غلق المقاهي في نهار رمضان: بين حرية الضمير ونواميس المجتمع ومنشور

غلق المقاهي في نهار رمضان: بين حرية الضمير ونواميس المجتمع ومنشور "غير دستوري"

796 مشاهدة
يشكك المجتمع المدني في وجود المنشور المتعلق بغلق المقاهي في نهار رمضان (Getty)

أتذكر أنني كنت متوجهة ذات صباح رمضاني إلى مقرّ عملي في لافيات بالعاصمة تونس عندما لمحت فجأة رجلًا طويلًا يرتدي نظارات شمسية داكنة، أوقف دراجته في ركن قرب حائط مدرسة، نظر جيدًا حوله وكأنه يخشى نظرات متطفلة وركض مسرعًا نحو باب مقهى كان بالكاد مفتوحًا قبل أن يتسرّب إليه كلصّ ينوي سرقة "حشيشته" اليومية من القهوة والسجائر.

كان الرجل حريصًا على أن لا يلحظ أحد دخوله المقهى وربما لو سأله لاحقًا أحد جيرانه أو أصدقائه عما إذا كان صائمًا سيجيب بكلّ ثقة أنه صائم بل قد يذهب إلى انتقاد من يفطر في نهار رمضان. فالمجتمع التونسي في شهر رمضان يكاد يتحوّل إلى مجتمع إسلامي ينظر إلى غير الملتزمين بـ"فريضة" الصيام كمن ارتكب جرمًا خطيرًا قد يصل في بعض الأحيان إلى الفسق، إضافة إلى سلطة أمنية يلعب بعض أعوانها أحيانًا وبشكل خاص خلال هذا الشهر دور هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيتلذذون بملاحقة كلّ من يخطئ ويجاهر بإفطاره ويحرصون على غلق أبواب المقاهي.

سارة (شابة تونسية) لـ"الترا تونس": التغيير يجب أن يبدأ من التشريعات البالية والتي لا تزال قائمة، التي يتعين تنقيحها كي تتلاءم مع دستور الجمهورية الثانية

الدولة راعية لحرية الضمير؟

"من حقي أن أجاهر بإفطاري.. من حقي الجلوس في المقهى واحتساء ما شاء لي ساعة أريد دون الخوف من أن يقع اعتقالي على حين غفلة أو إغلاق المقهى الذي أجلس فيه.. أ لسنا في بلد ديمقراطي يحترم حرية الضمير؟"، بهذه الكلمات تتحدث سارة (اسم مستعار)، وهي شابة تونسية، تعاني في شهر رمضان من كلّ سنة من معضلة البحث عن مقهى تقضي فيه بعض ساعات عملها.

تقول سارة لـ"الترا تونس" إنها توقفت عن صيام شهر رمضان منذ سنوات بعد اطلاعها على مختلف الأديان السماوية وغير السماوية ودراسة بعض الكتب والمؤلفات الفلسفية وتلك التي تهتم بالأديان المقارنة، وأصبحت لها قناعات وعلاقة خاصة مع الله، حسب تعبيرها.

وتبيّن محدثتنا أن التضييقات التي تلاحق من يفطر علنًا في شهر رمضان من إمكانية إيقافه أو غلق المقاهي والمطاعم لا تحترم الحدّ الأدنى من حقوق الإنسان رغم أن دستور 2014 ينص على أن الدولة ترعى حرية الضمير، مؤكدة ضرورة إحداث ثورة فكرية وثقافية تواجه الفكر المسيطر الذي يرفض المختلف بل ويحاول إخضاعه لما يراه مناسبًا وصحيحًا ومطابقًا للمعايير التي تطبقها الغالبية دون تفكير أو محاولة للتفكير بعقلانية ومنطق وتقبّل للنقد، وفق تقديرها.

وتشير لـ"الترا تونس" أن بداية هذا التغيير يجب أن يكون من خلال التشريعات والقوانين التي يتعيّن تعديلها أو تنقيحها كي تصبح ملائمة ومتماشية مع الدستور التونسي ومع منظومة حقوق الإنسان الكونية".

مرام (شابة تونسية) لـ"الترا تونس": من يريد الإفطار في رمضان فليفعل ذلك في منزله بعيدًا عن أعين المتطفلين

سارة ليست التونسية الوحيدة أو الأخيرة التي تطالب بضرورة فتح المقاهي والمطاعم خلال النهار في شهر رمضان. فغيرها كثيرون يشتكون من التضييقات التي تمارسها عليهم السلطات إذا حاولوا الإجهار بإفطارهم وتمّ في بعض الحالات إيقاف أشخاص قاموا بالتدخين علنًا خلال نهار شهر الصيام.

وفي هذا السياق، يقول سامي (مسؤول عن العاملين بأحد مقاهي مدينة سكرة)، لـ"الترا تونس" إن علاقة المرء بالإله هي علاقة شخصية ولا يمكن لأحد أن يحكم على الآخر مؤكدًا أنه يدعو لفتح المقاهي في شهر رمضان خلال النهار. ويذكر سامي أن هناك أشخاصًا مصابين بأمراض معينة ولا يستطيعون الصيام ويريدون احتساء قهوتهم صباحًا في المقهى بشكل عادي ولكن منشورًا يمنعهم من ذلك، مشيرًا إلى أنه يجب السماح بفتح مقهى على الأقل في كلّ جهة، وفق تقديره.

ورغم أن هذا الجدل ليس بجديد في تونس وهو يعود كلّ سنة قبيل حلول شهر رمضان خاصة خلال السنوات الأخيرة، يبدو أن السلطة لا تريد أن تضع له حدًا أو على الأقل لا تعتبره ضمن أولوياتها. ولئن عبّرت سارة عن الفئة التي تطالب بحقها في أبواب مفتوحة للمقاهي والمطاعم خلال نهار شهر رمضان، ترفض مرام (اسم مستعار لشابة تونسية تعمل في مجال الهندسة الداخلية)، هذا الأمر تمامًا.

وتوضح مرام لـ"الترا تونس" أن فتح المقاهي والمطاعم خلال أيام رمضان مسألة تستفزها كصائمة ولا يمكن أن تقبل بها مشيرة إلى أنها قد تقبل بفتح المقاهي في المناطق السياحية لاعتبارات اقتصادية. وتشدد على أنه من غير المقبول أن يتمّ فتح المقاهي والمطاعم في المدن التونسية ذات الأغلبية المسلمة التي تلتزم بتطبيق التعاليم الدينية الإسلامية قائلة إنه من غير المعقول أن يُطلب من هذه الأغلبية أن تقبل بمشهد لبعض الأشخاص الذين يتناولون الطعام أو يشربون القهوة خلال هذا الشهر. وتلفت إلى أن من يريد أن يفطر يمكنه أن يقوم بذلك داخل منزله وبعيدًا عن أعين المتطفلين دون أن يجهر بذلك أو أن يتفاخر به، وفقها.

اقرأ/ي أيضًا: حرية الضمير في تونس.. حبر على ورق الدستور؟

هذا الانقسام في الآراء انتقلت عدواه إلى مراكز السلطة في الدولة التونسية خصوصًا بعد السؤال الكتابي الذي كانت قد تقدمت به النائب المستقلة بالبرلمان هاجر بالشيخ أحمد والذي عاد إلى الواجهة مؤخرًا رغم أنها كانت تقدمت به منذ أشهر. والسؤال الكتابي الموجه لوزارة الداخلية يتعلّق بمدى وجوب صحة أو إلغاء منشور 1981 القاضي بغلق المقاهي والمطاعم خلال النهار في شهر رمضان.

وهو ما دفع وزارة الداخلية إلى ردّ يعود تاريخه إلى نوفمبر/ تشرين الثاني – ولكنه لم يُنشر إلا مؤخرًا – أوضحت فيه أن "الصوم شعيرة هامة عند أغلب المواطنين، ويمكن أن يسبب التجاهر بفتح المقاهي وعدم ضبط شروط لفتحها، استفزازًا لمشاعر العديد منهم، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى ردود فعل عنيفة تؤثر على الأمن العام". وأضافت الوزارة أن "السماح بفتح مقاه نهار رمضان يمكن أن يمثل وسيلة لبعض الجماعات المتطرفة للتحريض على الدولة ولارتكاب أعمال إرهابية، خاصة أن شهر رمضان يعرف ارتفاعًا لوتيرة التهديدات الإرهابية من مختلف التنظيمات التكفيرية".

وأكدت أنها "تسعى إلى الموازنة بين مهامها المتعلقة بحفظ الأمن العام، وبين واجبها في حماية حرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، بما يكفل احترام المشاعر الدينية للمواطنين المؤدين لفريضة الصيام من جهة، ويراعي حق غيرهم في ممارسة حرياتهم الفردية المكفولة بالقانون من جهة أخرى".

ردّ وزارة الداخلية ضاعف من حدّة الجدل وانتقده الكثيرون على غرار النائب صابرين قوبنطيني في تدوينة بالفيسبوك والتي اعتبرت أن "الوزير لا يعرف حرية الضمير التي ينصّ عليها الدستور".

في المقابل أكد الإعلامي زياد الهاني في تدوينة على موقع فيسبوك أنه يساند وزير الداخلية بتطبيق منشور الغلق الجزئي للمقاهي خلال شهر رمضان وانتقد من يدعو إلى فتحها، مضيفًا أن التجاهر بالإفطار وضرب مقدسات الشعب فيه تطاول على هوية شعب بأسره ومقدساته، وفق تقديره.

منشور 1981 غير موجود؟

من جهته، يبيّن أستاذ القانون العام ورئيس الجمعية التونسية للدفاع عن الحريات الفردية وحيد الفرشيشي، في تصريح لـ"الترا تونس"، أن ردّ وزارة الداخلية لا يذكر بتاتًا التاريخ الكامل لصدور المنشور المتعلق بغلق المقاهي ويكتفي بالإشارة إليه بمنشور جويلية 1981.

ويضيف أن لدى المجتمع المدني شكوكًا حول وجود هذا المنشور، معتبرًا أنه إذا كان موجودًا فعلًا فعلى وزارة الداخلية نشره كي يطلع الجميع على فحواه.

وحيد الفرشيشي لـ"الترا تونس": غلق المقاهي في النهار خلال رمضان يدخل في إطار الحد من حرية الضمير

ويؤكد الفرشيشي أن ردّ وزارة الداخلية إزاء المساءلة الكتابية الأخيرة يتعارض مع الفصل السادس من الدستور التونسي الذي ينصّ على أن "الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي".

ويوضح أن الدولة بمقتضى هذا الفصل هي التي تضمن لغير المسلمين القيام بطقوسهم وشعائرهم الدينية مشددًا على أن غلق المقاهي يدخل في إطار الحدّ من حرية الضمير. ويضيف محدثنا أن ردّ وزارة الداخلية يتعارض كذلك مع الفصل 49 من الدستور الذي ينصّ على أنه ليس من الممكن الحدّ من الحريات بقانون أي بنصّ صادر عن مجلس نواب الشعب ولا يمكن أن يتمّ بواسطة أمر أو منشور.

ويشير في هذا السياق إلى أنه إذا أرادت الدولة السير في هذا الأمر ضمن إطار قانوني فإن ذلك يتعارض مع بقية منطوق الفصل 49 المذكور والذي يلزم أن يكون القانون ذا ضرورة إذا كان ذلك في دولة مدنية ديمقراطية في حين أن غلق المقاهي لأسباب دينية يتعارض مع الدولة المدنية والديمقراطية. ويشدد الفرشيشي على أنه إذا كانت النصوص تخدم الأغلبية فقط فلا يمكن الحديث عن ديمقراطية حينها.

رسالة للرئاسات الثلاث

إصرار السلطات التونسية على اعتماد منشور - إذا صحّ وجوده فعلًا - قديم يعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، دفع بالعديد من منظمات المجتمع المدني إلى التوجه للرئاسات الثلاث لمطالبتها بحماية الحريات والحقوق الفردية والتصدي لكلّ محاولة لتقويضها خلال شهر رمضان. ودعا الائتلاف المدني من أجل الحريات الفردية (الذي يضمّ عدة منظمات حقوقية) في هذا الإطار رئيس الجمهورية إلى الإيفاء بالتزاماته الدستورية وذلك بالسهر على احترام الدستور.

كما طالب الائتلاف رئيس الحكومة الذي كلّفه الدستور بتحديد السياسة العامة للدولة وضمان تنفيذها بإبطال المناشير التي تتعارض بشكل صارخ مع أحكام التشريع الأعلى للدولة خاصة منها منشور 1981، داعيًا مجلس نواب الشعب إلى العمل على مراجعة القوانين القمعية ومن بينها المجلة الجزائية من أجل مواءمتها مع أحكام الدستور المتعلقة بالحقوق والحريات الفردية والجماعية، وفق ما جاء في رسالة الائتلاف.

وأمام صمت الدولة تجاه منشور يعتقد جزء من الخبراء والمجتمع المدني أنه غير موجود، لا تزال أقليات في تونس تجد صعوبة في العيش بحرية وبالطريقة التي تراها مناسبة، والتعبير عن اختلافها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

بهائيو تونس.. بين تجاهل السلطة والتعايش المنقوص

تونس: الجنس متاح لمن استطاع إلى "اللّوكال" سبيلًا..