ultracheck
مجتمع

عندما ينقطع الكهرباء… كيف يواصل التونسي حياته؟

28 يوليو 2026
انقطاع الكهرباء الشاذلي بن إبراهيم Getty
في الفترة الأخيرة، أصبح انقطاع الكهرباء من التفاصيل التي تفرض نفسها على الحياة اليومية لعدد من التونسيين (صورة توضيحية/الشاذلي بن إبراهيم/Getty)
إيمان السكوحي
إيمان السكوحيصحفية من تونس

"قصّ الضو الله الله… قصّ الضو.. وإحنا ديما عاملين جو".. لم تكن هذه الكلمات جزءًا من أغنية مبرمجة في حفل زفاف تونسي، لكنها تحولت بشكل عفوي إلى لازمة رددها المدعوون لحظة انقطاع التيار الكهربائي.

وبينما كان من المفترض أن تتوقف الموسيقى وتنتهي السهرة، حدث العكس تمامًا: أضواء الهواتف عوّضت المصابيح، أصوات الحاضرين غلبت مكبرات الصوت، واستمر الرقص في مشهد يلخص قدرة التونسي على تحويل الظروف الصعبة إلى لحظات طريفة.

في الفترة الأخيرة، أصبح انقطاع الكهرباء من التفاصيل التي تفرض نفسها على الحياة اليومية لعدد من التونسيين، سواء داخل المنازل أو في أماكن العمل. وبين ضغط ارتفاع الأسعار وصعوبة الظروف الاقتصادية والاجتماعية، يواصل المواطنون البحث عن حلول مؤقتة تساعدهم على تجاوز هذه الفترات، في مشاهد تكشف عن روح التأقلم والسخرية التي تميز المجتمع التونسي.

في الفترة الأخيرة، أصبح انقطاع الكهرباء من التفاصيل التي تفرض نفسها على الحياة اليومية لعدد من التونسيين، سواء داخل المنازل أو في أماكن العمل. ويواصل المواطنون البحث عن حلول مؤقتة تساعدهم على تجاوز هذه الفترات

وأصبح غياب التيار الكهربائي اختبارًا يوميًا لقدرة الأفراد والمهنيين على إيجاد بدائل سريعة، من استعمال أضواء السيارات إلى تغيير ساعات العمل، مرورًا بتأجيل بعض الأنشطة أو إعادة تنظيمها وفق مواعيد عودة الكهرباء.

  • عرس بلا كهرباء.. حين يتحول الظلام إلى فرحة

في إحدى حفلات الزفاف، وجد المدعوون أنفسهم أمام قاعة غارقة في الظلام بعد انقطاع الكهرباء. لكن بدل أن تخفت الأجواء، تحولت اللحظة إلى مشهد احتفالي مختلف، فقد حمل الحاضرون هواتفهم لإنارة المكان، وواصلوا الغناء والرقص وسط أجواء عفوية.

هذا المشهد، وإن بدا بسيطًا، فإنه يعكس سلوكًا أصبح مألوفًا لدى التونسيين: تحويل الأزمات اليومية إلى قصص تُروى، والتعامل مع الصعوبات بروح الدعابة بدل الاستسلام لتعقيداتها.

  • صيدلية في حي النصر تستعين بأضواء سيارة لمواصلة العمل

في حي النصر، فرض انقطاع الكهرباء مشهدًا آخرًا يعكس أهمية إيجاد حلول سريعة للحفاظ على استمرارية الخدمات الأساسية. فقد لجأ صاحب صيدلية إلى استعمال أضواء سيارته لإنارة فضاء الصيدلية بعد غياب التيار الكهربائي.

وضع سيارته أمام المدخل ووجه أضواءها نحو الداخل، لتتحول المصابيح الأمامية إلى مصدر إنارة مؤقت يسمح له بمواصلة استقبال الحرفاء وتوفير الأدوية. وبين رفوف الأدوية التي غمرها ضوء خافت، واصل الصيدلي عمله وتجهيز طلبات المواطنين في انتظار عودة الكهرباء.

يرصد "الترا تونس" أمثلة على كيفية تعامل عدد من المهنيين مع انقطاعات الكهرباء، خاصة في القطاعات التي لا تحتمل التوقف، حيث تصبح الحلول البسيطة وسيلة للحفاظ على استمرارية النشاط وتلبية حاجيات المواطنين

ويرصد "الترا تونس" من خلال هذه الحادثة مثالًا على كيفية تعامل عدد من المهنيين مع الانقطاعات، خاصة في القطاعات التي لا تحتمل التوقف، حيث تصبح الحلول البسيطة وسيلة للحفاظ على استمرارية النشاط وتلبية حاجيات المواطنين.

 

 

  • صاحبة مشروع تغيّر ساعات عملها لتجنب خسائر الحلويات

بالنسبة إلى أصحاب المشاريع الصغرى، لا يقتصر تأثير انقطاع الكهرباء على تعطّل العمل فقط، بل قد يتحول إلى خسائر مباشرة تهدد استمرارية النشاط. هذا ما تواجهه سمية الجبالي، صاحبة مشروع مختص في صناعة الحلويات، الذي يعتمد بشكل أساسي على التبريد للحفاظ على جودة المنتجات.

تقول الجبالي لـ "الترا تونس" إن الانقطاعات المتكررة فرضت عليها تغيير طريقة عملها بالكامل، إذ لم تعد تعتمد على توقيت ثابت، بل أصبحت تنظم إنتاجها وفق فترات توفر الكهرباء.

وتوضح أن عودة التيار أصبحت تمثل فرصة لاستغلال الوقت بأكبر قدر ممكن، حتى لو كان ذلك في ساعات متأخرة من الليل أو خلال الفجر، من أجل إعداد الطلبيات وحفظ المنتجات التي تحتاج إلى ظروف تبريد ملائمة.

كما اضطرت إلى تقليص كميات الإنتاج اليومية لتجنب تلف المواد الحساسة، إضافة إلى اعتماد وسائل تبريد بديلة عند الإمكان. غير أن هذه الإجراءات، وفق قولها، رفعت من كلفة الإنتاج وزادت الضغط على فريق العمل، الذي يجد نفسه مُطالبًا بتكثيف الجهود فور عودة الكهرباء.

سمية الجبالي (صاحبة مشروع مختص في صناعة الحلويات) لـ"الترا تونس": تكبدت في مناسبات عدة خسائر، وعودة التيار أصبحت تمثل فرصة لاستغلال الوقت بأكبر قدر ممكن، حتى لو كان ذلك في ساعات متأخرة من الليل أو خلال الفجر

وتشير الجبالي إلى أنها تكبدت في مناسبات عدة خسائر بسبب فساد بعض الكريمات والمرطبات، مؤكدة أن الحفاظ على سلامة الحريف يبقى أولوية ولا يمكن المجازفة بها.

ورغم ارتفاع المصاريف، اختارت عدم الترفيع في الأسعار حفاظًا على حرفائها، لكنها تؤكد أن استمرار الانقطاعات قد يجعل مواصلة نشاط العديد من المشاريع الصغرى أكثر صعوبة.

وتدعو الجبالي إلى توفير برمجة مسبقة للانقطاعات حتى يتمكن أصحاب المشاريع من تنظيم عملهم والتقليل من حجم الخسائر.

  • أطباء يعيدون تنظيم مواعيدهم لمواصلة رعاية المرضى

قطاع الصحة بدوره وجد نفسه أمام تحديات جديدة بسبب انقطاع الكهرباء، إذ اضطر عدد من الأطباء إلى إعادة تنظيم مواعيد عملهم وفق فترات توفر التيار، خاصة أن بعض الفحوصات والتجهيزات الطبية تتطلب ظروفًا تقنية ملائمة.

ويؤكد أطباء تحدث إليهم "الترا تونس" أن الهدف الأساسي لم يكن سوى ضمان استمرارية الخدمات الصحية وعدم حرمان المرضى من المتابعة، رغم الصعوبات المرتبطة بتغيير ساعات العمل والإرهاق الناتج عن الانتظار.

فقد أصبحت عودة الكهرباء أحيانًا تعني بداية العمل الفعلي بالنسبة لبعض العيادات، حيث يستغل الأطباء الساعات المتاحة لإنجاز أكبر عدد ممكن من الفحوصات وتأمين المواعيد المؤجلة.

تروي الدكتورة سعاد الشريف، طبيبة مختصة في أمراض النساء والتوليد، لـ "الترا تونس" أن أكثر ما صعّب الوضع خلال فترات انقطاع الكهرباء لم يكن فقط غياب الإنارة، بل غياب برنامج واضح يسمح بتنظيم العمل.

وتقول: "كنا أحيانًا لا نعرف متى سنستقبل المرضى أو متى سينقطع التيار، فنصل إلى العيادة ونجد أن الظروف تغيرت. هذا الأمر جعل تنظيم المواعيد صعبًا جدًا".

سعاد الشريف (طبيبة مختصة في أمراض النساء والتوليد) لـ"الترا تونس": كنا أحيانًا لا نعرف متى سنستقبل المرضى أو متى سينقطع التيار الكهربائي، وهذا الأمر جعل تنظيم المواعيد صعبًا جدًا

وتضيف أن طبيعة الاختصاص لا تسمح بإيقاف المتابعة، خاصة بالنسبة للمرضى الذين يحتاجون إلى مراقبة دورية أو حالات لا يمكن تأجيلها لفترات طويلة.

وتوضح: "كنا ننتظر عودة الكهرباء ونستغل كل فترة تتوفر فيها الطاقة لمواصلة العمل. أحيانًا نبقى ساعات في العيادة، ثم نواصل إلى وقت متأخر من الليل لتعويض المواعيد التي تعطلت".

وتشير الشريف إلى أن فريق العمل أصبح يشتغل أحيانًا من الخامسة أو السادسة مساءً إلى التاسعة ليلًا، وفق توفر الظروف المناسبة، مؤكدة أن تعاون المرضى ساعد على تجاوز هذه المرحلة.

وتختم قائلة: "هذه التجربة أظهرت مرة أخرى قدرة التونسي على التأقلم. عندما تغيب الحلول المثالية، يبحث المواطن عن البدائل الممكنة، لأن العمل والخدمات الأساسية لا يمكن أن تتوقف".

الكلمات المفتاحية

بين تعثّر الأشغال ومداهمة الشتاء.. هضبة سيدي بوسعيد على شفير الهاوية

بين تعثّر الأشغال ومداهمة الشتاء.. هضبة سيدي بوسعيد على شفير الهاوية

يرى خبراء الجيولوجيا والهندسة المدنية أنّ هضبة سيدي بوسعيد تتكون من طبقات رسوبية وطينية هشّة تتأثر بشكل مباشر بتشبع التربة بالمياه التي تتسرب من القنوات الباطنية ومن التساقطات الهامة التي تشهدها المنطقة سنويًا


البرباشة في تونس

رزق شحيح.. يوميات "البرباشة" في زمن أزمة المياه المعدنية

تُظهر هذه الأزمة المزدوجة كيف تتسرب الآثار الجانبية للتغيرات المناخية وأزمات السلع الأساسية إلى الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع


مدرسة

ارتفاع درجات الحرارة يعيد جدل العودة المدرسية والجامعية.. هل تتجه تونس نحو تأجيلها؟

مع تصاعد الجدل حول موعد العودة المدرسية والجامعية في تونس، تتزايد الدعوات إلى تأجيل استئناف الدروس في ظل..


من الذبائح إلى الأسماك.. غلاء الأسعار يُغيّر عادات وليمة الأعراس في تونس

من الذبائح إلى الأسماك.. غلاء الأسعار يُغيّر عادات وليمة الأعراس في تونس

شهدت أسعار اللحوم الحمراء في تونس ارتفاعًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما هذا العام إذ بلغت في بعض المناطق 70 دينارًا للكيلوغرام من لحم الضأن و50 دينارًا للحم البقر، ما أدّى إلى تراجع حضورها على موائد الكثير من العائلات، خاصة محدودي الدخل الذين اضطروا إلى مقاطعتها بسبب تدهور المقدرة الشرائية

أمطار تونس منخفض جوي تقلبات جوية بلعيد.jpg
منوعات

درجة إنذار تتطلب الحذر.. أمطار رعدية ورياح قوية تشمل 18 ولاية تونسية

معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تصل إلى 41 درجة بالجنوب الغربي

البطولة العربية لألعاب القوى
منوعات

تونس تحصد 17 ميدالية في البطولة العربية لألعاب القوى تحت 18 سنة

اختتمت تونس يوم الأربعاء 9 سبتمبر 2026 مشاركتها في البطولة العربية لألعاب القوى تحت 18 سنة، التي احتضنتها مصر من 5 إلى 9 سبتمبر الجاري، بحصيلة جملية ناهزت 17 ميدالية


مدرج المنار.jpg
مجتمع

جامعة التعليم العالي: ندعو إلى مفاوضات عاجلة والترفيع في منحة العودة الجامعية

الجامعة العامة للتعليم العالي: تنامي أعداد الدكاترة الباحثين العاطلين عن العمل يظل مؤشرًا آخر على غياب التخطيط الكفيل بتحقيق التوازن بين منظومة التكوين الجامعي وحاجيات سوق الشغل

طقس
منوعات

طقس تونس.. درجات الحرارة في ارتفاع طفيف وتصل القصوى إلى 41 درجة

أعلن المعهد الوطني للرصد الجوي أن طقس اليوم الأربعاء 9 سبتمبر/أيلول 2026 سيكون قليل..

الأكثر قراءة

1
منوعات

إطلاق برنامج "مدرب المواهب" لاكتشاف براعم الكرة في تونس.. ما التفاصيل؟


2
سیاسة

تونس تُحذّر بجنيف من اختلالات النظام الدولي وتدعو لإصلاح مجلس الأمن


3
سیاسة

السالمي: الوضع الحالي في تونس متأزم وخطير والسلطة اختارت صدّ الأبواب


4
مجتمع

تقلبات جوية منتظرة في تونس.. دعوات لرفع درجة التأهب واليقظة


5
سیاسة

حراك "يزي" يعلن هويته السياسية: نرفض حكم الفرد في تونس