عن

عن "تعافي" الدّينار ومخاطر القفز فوق "التّراب السّخون" للأملاك المصادرة

يشهد الدينار التونسي "انتعاشة" أمام العملات الأجنبية في الأشهر الأخيرة (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

 

في المخيال الشّعبي التّونسي وفي المُتَداول اجتماعيًا، تيمّنًا أو تندّرًا، تونس "ترابها سخون"، والمعنى أنّها محروسة بأوليائها الصّالحين المنتشرين في كلّ أرجائها. فسيدي محرز هو سلطان مدينة تونس، وسيدي المازري، فقيه المالكيّة المعروف، "هو من حمى بإذن اللّه" رباط المنستير من قذائف الحرب العالميّة الثّانية وغير ذلك شائع في كل حواضر البلاد وأريافها.

يشهد الدينار ارتفاعًا استثنائيًا وسط جدل لتفسير ذلك بين استعمال البنك المركزي لمخزون العملة الصعبة أو تحسن مؤشرات الاقتصاد والحال أن السبب يعود أساسًا لتصاعد عمليات التفويت في الشركات المصادرة

ومن منظور الكثير من التّونسيّين، قادة عسكريّين وسياسيّين ومواطنين، فإنّ هذه "السّخونة" قد تصلح لتفسير السّتر (الأمان) وكلّ ما تتجاوزه تونس من محن أيّا تكن طبيعتها أمنيّة أو سياسيّة أو اقتصاديّة أو حتّى كرويّة.

وعلى هذا النّحو، يبدو أنّ بداية الصّائفة تشهد ارتفاعًا في الحرارة على وجهي الحقيقة والمجاز: فالرّئيس الباجي القايد السبسي، وهو الحامل لاسم أحد كبار الصّالحين والذي فُجع التّونسيّون لمرضه، يتعافى ويخيّب ظنون من تنبّأ بوفاته، والمنتخب التّونسيّ نجح في التّرشّح إلى الدّور ربع النّهائيّ في كأس إفريقيا دون تحقيق أيّ انتصار، والعمليّات الإرهابيّة تُحبط في لحظاتها الأخيرة، ولكن أيضًا الدّينار يشهد ارتفاعًا استثنائيًا متواصلًا منذ شهر مارس/آذار!

وإذا كان كاتب هذا المقال لا يقول باحتكار المنطق للحقيقة وبالتّالي لا اعتراض مبدئيّ له على هذه التّفسيرات، فإنّه لا يجد ضيرًا في التّسليم بقدرة الصّالحين فيما يستعصي على العقل إلاّ فيما يتعلّق بتعافي الدّينار، فأغلب الظنّ أن لا علاقة لذلك بـ"التّراب السّخون".

كيف يمكن إذًا فهم تعافي الدّينار؟

منذ منتصف شهر مارس/آذار من السّنة الجارية، تشهد قيمة الدّينار أمام العملات الأجنبيّة اليورو والدّولار ارتفاعًا متواصلًا وصلت نسبته حوالي 7.5 في المائة. وأيّا يكن استبشار التّونسيّين والحكومة بهذا الاستقرار النّسبيّ للدينار الذي يشهد انزلاقًا أشبه بالانهيار في السّنوات التّسع الأخيرة، فقد صار معلومًا أنّ أسباب هذا الاستقرار ظرفيّة.

يرتبط ارتفاع قيمة الدينار في الأشهر الماضية بالتفويت في الشّركات المُصادرة وعلى رأسها في الآونة الأخيرة "بنك الزّيتونة" مع الاستعداد للتفويت أيضًا في كل رأس مال شركة "ألفا فورد"

اقرأ/ي أيضًا: مسؤول سابق بالبنك المركزي: الترفيع في نسبة الفائدة إيجابي ولكن غير كاف (حوار)

وإذا كنّا نستبعد، ولا نرجو، رغم تواتر الشّائعات أن يكون البنك المركزيّ قد تدخّل باستعمال مخزون العملة الصّعبة للتّحكّم في سعر الصّرف لما في ذلك من توظيف سياسيّ غير مقبول وغير ذي جدوى، فإنّه يبدو أنّ هذه الظروف ترتبط أساسًا وكما يشير إلى ذلك عدد من المحلّلين الاقتصاديّين بالتّفويت في الشّركات المُصادرة وعلى رأسها في الآونة الأخيرة "بنك الزّيتونة"، حيث جنت خزينة الدّولة ما يناهز 120 مليون دولار جرّاء هذا التّفويت أواخر سنة 2018.

ويبدو أنّ نسق عمليّات التّفويت في الأملاك المصادرة والتي تشرف عليها شركة "الكرامة القابضة" المملوكة للدّولة بصدد التّسارع في الأشهر الأخيرة. إذ بتاريخ 28 جوان/يونيو 2019، أعلنت الشركة المذكورة عزمها التّفويت في كلّ رأس مال شركة "ألفا فورد" الموزّع الحصري لسيّارات وقطع غيار شركة فورد في السّوق التّونسيّة.

الخزينة المنتعشة وتحدّيات التّفويت

بقدر ما ستكون عمليّات التّفويت سابقة الذّكر نافذة مُتنفّس ماليّ مهمّ لخزينة الدّولة وعاملًا مهمًا لتحفيز استقرار ظرفيّ للدّينار التّونسي تُعاضده عوامل أخرى لا فائدة من التّفصيل فيها، على غرار التّرفيع في نسبة الفائدة المديريّة التي يقرّها البنك المركزيّ، فإنّها قد تمثل، عمليّات التّفويت هذه، وعلى افتراض شفافيّتها ونزاهة إجراءاتها، سلاحًا ذو حدّين.

فمن ناحية أولى، من شأن هذا المتنفّس أن يسمح بترتيب البيت الاقتصاديّ إن استُغلّ للتّسريع في الإصلاحات أي في انسحاب الدّولة المنظّم والمتوازن اجتماعيًا من قطاعات اقتصاديّة ليست من مشمولاتها. وهذا الانسحاب المطلوب هو نفسه مغزى التّفويت في الأملاك المصادرة: فما معنى أن تسيّر الدّولة وإدارتها البيروقراطيّة المتضخّمة شركات لتوزيع السيّارات أو بنكًا إسلاميًا؟ وما معنى أن تحتكر الدّولة التّبغ وتوزيعه أو تسيير منتجع سياحيّ؟

بقدر ما ستكون عمليّات التّفويت نافذة مُتنفّس ماليّ مهمّ لخزينة الدّولة وعاملًا مهمًا لتحفيز استقرار ظرفيّ للدّينار التّونسي فإنها قد تمثل سلاحًا ذو حدّين

ومن ناحية ثانية، فإنّ القفز على الحالة الحرجة للاقتصاد التّونسيّ وإرجاء الاقتصاد بالتّعويل على وهم المُتنفّس الماليّ الظّرفيّ من شأنه أن يعني استنفاذ الفرصة الأخيرة لإنقاذ الماليّة العموميّة، وهو يعني أيضًا إضاعة فرصة استثنائيّة لإعادة اختراع دور الدّولة في الاقتصاد والمجتمع. ومآل ذلك سيكون انسحابًا غير منظّم وغير مدروس تحت ضغط خطر الإفلاس وهو ما قد ينذر بعواقب اجتماعيّة وسياسيّة وخيمة.

اقرأ/ي أيضًا: ملف خاص: "الأليكا".. وجهات نظر متباينة

إنّ عمليّة التّفويت في الأملاك المصادرة، وهي سليمة مبدئيًا لأنّه لا معنى لهيمنة الدّولة على قطاعات إنتاجيّة تنافسيّة، تمثّل من زاوية ديناميكيّات الاقتصاد التّونسيّ حالة تاريخيّة بكلّ ما تنطوي عليه الكلمة من معاني. ذلك أنّ الأمر، وكما يشير إلى ذلك تقرير معروف للبنك الدّولي حول الأملاك المصادرة والشّركات المرتبطة بالسّلطة السّياسية لنظام بن علي، يتعلّق بما يُعادل حوالي ربع النّاتج الدّاخليّ الخام السّنوي لتونس حين تمّت المصادرة سنة 2011.

والحديث إذًا هو عن التّفويت في مؤسّسات إنتاجيّة وأملاك عقاريّة رئيسيّة لصالح مستثمرين تونسيّين وأجانب، وهو مسار محفوف بمخاطر سياسيّة وماليّة وتضارب مصالح، ولكنّه أيضًا فرصة ثمينة لإعادة ترتيب الأوراق على قاعدة أكثر تنافسيّة وأقلّ احتكاريّة، وهو كذلك فرصة لنقل التّكنولوجيا وتطعيم الاقتصاد بمستثمرين سيكون الأجدى لتونس أن يجلبوا المعارف والتقنيات قبل الأموال.

توقيت التّفويت والانتعاشة.. وسؤال السّياسة والشّجاعة

لا شيء في المؤشّرات الاقتصاديّة التّونسيّة يبعث على الاطمئنان، وكلّها ترجّح أن الاستقرار الظرفيّ للدّينار وفُسحة التّفويت تخفي هشاشة وضعفًا مقلقين. فإلى حدود شهر أفريل/نيسان الماضي، تراجع التّصدير بنسبة 2.7 في المائة بالأسعار القارّة (رغم ارتفاعه بالأسعار الجارية نتيجة لانزلاق الدّينار) مقارنة بنفس الفترة من سنة 2018، كما ارتفع العجز التّجاريّ بحوالي مليار دينار في نفس الفترة، وكذا انخفضت نوايا الاستثمار في الصّناعة بحوالي 12 في المائة (انظر التقرير الشّهري لمجلس التّحاليل الاقتصاديّة، ماي/آيار 2019).

وفي المقابل، وحده الانتعاش المنجرّ عن التّفويت في الأملاك المصادرة وارتفاع الدّينار يبدو كالقفز على صفيح اقتصاديّ ساخن يدعمه موسم فلاحيّ ومائيّ واعد بفضل إرادة الخالق وما قد تكون بركات "التّراب السّخون".

لا شيء في المؤشّرات الاقتصاديّة يبعث على الاطمئنان وكلّها ترجّح أن الاستقرار الظرفيّ للدّينار وفُسحة التّفويت تخفي هشاشة وضعفًا مقلقين

بيد أنّ هذا القفز لن يُغني تونس ومن سيدبّر أمر دولتها عن مواجهة الأسئلة الصّعبة ومعركة تقليص الإنفاق العموميّ وإرث البيروقراطيّة المتكلّسة، بل إنّ هذه المعركة قد تكون أعسر على القادمين الجدد لأنّ هذه الحكومة منتهية الصّلاحيّة بحكم الروزنامة الانتخابيّة بدأت فعليًا في استنفاذ آخر هامش ماليّ لإنعاش ظرفي.

وقد كان الأسلم أن تتعفّف الحكومة الحاليّة عن المضيّ قدمًا في التّفويت وترجئه لما بعد الانتخابات، لا سيّما أنّ هذا الهامش لن تتمكّن الحكومة الحاليّة صاحبة المصلحة في الانتخابات المقبلة، وقد لن يتمكّن غيرها، من استغلاله بالشّجاعة المطلوبة في مواجهة ثقافة وقلاع "دولة الحدّ الأقصى"، الدّولة التي سجنت الاقتصاد والمجتمع فلا هي تكفّلت برفاهيّتهما، ولا يُظن أنها قادرة على ذلك، ولا هي حرّرتهما لتتكفّل بدور مأمول وغير مُحدّد بعدُ، وهو دور يحتاج التّونسيّون لاستنباطه وإبداعه. أليست أرض "التّراب السّخون" خلاّقة ولاّدة؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

"استهلك تونسي 619".. هل تنجح حملة إنقاذ الدينار التونسي؟

التوريد العشوائي.. آفة تفاقم العجز التجاري