ultracheck
ثقافة وفنون

فن العرائس في تونس.. حكايات فنانين وجدوا ذواتهم في أجساد الدمى

18 فبراير 2026
فنّ العرائس في تونس.. حكايات فنانين وجدوا ذواتهم في أجساد الدمى
في هذا البورتريه، نقتفي أثر فنانين اختارا أن يمنحا الضوء والحياة لعرائس تطرح علينا سؤالًا بسيطًا ومزعجًا في آن: ماذا لو كان ما نقوله عبر الدمى أكثر صدقًا مما نقوله بأفواهنا؟ (أرشيفية/وزارة الثقافة)
إيمان السكوحي
إيمان السكوحي صحفية من تونس

في فضاء المسرح التونسي، يظلّ فنّ العرائس واحدًا من أكثر الفنون التباسًا وسوءًا للفهم. إذ يُختزل غالبًا في الترفيه السريع أو في عروض موجّهة للأطفال، بينما يُخفي في جوهره اشتغالًا معقّدًا على الصوت والجسد والخيال، وعلى تلك المنطقة الرمادية بين الإنسان وما يصنعه بيديه. في هذا الهامش بالذات، اختار محمد الأخوص وأسامة الماكني أن يغوصا في تفاصيل هذا العالم بحثًا عن معنى أعمق للفعل المسرحي.

في هذا البورتريه المزدوج، نقتفي أثر فنانين اختارا أن يمنحا الضوء والحياة لعرائس تطرح علينا سؤالًا بسيطًا ومزعجًا في آن: ماذا لو كان ما نقوله عبر الدمى أكثر صدقًا مما نقوله بأفواهنا؟

فنان مسرحي: "فنّ العرائس متجذّر في الذاكرة، وللعروسة منطقها الخاص"

يقدّم أسامة الماكني نفسه فنانًا قبل أيّ توصيف آخر. هو ممثّل ومكوّن مسرحي، صانع ومحرّك عرائس، جرّب الإخراج واقترب من الموسيقى، ويؤمن بأنّ كلّ فنّ يفتح بابًا لفهم فنّ آخر. منحته العروسة أسرار الحركة ولغة الجسد، وأعطاه المسرح الحضور، ولقّنته الموسيقى الإيقاع، وفي النهاية تتقاطع كلّ هذه التجارب في رؤية واحدة تبحث عن المعنى.

تعود أولى لحظاته مع العرائس إلى سنته الأولى في المعهد العالي للفن المسرحي، حين طُلب منه أن يصنع عروسته بيده. كانت تشبهه كثيرًا، وفق تصريحه لـ"ألترا تونس". قضى أسبوعًا كاملًا في إنجازها، لأن التجربة فتحت أسئلة مربكة عن الهوية، وعن العلاقة الغامضة بين الصانع وما يصنعه.

 ممثّل ومكوّن مسرحي لـ"الترا تونس": بعد انتهاء العرض، لا تتحوّل الدمية إلى قطعة جامدة، إذ تبقى كائنًا له ذاكرة. كلّ خدش، وكلّ حركة، وكلّ ركح مرّت به، يترك أثره فيها، كأنّها تحمل حياة موازية لما عشناه معها

كان دخول الماكني عالم العرائس صدفة، لكنه سرعان ما تحوّل إلى خيار واعٍ. الدمية، في نظره، لا تولد من المادة بل من الفكرة. يبدأ كلّ شيء من نصّ أو نواة درامية، ثم يأتي البحث في الملامح والمواد وتقنيات التحريك، قبل مرحلة التجريب، حيث تفرض العروسة أحيانًا منطقها الخاص، وقد ترفض نصًّا كاملًا إن لم يشبهها.

فن العرائس في تونس
الفنان أسامة الماكني: لم أشعر يومًا بأنّ هذا الفنّ ظلمني، رغم وجود صعوبات تتعلّق بالظروف (أرشيفية/وزارة الثقافة التونسية)

بمرور الوقت، لم تعد العرائس تشبهه. صار لكلّ واحدة كيانها المستقل وملامحها الخاصة وعالمها المختلف. أحيانًا تتسلّل إليها ملامح أشخاص مرّوا في حياته، لا كصور مباشرة، بل كذاكرة متحوّلة.

ويؤكّد في حديثه لـ"ألترا تونس": "في تونس، يمكن لصانع العرائس أن يعيش من حرفته، شرط الاستمرارية وتنوّع التجارب بين العرض والتكوين. تجارب مثل عياد بن معاقل، ومحيي الدين بن عبد الله، وحبيبة الجندوبي تؤكّد أنّ الأمر ممكن، وإن كان شاقًا".

خارج فترات العروض والمهرجانات، لا يتوقّف العمل. تتوزّع أيام أسامة الماكني بين التدريب والتكوين، والكتابة المسرحية، وتصميم الموسيقى، ومشاهدة الأفلام والمسلسلات بوصفها جزءًا من البحث الفنّي.

الفنان أسامة الماكني لـ"الترا تونس": علاقة الجمهور التونسي بفنّ العرائس، أعمق ممّا تبدو. فالذاكرة تعود إلى خيال الظلّ في الحلفاوين، وإلى شخصيات مثل كاراكوز، وإلى أقنعة وطقوس شعبية مثل بوسعدية

ويشدّد الماكني على أنّه لم يشعر يومًا بأنّ هذا الفنّ ظلمه، رغم وجود صعوبات تتعلّق بالظروف. ورغم أنّ البعض لا يزال ينظر إليه باعتباره موجّهًا للأطفال فقط، فإنّ هذا التصوّر يتغيّر تدريجيًا. ففنّ العرائس، كما كان عبر التاريخ، قادر على مخاطبة الكبار بعمق؛ فالعروسة تقول ما يعجز الجسد البشري أحيانًا عن قوله، تكسر المنطق وتتجاوز الواقع.

ويضيف: "بعد انتهاء العرض، لا تتحوّل الدمية إلى قطعة جامدة، إذ تبقى كائنًا له ذاكرة. كلّ خدش، وكلّ حركة، وكلّ ركح مرّت به، يترك أثره فيها، كأنّها تحمل حياة موازية لما عشناه معها".

اقرأ أيضًا: حوار| محمد المديوني: مسرح العرائس في تونس تأثر بتيار أمريكي.. وللكهول نصيب منه

فن العرائس لدى الفنانين التونسيين
فنّ العرائس، كما كان عبر التاريخ، قادر على مخاطبة الكبار بعمق؛ فالعروسة تقول ما يعجز الجسد البشري أحيانًا عن قوله (وزارة الثقافة التونسية)

أمّا عن علاقة الجمهور التونسي بفنّ العرائس، فيرى أنّها "أعمق ممّا تبدو. فالذاكرة تعود إلى خيال الظلّ في الحلفاوين، وإلى شخصيات مثل كاراكوز، وإلى أقنعة وطقوس شعبية مثل بوسعدية. ذاكرة قديمة تسكن المخيال، حتى وإن لم نكن واعين بها دائمًا".

محمد الأخوص: "فن العرائس كان طوق نجاة بالنسبة لي"

في عالم المسرح والفنون الحيّة، هناك نوع من الفنون قلّة من يجرؤون على ممارسته، ونادرًا ما ينال ما يستحقّه من تقدير: إنّه فنّ التكلّم البطني.

فنّ نادر يُختزل ظلمًا في خانة الترفيه السريع أو "تنشيط الأطفال". لكنّ محمد الأخوص يصرّ، عن تجربة، على "إعادة هذا الفنّ إلى مكانه الطبيعي: مساحة إبداع كاملة، تتقاطع فيها مهارات الممثّل، وحسّ الفنان، ودقّة المحرّك".

يعرّف الأخوص نفسه اليوم دون تردّد بـ"Ventriloque" (فنان تكلم بطني). توصيف يبدو بسيطًا، لكنه في العمق جامع لأكثر من دور. ويقول لـ"ألترا تونس": "الحمد لله، أثبتُّ لنفسي ولجمهوري ولزملائي أنّني فنان تكلّم بطني محترف وليست المسألة هنا مجرّد لقب، بل مسار شاقّ من التمرين والانضباط وإقناع جمهور لا يرحم بسهولة".

محمد الأخوص، فنان تكلّم بطني: هناك فرق بين صانع الدمى وصانع العروض. الأوّل، تُطرح حوله أسئلة صعبة. أمّا الثاني، فالمعادلة أوضح: أن تجد الطريق إلى قلب جمهورك، حينها فقط يمكن للفنّ أن يتحوّل إلى مورد عيش

قبل التحاقه بالمعهد سنة 2019، كانت اللحظة الأولى مع الدمية أقرب إلى الاكتشاف. إحساس، كما يصفه، "رائع جدًّا، كأنّك أوجدت شيئًا من أشياء بسيطة، سبحان من ألهمنا". ومنذ تلك اللحظة، لم تعد الدمية مجرّد قطعة جامدة، بل امتدادًا لذاته، واحتمالًا جديدًا للتعبير حين تضيق اللغة أو يعجز الجسد.

اختياره لم يأتِ صدفة، بل كان شغفًا وإرادة. فالدمية، في فلسفته، تولد من الحاجة: "تأتيك عندما تنتهي قدرتك كممثّل على الإبداع والتعبير، لتفتح بابًا آخر: إبداع ما بعد الإبداع". وهنا تحديدًا يصبح فنّ التكلّم البطني مساحة إضافية للحرية، لا بديلًا عن التمثيل، بل امتدادًا له.

هل تشبهه دماه؟ يضحك قبل أن يجيب: "لست أنا من يمكنه الإجابة، ربما الآخرون، من يعرفونني جيدًا، هم الأقدر على ذلك". والمؤكّد، في رأيه، أنّ كلّ دمية تحمل أثر شخصية ما: شخص مرّ، أو صورة عالقة في الذاكرة. ويعترف دون حرج بأنّ إحدى شخصياته مقتبسة من الدمية الكوميدية Peanut لـ Jeff Dunham، ويعتبر ذلك "شرفًا" لا نقصًا، لأنّ الفنّ حوار مستمر بين التأثّر وإعادة الخلق.

وعن وضعيّة هذا الفنّ في تونس، يفرّق بوضوح بين صانع الدمى وصانع العروض. الأوّل، كما يقول، تُطرح حوله أسئلة صعبة. أمّا الثاني، فالمعادلة أوضح: "أن تجد الطريق إلى قلب جمهورك، حينها فقط يمكن للفنّ أن يتحوّل إلى مورد عيش".

فن العرائس
لا يعرف محمد الأخوص الفراغ خارج العروض. وإن مرّ أسبوع دون ركح، يشعر بنفسه كدمية موضوعة على الرفّ (وزارة الثقافة التونسية)

لا يعرف الأخوص الفراغ خارج العروض. وإن مرّ أسبوع دون ركح، يشعر بنفسه كدمية موضوعة على الرفّ، تنتظر من يحرّكها: "أنا هكذا.. أنتظر جمهوري ليبثّ فيّ الحياة".

في عالم محمد الأخوص، "العرائسي" حامل لأمانة أخلاقية ثقيلة. ويستشهد بتجارب عالمية لا يغيب فيها اسم صانع الدمية عن "الأفيش"، معتبرًا أنّ "تجاهل هذا الركن الأساسي في العملية الإبداعية خطيئة مهنية تستوجب المراجعة".

كما لا يُداري غصّته حين يصطدم بنظرة قاصرة تحصر فنه في زاوية "تنشيط الأطفال"، إذ يشعر بالإهانة حين يُختزل مجهود فني وبحثي معمّق في حركات بهلوانية لغايات ترفيهية عابرة. بالنسبة له، "التكلّم البطني" فلسفة وجودية قبل أن يكون مهارة تقنية.

محمد الأخوص، فنان تكلّم بطني: أشعر بالإهانة حين يُختزل مجهود فني وبحثي معمّق في حركات بهلوانية لغايات ترفيهية عابرة. بالنسبة لي، التكلّم البطني فلسفة وجودية قبل أن يكون مهارة تقنية

خلف الابتسامة التي تعلو وجهه، تكمن قصة صمود شخصية. يعترف الأخوص أنّ رحلته مع هذا الفنّ بدأت من نقطة انكسار. في ذروة نوبة اكتئاب حادّة، كانت الدمية "طوق نجاة" وانتصارًا على الألم.

وعن المشهد التونسي، يبدو متفائلًا بوعي الجمهور، لكنه يُلقي بالكرة في شباك الفنانين. يرى أنّ "الارتقاء بالذوق العام يمرّ حتمًا عبر الارتقاء بالعروض، واحترام عقل المشاهد، وتقديم المتعة دون خوف". لأن"المتعة هي الهدف الأساسي من الفنّ"، يقول، "ومن ثمّ يأتي كلّ شيء".

يواصل محمد الأخوص مسيرته، "صوتان في جسد واحد"، يطوف بالخشب ليحرّك سواكن العقول، تاركًا خلفه سؤالًا معلّقًا في وجه كلّ من يشاهده: "ماذا لو كان ما تقوله الدمى على ألسنتنا أكثر صدقًا ممّا نجرؤ نحن على قوله؟"

الكلمات المفتاحية

محمد نجيب الزعلوني خطاط وثقّ الخط العربي لنصف قرن صورة مريم الناصري الترا تونس

محمد نجيب الزعلوني.. خطاط تونسي وثقّ الخط العربي لنصف قرن

لم يكتف رواد الخط العربي في تونس بالكتابة على المحامل الخشبية أو القماش فقط في أعمالهم الفنية.. فالخط في تونس نُقش لا سيما في المعمار القديم منذ عشرات السنوات


فنانين تشكيليين أميركيين رسموا تونس بين القرنين 19 و20

تونس بعيون فنانين تشكيليين أميركيين بين القرنين 19 و20

كانت تونس محطة أساسية لمئات الرسامين الاستشراقيين الذين وفدوا من الغرب الأوروبي، لكن أثبتت الدراسات التاريخية أنه من بين أولئك الرسامين نعثر على عشرات الرسامين الذين وفدوا من الولايات المتحدة


هل يهدد الذكاء الاصطناعي عرش الخط العربي؟

هل يهدد الذكاء الاصطناعي عرش الخط العربي؟

"في زمنٍ باتت فيه الخوارزميات قادرة على تقليد أدق التفاصيل البصرية، يُطرح سؤالٌ ملحّ: هل يتهدد الذكاء الاصطناعي فنّ الخط العربي أم يختبر جوهره؟" هل الذكاء الاصطناعي مخيف؟ طبعًا هو كذلك. إلى درجة أن يهدّد فنًا عظيمًا كالخطّ العربي؟ هذا ما نحاول سبر أغواره في مقالنا هذا..


مسرحية الهاربات لوفاء الطبوبي.. مقاربة واقعية ببُعد فلسفي

مسرحية الهاربات لوفاء الطبوبي.. مقاربة واقعية ببُعد فلسفي

فازت مسرحية الهاربات بجائزة التانيت الذهبي وبجائزة أفضل نص، وحظيت إحدى بطلاتها لبنى نعمان بجائزة أحسن أداء نسائي ضمن المسابقة الرسمية لأيام قرطاج المسرحية في دورتها الـ26 لسنة 2025.

وزارة التجارة: حجز 277 مسدسا للأطفال و 912زوج حذاء
مجتمع

مع اقتراب عيد الفطر.. إعادة تصدير وإتلاف أكثر من 18 ألف قطعة لعب أطفال

أعلنت وزارة التجارة التونسية عن نتائج عمليات المراقبة المكثفة للمنتجات الاستهلاكية خلال النصف الأول من شهر رمضان 2026، في إطار جهودها لضمان جودة وسلامة المنتجات التي يزداد الطلب عليها، بما في ذلك الملابس الجاهزة، الأحذية، لعب الأطفال وماء الجفال

حواجز محيطة بمقر سفارتي فرنسا والسعودية وتمثال ابن خلدون.. وزارة الداخلية توضح
مجتمع

حواجز محيطة بمقر سفارتي فرنسا والسعودية وتمثال ابن خلدون.. وزارة الداخلية توضح

وزارة الداخلية التونسية: الحواجز الإسمنية والحديدية الموجودة بمقر سفارة فرنسا ومحيط مقر سفارة المملكة العربية السعودية بالعاصمة، خاصة بمنظومة تأمين المنشآت الديبلوماسية، ولا تمثل عائقًا أمام حركة المرور أو تنقل المترجلين


عبير موسي حسن مراد Getty DeFodi Images
سیاسة

الاتحاد البرلماني الدولي: الأحكام الصادرة ضد عبير موسي قاسية وغير مبرّرة

قالت هيئة الدفاع عن رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي في بيان، نشرته مساء الخميس 5 مارس 2026، أن "لجنة حقوق الإنسان التابعة لـالاتحاد البرلماني الدولي أصدرت قرارًا خلال دورتها الـ179 المنعقدة في جنيف من 2 إلى 18 فيفري 2026، عبّرت فيه عن إدانتها للأحكام الصادرة ضد موسي وانتقدت استمرار احتجازها.

المقرونة الخبز تونس القايدي.jpeg
مجتمع

معركة الأمعاء في رمضان.. غلاء اللحوم يدفع التونسيين لـ"انتحار غذائي" بالمعجنات

رئيسة الجمعية التونسية للتغذية الدقيقة: "الهرم الغذائي" التقليدي كان يخصص 40% من الحصة اليومية للمعجنات والنشويات، وهو المتهم الأول وراء "أمراض العصر" في تونس والعالم، وعلى رأسها مقاومة الأنسولين، السمنة المفرطة، ضعف المناعة، واكتئاب الأمعاء الناتج عن اختلال التوازن البكتيري.

الأكثر قراءة

1
میدیا

الخُطيفة.. مسلسل يُصالح المتفرج التونسي مع الدراما الرمضانية


2
مجتمع

ما حقيقة انهيار جزء من السقف في مطار تونس قرطاج الدولي؟


3
اقتصاد

ارتفاع نسبة التضخم في تونس إلى 5% خلال شهر فيفري 2026


4
سیاسة

علي العريض: أنا على يقين من براءتي التامة في ملف "التسفير" وقدّمت أدلة قاطعة


5
مجتمع

العراق يمنح تأشيرة مؤقتة للتونسيين المقيمين في دول مجاورة