عن الاستثناء التونسي
8 مارس 2025
مقال رأي
في حرب الخليج الثّانية، شاعت في تونس نُكتة مفادها أنّ الرّئيس العراقي، صدّام حسين، اتّصل بنظيره الأمريكيّ، جورج بوش الأب، ليعبّر له عن رغبته في الانسحاب من الكويت. فردّ سيّد البيت الأبيض: ماذا تنتظر؟ فأجاب صدّام حسين: أرجو أن تساعدني على إقناع الشّعب التّونسيّ بذلك.
كان الموقف الرّسميّ التّونسيّ داعمًا للعراق، على الأقلّ فيما يتعلّق برفض التّدخّل غير العربيّ. وسمح نظام بن عليّ بالتّظاهر، قبل أن يقرّر تعليق الدّراسة، خشية أن تفلت منه الأمور، بعد انتشار رقعة التحرّكات الشّعبيّة، خاصّة في صفوف الطلّبة.
وللشّخصيّة التّونسيّة خاصّيّة قلّ وجودها وهي الإسراع بالتّموقع في أيّ قضيّة، خاصّة حين تكون محمودة العواقب في علاقة بالجهاز الأمنيّ الّذي لديه اليد الطولى، تاريخيًّا، في تسيير البلاد. فترى تعليقات سرياليّة لا تمتّ للواقع بصلة في كثير من الأحيان، ناهيك عن استناد أصحابها لمعلومات غير موثوق من صحّتها.
وأذكر أنّي كطفل كنت مطمئنًّا تمام الاطمئنان لإمكانيّة حسم العراق حربه ضدّ التّحالف الدّوليّ، انطلاقًا من صائفة 1990، مشحونًا في ذلك بما كنت أشاهده من مظاهرات في مدينة منزل تميم الّتي أنحدر منها وما تُطالعنا به وسائل إعلام تونسيّة من مادّة تقوم أساسًا على التّهويل. لكن، بوقوع مجزرة ملجأ العامريّة، تحوّلت التّظاهرات الحماسيّة إلى مسيرة صامتة خرج فيها الآلاف من أهل المدينة. فهمتُ حينها أنّ الأمر قد حُسم، رمزيًّا وفعليًّا.
ومن التّناقضات على أرض الواقع، سنجد أنّ التونسيين يديرون ظهورهم لأيّ تدخّل مباشر لبلادهم في قضيّة دوليّة ما، على ندرة تحمّس السّاسة التّونسيّين للذّهاب بعيدًا في مواقفهم. فانتقال مقرّ جامعة الدّول العربية من القاهرة إلى تونس، عام 1979، وعودته، بعد أحد عشر عامًا، إلى العاصمة المصريّة، لم يُثر اهتمام التّونسيّين بشكل بالغ ولم يؤثّر فيهم لا من قريب ولا من بعيد.
للشخصية التونسية خاصية قلّ وجودها وهي الإسراع بالتموقع في أيّ قضية، خاصة حين تكون محمودة العواقب في علاقة بالجهاز الأمني الذي لديه اليد الطولى، تاريخيّا، في تسيير البلاد
ولئن حظي الفلسطينيّون باحتفاء شعبيّ واسع حين أرست سفنهم بميناء بنزرت، عام 1982، فإنّ خروجهم منها مرّ مرور الكرام، خاصّةً بانقسام النّخب التّونسيّة بشأن جدوى مسار أوسلو.
يقول إيف لاكوست، وهو أحد آباء المدرسة الفرنسيّة للجيوسياسة، إنّ لدول تونس والجزائر والمغرب إحدى أقدم الحدود في التّاريخ. لكنّ أهمّية المنطقة الاستراتيجيّة ظلّت متحرّكة بتحرّك حركة التاريخ والتّفاعلات الخارجيّة، لا بفعل حكومات المنطقة وشعوبها. ويكفي، هنا، أن نعرف أنّ منطقتنا هي الأقلّ اندماجًا اقتصاديًّا في العالم حتّى نقف عند هذه الحقيقة.
في مثال الأهمّيّة الجيوسياسيّة لتونس، على سبيل الذّكر لا الحصر، كان مضيق صقلّية مركز ثقل العالم، ممّا مكّن البلاد، من خلال قرطاج، من تصدّر العلاقات التّجاريّة والحربيّة، في منافسة محمومة مع روما. وستكون للمضيق ذاته أهمّيّة بالغة، غداة خسارة النّازيّين حملة شمال أفريقيا خلال الحرب العالمية الثّانية، إذ تحوّلت تونس إلى بوّابة رئيسيّة للحلفاء لشنّ هجوم كاسح مثّل بداية نهاية الفاشية في إيطاليا.
وخلال الثّورات العربيّة، كانت تونس المحطّة الأولى، برحيل بن عليّ في الرّابع عشر من جانفي/يناير عام 2011. لكن، سرعان ما انتقل الاهتمام شرقًا، انطلاقًا من مصر، ثمّ ليبيا فسوريا. وبالرّغم من انزلاق البلاد سريعًا في حال من التّوتّر والاستقطاب الشّديدين، فإنّ معظم التّونسيّين يتشبّثون بأنّ "العالم وقف إجلالًا لثورتهم"، حتّى وإن كان بعضهم لا يؤمن أصلًا بالثّورة بل ويشتمها وشخوصها ليلًا نهارًا.
وبوصول قيس سعيّد إلى الرّئاسة، عام 2019، وخاصّة بعد انقلابه على السّلطة، في أقلّ من عامين، كسر الرّجل تقاليد عدّة، من بينها استقبال رئيس جبهة بوليساريو، إبراهيم غالي، وقد التزمت بلاده الحياد في هذا الملفّ تحديدًا، إلى جانب تقاربه المقلق مع حكومة أقصى اليمين في إيطاليا، الّتي تقودها جورجيا ميلوني، خاصّة في ملفّ الهجرة.
صام سعيّد عن السّفر، حتّى مقارنة بسلفه الرّاحل، الباجي قايد السّبسي، الّذي لم يمنعه تقدّمه بالسنّ من عقد لقاءات خارج البلاد والمشاركة في اجتماعات دوليّة، بعضها كانت مضنية، كالقمّة اللّيبية الّتي عُقدت بمدينة باليرمو الإيطاليّة، نهاية عام 2018. ولم يشارك الرّئيس الحالي في قمّتي الاتّحاد الأفريقي بأديس أبابا والجامعة العربيّة بالقاهرة الأخيرتين، مكتفيًا بتوجيه رسائل للدّاخل التّونسيّ دون غيره.
بلادنا تعيش أزمة مركبة، في علاقتها بالداخل كما بالخارج. والأخطر من ذلك أنّ الضبابية وعدم اليقين يتسيّدان الموقف، دون أيّ آفاق لسياسة غير مفهومة أو واضحة المعالم
وباتت تونس البلد الوحيد الّذي لم يتواصل مع القيادة السّوريّة الجديدة، حتّى بالمقارنة بالجارين اللّيبيّ والجزائريّ. وكان من اللّافت أن يزور وزير الخارجيّة الجزائريّ، أحمد عطّاف، دمشق، بل وأن تسبق تلك الزّيارة تصريحات من الرّئيس، عبد المجيد تبّون، لصحيفة "لوبينيون" الفرنسيّة مفادها أنّه كان قد أبلغ نظيره السّوريّ المخلوع، بشّار الأسد، بأنّه "يرفض المجازر في حقّ السّوريّين".
ومن الصّعب تفكيك سياسة سعيّد الخارجيّة، تمامًا مثلما يعجز السّواد الأعظم من التّونسيّين عن فهم سياسته الدّاخليّة. لا أحد يعلم ما الّذي يُفكّر فيه ساكن قرطاج؟ ما الّذي يريده؟ ما هي تطلّعاته؟ ثمّة حلقة مفقودة. من اليسير أن نصف خطابه بالشّعبويّ وحكمه بالشّموليّ وتوجّهه بالمحافظ. لكن، في الحالات الثّلاثة، يعلّمنا التّاريخ أنّ هناك هدفًا ما من وراء كلّ ذلك. وهو ما لا ينطبق في الحالة التّونسيّة الرّاهنة.
ما هو مؤكّد أنّ بلادنا تعيش أزمة مركّبة، في علاقتها بالدّاخل كما بالخارج. والأخطر من ذلك أنّ الضّبابيّة وعدم اليقين يتسيّدان الموقف، دون أيّ آفاق لسياسة غير مفهومة أو واضحة المعالم.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية

الانسحاب من "الكان".. أكبر من مجرّد إخفاق رياضيّ
"لا يُرتقَب أيّ تحسّن على المدى القريب والمتوسّط، على الأقلّ، أمام تراكم المشاكل المحيطة بالرّياضة وتعاظمها.."

في معنى التفویض واحتكار المشھد تونسيًا
"إن مفھوم "التفویض" ھو درجة أكثر تقدمًا داخل نسق الخطاب الشعبوي الذي یعتبر أن الشعب ھو فاعل سیاسي موحد یفوضه ضد النخب.."

2025.. سنة الصّعود إلى الهاوية الشّاهقة!
"البحث عن المشروعيّة هو إقرار ضمنيّ بغياب المُنجَز ومن قبله المشروع. فقد كان عام 2025 عام "الصّفر فاصل إنجاز".. وإذا ما كانت المشروعيّة تٌقاس بأعداد المتظاهرين بالفعل، فالأسلم القول إنّ "الخميس العظيم" الّذي شهدته قابس، في أكتوبر 2025، أكسب مطلبَ "تفكيك الوحدات" بالمجمع الكيمائيّ دعمًا شعبيًّا لا يُمكن تجاهله. لكنّ الملفّ لا يزال يُراوح مكانه!

الدستوري الحر يعلن تمسّكه بوثيقة "التزام وطني" وتنظيمه لمسيرة يوم 18 جانفي 2026
الحزب الدستوري الحر: نهيب بكافة القوى الحيّة في المجتمع لمساندة مسار توحيد جهود ورص صفوف الفاعلين السياسيين والمدنيين المؤمنين بالجمهوريّة والحكم المدني الديمقراطي بهدف إخراج البلاد من الأزمة الخانقة متعدّدة الأبعاد التي تتخبّط فيها

اتحاد الشغل: زيادة في أجور أعوان المساحات التجارية الكبرى بعنوان سنة 2025
تم الاتفاق على تسوية هذه التسبقة على الأجر لاحقاً عند صدور الأمر المتعلق بالزيادة في الأجور طبقًا لأحكام الفصل 15 من قانون المالية لسنة 2026، وذلك وفقًا لصيغ محددة

رابطة حقوق الإنسان: نقص حاد في أدوية الأمراض المزمنة في انتهاك صارخ للحق في الصحة
رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان: تونس تعيش اليوم انهيارًا متسارعًا ومقلقًا للمنظومة الصحية العمومية، في ظل عجز الدولة الواضح عن الإيفاء بالتزاماتها الدستورية والقانونية في ضمان الحق في الصحة و العلاج

العجز التجاري لتونس يناهز 22 مليار دينار موفّى ديسمبر 2025
المعهد الوطني للإحصاء: بلغت الصادرات التونسية مع الاتحاد الأوروبي خلال سنة 2025 (69,9% من جملة الصادرات) ما قيمته 44527,8 مليون دينار مقابل 42862,3 مليون دينار خلال سنة 2024.

