عن 25 جويلية: كل شيء يحدث باللغة وداخلها

عن 25 جويلية: كل شيء يحدث باللغة وداخلها

تبقى اللغة هي سيدة كل مواقف التفكير والتأويل لكل الأحداث المصيرية (Getty)

مقال رأي

 

"كل شيء يحدث باللغة وداخل اللغة" هو قول استمعت إليه لأول مرة من أحد أساتذتي للغة والآداب العربية وأنا بعد تلميذ بالمدرسة الثانوية. كان أستاذنا الفاضل لا يتوانى عن تقديم أدوات عمل يقول: "إنها للمستقبل"، عقلي الصغير في ذلك الوقت لم يستوعب معنى تلك الجملة السحرية المفعمة بالفلسفة والتفكير، لكنها كلمات بقيت عالقة في ذهني تتردد داخله إلى اليوم، لقد كانت منطلقًا هامًا بالنسبة إليّ لأفهم كل مدارات الحياة ولأتأكّد في كل يوم وحين أن كل شيء يحدث فعلًا داخل اللغة وبها.  

ومن الأحداث التي كان قلب رحاها كلمات أستاذي ما عاشه المجتمع التونسي إبّان الاستقلال في 20 مارس/آذار 1956، حين جرت في تونس انتخابات المجلس القومي التأسيسي الذي بادر مباشرة بإنهاء الحكم الملكي للعائلة الحسينية الممتدّ لقرون طويلة وقاسية وإعلان الجمهورية في 25 جويلية/يوليو 1957 وتعيين الحبيب بورقيبة أول رئيس للجمهورية التونسية، كما عُهدت للمجلس القومي التأسيسي كتابة ما عرف بـ"دستور تونس" أو دستور الجمهورية التونسية وهي مهمة تاريخية تواصلت أشغالها إلى حين صدوره رسميًا في جوان/يونيو 1959.

ما يؤكد أن كل شيء يحدث في اللغة وبها ما جاء في محاضرة ألقاها سعيّد قبل توليه الرئاسة كان موضوعها الفصل الأول من الدستور، حين تطرق إلى سطوة اللغة على النص وتمططها أحيانًا خاصة إذا رام السياسي توظيف الضمائر لصالحه

 وخلال فترة الكتابة تلك والتي امتدت لحوالي ثلاث سنوات، عاش التونسيون ولأول مرة عبر تاريخهم الطويل على وقع نقاشات لم يألفوها من قبل حول مضامين فصول الدستور وترتيب الأولويات داخله واللغة المنتقاة لصياغته وترصيف وتنضيد كلماته وأدوات الربط بينها.

اقرأ/ي أيضًا:  جمهورية أولى، ثانية وثالثة في تونس.. من يضيف؟

ورغم التجانس السياسي لأعضاء المجلس القومي التأسيسي وانحدار رؤاهم الفكرية من مناخات مقاومة المستعمر والحلم ببناء دولة مستقلة تنعم بالسيادة المطلقة مع بعض الاختلافات الإيديولوجية الطفيفة، إلا أن هناك خلافات كبيرة ونزاعات قد حصلت في قصر باردو بخصوص الأحرف والكلمات والدلالات اللغوية السليمة والواضحة التي سيكتب بها دستور تونس والمآلات التأويلية الممكنة عندما تأتي الأجيال في المستقبل لتتمعن الوثيقة العليا في البلد وتنهل منها قوانينها وتشريعاتها، وذلك تجنبًا لمآزق فقه القانون فيما بعد ولكأنه الخوف من الميل والانحراف  بالجوهر الأسمى للدستور والمتمثل في تكريس مبادئ الجمهورية وقيم مدنية الدولة.

وتقصيًّا لتلك اللحظات والنقاشات، عاد العديد من الباحثين التونسيين لأرشيف المجلس القومي التأسيسي ووقفوا على تفاصيل مهمة كانت محل نقاش بين الأعضاء تنم عن وعي مستقبلي للآباء المؤسسين للجمهورية. كما أن كتابات الزّعيم الوطني "علي البلهوان" مقرر الدستور آنذاك كانت تشي بالصعوبة التي لقيها في تلك المهمة التاريخية التي أنيطت بعهدته وقال قولة شهيرة مفادها أن كل شيء في مهمته حكمته الأحرف والكلمات ومعانيها ودلالاتها.

تبقى اللغة هي سيدة كل مواقف التفكير والتأويل لكل الأحداث المصيرية التي يعيشها الأفراد والشعوب. ولنا فيما حصل في تونس يوم 25 جويلية 2021 مثال آخر عن قوة اللغة وسطوة الكلمات

ولعل النقاشات الطويلة التي حفّت بالفصل الأول من دستور 1959: "تونس دولة حرة مستقلّة ذات سيادة، الإسلام دينها والعربية لغتها والجمهورية نظامها" تلخص ما حدث طيلة زمن الكتابة، فالمجلس القومي التأسيسي استأنس بآراء النحاة وشيوخ اللغة العربية بجامع الزيتونة ومن جملة تلك الآراء مجتمعة استلهم تلك الصياغة العجيبة الرشيقة والتي بقي النقاش بخصوص فتنتها اللغوية مفتوحًا إلى اليوم ولنا أن نذكر استئناف النقاش حول هذا الفصل مع المجلس التأسيسي الثاني الذي تشكل بعد ثورة الحرية والكرامة في 2011 والذي عهدت إليه هو الآخر صياغة دستور الجمهورية الثانية الصادر رسميًا في جانفي/يناير 2014، حيث طالب بعض أعضائه بإضافة كلمات جديدة للفصل الأول القديم المرحّل من الدستور الأول وهذه الكلمات هي من قبيل: "دولة عربية" و"القرآن والسنة المصدر الأساسي لتشريعها ". وكان الحسم بالإبقاء على التركيبة اللغوية كما هي بل والتنصيص على عدم تغيير هذا الفصل.

وفي ذات السياق، ما يؤكد أن كل شيء يحدث في اللغة وبها ما جاء في المحاضرة التي ألقاها قيس سعيّد بصفته أستاذًا في القانون الدستوري وذلك قبل توليه رئاسة الجمهورية بمناسبة إحالته على التقاعد الإداري والتي كان موضوعها الفصل الأول من الدستور التونسي وكان عنوانها "الإسلام دينها"، وأشار خلالها إلى سطوة اللغة على النص وتمططها أحيانًا خاصة إذا رام السياسي توظيف الضمائر لصالحه. 

اقرأ/ي أيضًا: "الإسلام دينها".. قيس سعيّد يغوص ويحفر في العلاقة بين الدين والدولة

ويقول سعيّد: "قد يتصل الضمير وقد ينفصل وقد يسخو أو على العكس يضمر أو يضمحلّ، كما يظهر أحيانًا وأحيانًا يستتر، له عند البعض وخز وليس له عند الكثيرين حضور أو قليل من أثر، هو مرّة حرف أو حروف وهو قليل من شعور أو شعور مستعرّ، قد يكون مفردًا وقد يكون جمعًا، يمكن أن يذكّر ويمكن أن يؤنث أو يثنى... له من قواعد النحو وظائف وله عند الفراهيدي أو سيبويه وظائف أو دلائل ولكن في فقه القانون لكل واحد مضافه يجرّه إلى حيث أراد وشاء وكلّ يدّعي النصر والفتح والظفر والرأي المخالف عنده افتراء وادّعاء من مفتر ومن كذّاب أشرّ...".

وتبقى اللغة هي سيدة كل مواقف التفكير والتأويل لكل الأحداث المصيرية التي يعيشها الأفراد والشعوب. ولنا فيما حصل في تونس يوم 25 جويلية/يوليو 2021 مثال آخر عن قوة اللغة وسطوة الكلمات وذلك عندما اختلف المجتمع التونسي بمختلف مكوناته ومؤسساته ونسيجه المدني بخصوص تأويل الفصل 80 من الدستور، وانقسم التونسيون انقسامات عديدة وتناثرت مشاعرهم على أسيجة معاني الكلمات وأصبح النقاش بين بعض السياسيين نقاشًا ألسنيًّا وتحول عمداء القانون إلى أهل بلاغة يتسللون إلى معاني الشعر والشعرية والأسلوب والأسلوبية من أجل فهم القانون وما جاوره. 

الحقيقة اللغوية لها أوجه عدة ولها آفاق غير متوقعة أحيانًا وهو تقريبًا ما حدث في تونس يوم 25 جويلية وهو ما لا يزال المجتمع يعيش على وقعه إلى حد هذه اللحظة

وخيمت حيرة لغوية على بيانات الأحزاب والمنظمات الوطنية وجلسات الحوار السياسي في الفضاء العام واعتبرت التدابير الاستثنائية التي اتخذها رئيس الدولة مستندًا على لغة الفصل 80 لدى البعض انقلابًا على الدستور ولدى البعض الاخر تصحيحًا لمسار الديمقراطية التونسية التي مازالت تعيش هشاشتها وتعثراتها الطبيعية.

كل طرف كان له تأويله الخاص به وكانت له حقيقته ومستنداته، كما سرت عدوى التأويل اللغوي لدى عامة الناس وأصبحت محل تندر واستطراف. لقد كانت اللغة التي صيغت بها جمل الفصل 80 لغة مفتوحة ومشرعة على المطلق التأويلي تمامًا كقصيدة شعر يمكن لنا استنطاقها واستخراج مكامن معانيها بعيدًا عن مقاصد كاتبها.  

هكذا نفهم أن الحقيقة اللغوية لها أوجه عدة ولها آفاق غير متوقعة أحيانًا وهو تقريبًا ما حدث في تونس يوم 25 جويلية وهو ما لا يزال المجتمع يعيش على وقعها إلى حد هذه اللحظة.

وتبقى اللغة هي "الكائن اللامرئي" الذي يعيش معنا، يقولنا ونقوله، يخاتلنا ونخاتله ونجالده أحيانًا فنكسر شوكته ونحاصره ونؤطره بالنحو والصرف والبلاغة وإيقاعات الشعر ونحد من حركته وأحيانًا أخرى يجالدنا فيلقي بنا إلى مفترسات التأويل والتفسير فتحاصرنا الكلمات وتجعلنا نرقص في الظلام.

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

 

اقرأ/ي أيضًا:

لغتنا ولغتهم

تونس واللغة العربية.. لا تقدّم لمجتمع بغير لغته الوطنيّة