساد الواضح الذي نخر هذا القطاع الحيوي في الجسم المجتمعي والمآسي التي قد يتسبب فيها القضاء الظالم.

المخرجة وانطلاقًا من هذه الإشارة القوية للفساد في مجال القضاء ومدى تأثير ذلك على الأفراد والمجتمع، تحمل المتفرج إلى القاعدة الأولى التي يقوم عليها العيش المشترك وهي الأخلاق بالمعنى الكانطي للكلمة أو سلّة القيم المشتركة التي تجمع الناس.

فكلمة "سامحني" وهي تعني الاعتذار مقابل العفو والصفح والتي أرهقت القاضي "فوزي" حتى يعفو عنه "مستاري"، الباحث في الآثار والذي قضى عشر سنوات سجنًا في قضية تهريب آثار ملفقة، يبدو أنها هي جوهر الفيلم ومحوره. وما الأحداث الدرامية المتسمة بالتراجيدية سوى تعلّة لذلك ومنها تشير المخرجة إلى قيم أخرى تصدعت في المجتمع كالصدق في العلاقات والمحبة بين الناس.

اقرأ/ي أيضًا: جديد السينما التونسية: فيلم "سامحني" في القاعات

شريط "سامحني" وبأسلوب آسر يليّن فكرة الموت في الأذهان ويقصي التصور الفقهي الرائج ويجعلها وجهًا آخر للحياة.. وجهًا جميلًا

ما أجمل الموت.. هيّا بنا نغادر

الشريط وبأسلوب آسر يليّن فكرة الموت في الأذهان ويقصي التصور الفقهي الرائج ويجعلها وجهًا آخر للحياة، وجهًا جميلًا، فاستعداد مستاري لموته بعد أن اكتشف مرضه بالسرطان وحمل حقائبه نحو الآخرة بتلك الطريقة الفنية وبحضور فرقة سمفونية على شاطئ بحر المهدية يوم الدفن بعيدًا عن الصورة النمطية المليئة بالعويل والندب والسواد، تبدو فكرة الموت مليئة بالشجاعة والرومانسية، إذ يكاد المتفرج يصرخ  "ما أجمل الموت... هيّا بنا نغادر الحياة".

شريط "سامحني" شارك في بطولته محمد على بن جمعة وسوسن معالج اللذين أثبتا نضجًا ملحوظًا وانسيابية مكتملة في الأداء بعيدًا عن التكلف، هذا إلى جانب كوكبة أخرى من الممثلين منهم علي بنور ومريم بن حسين ورياض حمدي وسماح السّنكري.

مثلت اللهجة التونسية حاجزًا واضحًا أمام الممثل السوري عابد الفهد

الممثل السوري عابد الفهد يصدم بحاجز اللهجة التونسية

أما حضور الممثل السوري عابد الفهد في الشريط وقيامه بالدور الأول، وهو مستاري، فهو يطرح من جديد حضور الممثلين المشارقة في السينما التونسية التي عادة ما تغريهم لنوعيتها وجديتها ولعالميتها. لكنهم يصطدمون عادة بحاجز اللغة أو اللهجة التونسية هذا طبعًا إذا استثنينا حضور الممثل الكبير الراحل جميل راتب فهو الوحيد الذي نجح وتخطى حاجز اللهجة التونسية.

شريط "سامحني" للمخرجة الراحلة نجوى الإمام سلامة وما حفّ به من ظروف تراجيدية يعتبر إضافة هامّة تحتاجها دائمًا السينما التونسية

عابد الفهد الذي عرفناه نجمًا لا يشق له غبار في الدراما السورية بدا منطفئًا بعض الشيء في شريط "سامحني " وكانت اللهجة حاجزًا واضحًا أمامه لكن ذلك لا ينفي عنه مجهودًا واضحًا في تلبّسه بشخصية مستاري وخاصة حزنها وانكسارها أمام الظلم وعواصف الأقدار.

موسيقى " سامحني" و التي أنجزها باقتدار المايسترو التونسي رياض الفهري كانت عنصر من عناصر قوة الشريط فهي تجاري النسق الدرامي بحرفية واضحة، كما تقترب من خوالج المتلقي عندما تريد المخرجة إيصال رسالة ما. وكم بدت هذه الموسيقى رومانسية وحزينة خلال دفن مستاري. لقد كان الفنان رياض الفهري كريمًا بمقطوعات آلة البيانو التي تكاد تلامس الروح.

إن شريط "سامحني" للمخرجة الراحلة نجوى الإمام سلامة وما حفّ به من ظروف تراجيدية يعتبر إضافة هامّة تحتاجها دائمًا السينما التونسية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

اختتام أيام قرطاج السينمائية: "فتوى" يفتك "التانيت الذهبي" في الأفلام الطويلة

قراءة في الشريط الوثائقي الروائي "غزالة ".. هشاشة ناصعة