عن القضايا المنسية في البرامج الانتخابية...

عن القضايا المنسية في البرامج الانتخابية...

البرامج السياسيّة لعديد الأحزاب تظل مهما تباينت سجينة أنماط فكريّة وحياتيّة سائدة (ناصر طلال/ الأناضول)

 

مقال رأي

 

تلا المستقلون بياناتهم الانتخابيّة وعرضت الأحزاب برامجها السياسيّة والاقتصاديّة وغيرها، فلم يغادر المترشّحون للانتخابات التشريعيّة 2019 صغيرة ولا كبيرة إلا وقد سعوا إلى رصدها وإحصائها، فرُتّبت الانتقادات والردود ودوّنت البرامح والوعود. هذه الوعود تبدو كثيرة متشابهة متكرّرة، غير أنّ المتفحّص في محاورها وعناصرها وجلّ تفاصيلها بإمكانه ردّها إلى ثلاث درجات حسب العمق والديمومة.

الدرجة الأولى آنيّة، وهي في الغالب وثيقة الصلة بالمنح والعطايا والأجور والأسعار والمشاغل اليوميّة، ويمكن اعتبارها تعديليّة استعجاليّة ترقيعيّة. أمّا الثانية، فهي أوسع وأعمق، إذ يحرص أصحابها على تقديم مقترحات تتّصل ببرامج كبرى اقتصاديّة واجتماعيّة وسياسيّة، ويمكن تنزيلها ضمن المخطّطات الإصلاحيّة.

أمّا الثالثة فهي ذات طابع ثوريّ، فهؤلاء يحثّون على مراجعة المنوال التنمويّ، وأولئك يدعون إلى فسخ بعض العقود الدوليّة لترسيخ السيادة الوطنيّة، وتلك الجهة تطالب بتغييرات جذريّة في الدستور وفي نظام الحكم.

اقرأ/ي أيضًا: قيس سعيد..أستاذ القانون الذي أحيا السياسة وهي رميم

اللافت أنّ هذه البرامج لم تعد تصنّف وفق المرجعيّات الفكريّة والعائلات السياسيّة، فحالة الارتباك التي أصابت الأحزاب خلال التجارب الانتخابيّة السابقة جعلتها تفقد دعائمها الأساسيّة وألوانها الأصليّة، فتقلّصت الهوّة الإيديولوجيّة، وساهم ذلك في هجرة الشعارات، فأصابتها شأنها شأن نوّاب البرلمان حمّى السياحة الحزبيّة، فسلّة الفقراء وقفّة "الزواليّ" على سبيل المثال تحرّرت من "السجلّ اليساريّ" ومعجم حمّة الهمّامي ورفاقه، فغدت عبارات مشاعة يمتطيها المحافظ واللبراليّ والمعارض والماسك بزمام السلطة، فلا عجب أن تسمعها على لساني راشد الغنّوشي رئيس حركة النهضة ويوسف الشاهد مؤسّس حزب تحيا تونس، ولا يقتصر هذا التوافق في الشعارات على الشأن المادّي والاجتماعيّ إنّما يتعدّى إلى سائر المجالات الثقافيّة والتنمويّة والأمنيّة، فلم تعد الدعوة إلى استعادة "الأمن والأمان" مطلبًا محيلًا إلى أيتام بن علي وأحفاده، إنّما بات عنوانًا جامعًا يكاد يتصدّر محاور جلّ المطويّات الملقاة في الشوارع والطرقات حيث السرقة والنشل و"البراكاجات".

في هذا المعنى يقول زيغمونت باومان عالم الاجتماع البولندي في كتابه " الخوف السائل": " لقد زال الخطّ الفاصل بين الأصدقاء إلى الأبد والأعداء إلى الأبد، ذلك الخطّ الذي كان يُرسم بوضوح ويُحرس بعناية، لقد تلاشى في منطقة رماديّة يمكن فيها تبادل الأدوار في كلّ لحظة". ( ترجمة حجاج أبو جبر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2016، ص104).

تماثل الوعود والصدق المنشود

حينما تقلّصت المسافات الإيديولوجيّة وتشابهت البرامج السياسيّة حدّ التماهي أحيانًا، لم يعد الناخب حريصًا على مراجعة البيانات الانتخابيّة والبرامج الحزبيّة، بل أصبح أميل إلى تقصّي سيرة المترشّحين بصرف النظر عن انتماءاتهم، وتخلّص المواطن شيئًا فشيئًا من صنميّة الانتماء وثبوتيّة الأهواء، فأباح لنفسه مراجعة الاختيارات والتملّص من الإرث القديم.

هذا التحوّل جعل المستقليّن يتداركون في الانتخابات البلديّة السابقة (سنة 2018) خيبة الانتخابات التشريعيّة سنة 2011، فتعاظم أملهم في كسر شوكة الأحزاب في الاستحقاق المقبل (أكتوبر/ تشرين الأوّل 2019).

لا فرق بين يميني أو يساريّ أو وسطيّ إلّا بالصدق، هذا المعطى تحوّل إلى معيار عند الكثيرين في التصويت لهذا المترشّح وإقصاء ذلك لكن هل يمكن تحويل الأخلاق إلى برنامج انتخابيّ؟

غير أنّ هذا التحرّر من سلطة الماضي لم يثمر اختيارات تمليها البرامج والرهانات، إنّما أفضى إلى "التصويت الأخلاقيّ" حسبُنا دليلًا على ذلك أنّ جلّ الذين فضّلوا قيس سعيّد في الانتخابات الرئاسيّة السابقة لأوانها ( 15 سبتمبر/ أيلول 2019) برّروا تمسّكهم به لصفاته الذاتيّة لا لبرامجه الانتخابيّة، إذ تبدو عليه آيات الصدق و"نظافة اليد"، فبقيّة المترشّحين لا تعوزهم البرامج والوعود، إنّما يفتقرون في ظنّ الكثيرين إلى الأمانة والاستقامة والصدق المنشود، فقد ساهمت مداولات مجلس النواب التي كانت تنقل مباشرة في تثبيت صورة نمطيّة للسياسيّ حوّلته إلى شخص متهوّر عدائيّ متحيّل كاذب متقلبّ متحوّل أنانيّ نرجسيّ لا يعنيه الشأن العامّ بقدر ما تعنيه المصالح الحزبيّة والذاتيّة، بل أصبح أنموذج المواطن الفاسد الباحث عن حصانة برلمانيّة تواري سوءته وتحميه من المحاسبة.

اقرأ/ي أيضًا: "السيستام ڨبي ڨبي"..ليلة سقوط منظومة الحكم في تونس

في سبيل برنامج لمعالجة أزمة القيم

لا فرق بين يميني أو يساريّ أو وسطيّ إلّا بالصدق، هذا المعطى تحوّل إلى معيار عند الكثيرين في التصويت لهذا المترشّح وإقصاء ذلك، لكن هل يمكن تحويل الأخلاق إلى برنامج انتخابيّ؟ البرامج الانتخابيّة سليلة تشخيص للنقائص وسبر للأزمات، لو رتّبنا هذه الأزمات حسب الانتشار والخطورة والأثر لتبيّن أنّ أحقّها بالاهتمام والمعالجة أزمة القيم التي تردّى فيها المجتمع التونسيّ بمختلف فئاته، ألا يحقّ لنا أن نحلم ببلد تسوده قيم الحبّ والصدق والعفّة والأمانة دون أن نتّهم بالمثاليّة والطوباويّة؟

لو أعدنا النظر إلى المسألة كرّة ثانية من منظور اقتصاديّ وأمنيّ واجتماعيّ لانتهينا إلى أنّ جميع البرامج المتّصلة بهذا المجالات مشروطة بأرضيّة قيميّة أخلاقيّة لا غنى عنها، فما تتيحه لنا الحداثة من قوانين وأجهزة وأنظمة غير كفيلة بمقاومة الفساد حينما يتحوّل إلى ظاهرة، فهذه الوضعيّة تفضي إلى التواطؤ على الجريمة بمختلف ألوانها ودرجاتها، وبناء على ذلك فإنّ الأحزاب التي ترفع شعار العدل ودولة القانون هي التي يمكن نعتها بالواهمة والحالمة، ذلك أنّ تطبيق هذه الشعارات يقتضي أن يكون الفاسدون هم الاستثناء والصالحون هم الغالبيّة، ولا يمكن أن تتحقّق هذه المعادلة إلّا ببرنامج قيميّ يستند إلى محفّزات فكريّة فلسفيّة أو ذوقيّة جماليّة أو روحيّة دينيّة تحثّ على التمسّك بقيم الخير والحقّ والعدل... في غياب ذلك سيسود الخوف والعنف ولن تقدر القبضة الأمنيّة وسائر التجهيزات الوقائيّة على ضمان السلامة والأمان و من الصعب أن نطمح إلى الاستقرار والسعادة في ظلّ هذا الرعب الذي يسكن في كلّ تفاصيل حياتنا بسبب أزمة القيم.

مراجعة منوال السعادة مشروع فكريّ واقتصاديّ  

الثورة الحقيقيّة هي التي تدفع نحو مراجعة منوال السعادة، فقد ساهمت الأنظمة الاقتصاديّة والسياسيّة الحديثة والمعاصرة في زيادة منسوب البؤس والتوتر والإرهاب والخوف والظلم... هذه ترجمة لتدخّل أحد المحتجّين من أصحاب السترات الصفراء بفرنسا سنة 2019، كلام هذا المحتجّ يؤكّد أنّ البرامج السياسيّة ومنها ما تعرضه الأحزاب التونسيّة تظلّ مهما تباينت سجينة أنماط فكريّة وحياتيّة سائدة وأنّ التخلّص من هذه الأنماط لا يقتضي فقط مراجعة المشاريع الاقتصاديّة والاجتماعيّة إنّما يقتضي كذلك مراجعة عدد من المفاهيم الأساسيّة ومنها مفهوم السعادة، فمنتهى ما ترمي إليه البرامج الانتخابيّة هو ضمان السعادة للمواطن، لكن ماذا لو كان التصوّر السائد  للسعادة حمّالًا  للبؤس والظلم والصادية، ألا يقتضي ذلك تصويبًا وتعديلًا؟

البرامج السياسيّة ومنها ما تعرضه الأحزاب التونسيّة تظلّ مهما تباينت سجينة أنماط فكريّة وحياتيّة سائدة

لقد تفطّن بعض الباحثين ومنهم زيغمونت باومان عالم الاجتماع البولندي إلى أنّ النظام الرأسماليّ قد ساهم في تكريس تصوّر للسعادة يتناسب مع "المذهبيّة الاستهلاكيّة"، فأصبح مفهوم السعادة مرادفًا أو يكاد لمعاني اللذة والمجد والحاجات المتجدّدة والغلبة والسيطرة، وقد تشكّلت هذه المعاني في المواجهات الرياضيّة والمناسبات الاحتفاليّة والمنافسات الانتخابيّة فضلًا عن المعارك والحروب، فباتت سعادة الفرد أو المجموعة مشروطة ببؤس الخصم وخُسرانه، وأصبح إذلال الآخر وظلمه شرطًا من شروط السعادة، يقول باومان " إنّ الظلم المتزايد لم يعد أثرًا جانبيًّا عابرًا يمكن إصلاحه، وليس أثرًا جانبيًّا لأعمال متهوّرة مفتقرة إلى الرقابة، وليس نتيجة لخلل مؤسف قابل للإصلاح في منظومة سليمة في جوهرها، بل إن هذا الظلم قد بات جزء متمّمًا لتصوّر السعادة البشريّة والحياة المريحة ( نفس المصدر، ص 109).

في المقابل، يحرص النظام الرأسماليّ المتوحّش عبر وسائط ثقافيّة وسياسيّة على تغييب تصورّ للسعادة يصلها بحالات الطمأنينة والسكينة والقناعة والرضا والتوازن النفسيّ والذهنيّ، هذا التصوّر يفضي إلى الحدّ من الاستهلاك، وهو حاضر في بعض المذاهب الفلسفيّة والزهديّة والرومنسيّة بشكل مبدئيّ كما يحضر عرضيًّا في بعض ضروب المقاومة من قبيل الإعراض عن اقتناء البضائع التي يرتفع ثمنها بدافع الاحتكار ويمكن أن يتحوّل إلى حركة شعبيّة واسعة كما الأمر بالنسبة إلى مقاطعة السلع الإسرائيليّة أو الدعوة إلى الحدّ من استيراد المواد الاستهلاكيّة غير الضروريّة.

هكذا يتّضح أنّ مراجعة منوال السعادة ومفهومها والحرص على نشر القيم الإنسانيّة لا يعدّ مقصدًا طوباويًّا أو مجرّد نزعة أخلاقيّة إنّما هو شرط من الشروط المساهمة في رفع الخوف والظلم والفوضى والفساد، فالعقل والقانون والحداثة والتقنيات عناصر أساسيّة لصلاح البلاد غير أنّها تحتاج إلى روافد روحيّة وجماليّة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

قيس سعيّد.. الرّاديكاليّة و"الرّوافض"

لماذا التلاعب بواسطة استطلاعات الرأي؟