علاقتنا الملتبسة بالشّهادات التّاريخيّة
14 يونيو 2026
مقال رأي
أثار لقاء موقع "الكتيبة" مع أستاذ القانون الدّستوريّ، أمين محفوظ، في كانون الأوّل ديسمبر/كانون الأول الماضي، جدلًا حادًّا، إذ قرأ الرّجل مقتطفًا من كتابه، "رُؤى في القانون الدّستوريّ والنّظام السّياسيّ التّونسيّ"، نَسَب فيه للمقرّر العامّ لدستور عام 2014، الحبيب خضر، تصريحًا قال إنّه أدلى به خلال مداولات المجلس الوطنيّ التّأسيسيّ، جاء فيه: "إذا رفضتم عملنا بعد سنة سنظّل ماكثين على قلوبكم وسنأخذ سنة أخرى ونعدّ دستورًا آخر وإن رفضتموه سنعيد الكرّة".
وبالعودة إلى التّصريح الأصليّ، اتّضح أنّ محفوظ اجتزأ كلام خضر، الّذي قال، حرفيًّا: "إنّ أسوأ رسالة سياسيّة نبعث بها إلى شعبنا أن نقول لهم إذا رفضتم عملنا بعد سنة سنظلّ ماكثين على قلوبكم وسنأخذ سنةً أخرى ونعدّ دستورًا آخر وإن رفضتموه سنعيد الكرّة. هذا المنطق يجعلنا كالمتشبّث بالكراسي وهي أسوأ رسالة نبعثها".
والغريب أنّ أمين محفوظ حاول التّنصّل من هذه السّقطة المُدوّيّة، أمام الكمّ الهائل من ردود الفعل المستهجنة، بأن لجأ لاستراتيجيّة "أفضل طريقة للدّفاع هي الهجوم"، فكتب بصيغة الضّحيّة وبكلّ مكابرة أنّ "الحرّيّة الأكاديميّة تضمن للأساتذة الجامعيّين والباحثين والكتّاب الإنتاج ومشاركة الأفكار ومناقشتها بكلّ استقلاليّة، دون ضغوط أو قدح، وفي إطار احترام الأخلاقيّات العلميّة"، والحال أنّه لم يُقدّم رأيًا أو موقفًا، بل معلومةً، اتّضح بما لا يدع مجالًا للشّكّ أنّها مُضلِّلة.
منذ رحيل زين العابدين بن عليّ عن الحكم، فُتحت الشّهيّة للشّهادات التّاريخيّة، التي لم تتحوّل إلى مادّة علميّة مرجعيّة تُخضع للمراجعة ولم يخرج التّعاطي معها من دائرة الانفعال، واقتصر الجدل على تدوينات وتدوينات مُضادّة، في ظلّ حالة الاستقطاب الحادّ المستشرية في المجتمع
الجدلُ بشأن تصريحات أمين محفوظ ليس استثناءً. فمنذ رحيل زين العابدين بن عليّ عن الحكم، عام 2011، فُتحت الشّهيّة للشّهادات التّاريخيّة، إمّا من باب سرد تجربة شخصيّة أو لتوثيق حدث ما. بيد أنّ الجدل المُثار كان، في معظم الأحيان، - ولا يزال – افتراضيًّا، مُقتصرًا على تدوينات وتدوينات مُضادّة، في ظلّ حالة الاستقطاب الحادّ المستشرية في المجتمع. أي أنّ تلك الشّهادات لم تتحوّل إلى مادّة علميّة مرجعيّة تُخضع للمراجعة، بل ولم تُثر المغالطات الّتي تضمّنتها نقاشًا رصينًا، يُؤسّس لتشكيل ذاكرة وطنيّة تقوم أساسًا على الحقيقة، إذ لم يخرج التّعاطي معها من دائرة الانفعال.
ولأنّ التّونسيّ عازفٌ عن القراءة بشكل مخيف، فإنّ الرّأي العامّ بات يتشكّل حول سرديّة بعينها، بأقلّ الجهود الإنتاجيّة الممكنة، من خلال مضامين تُنشَر عبر منصّات إعلاميّة أو بودكاستات، بشكل يدفع بالتّحقيق التّاريخيّ بعيدًا، مقابل تغوّل الانطباعات الشّخصيّة. فيصبح المحتوى شكلًا من أشكال إشباع الرّغبة الجامحة في التّموقع مع هذا الطّرف أو ذاك، حتّى وإن كانت السّرديّة غير متماسكة، بينما تضعف القدرة بل والرّغبة في أخذ مسافة ممكنة تسمح بالحدّ الأدنى من التّفكير النّقديّ.
خُذ مثلًا خروج المدير العامّ السّابق للأمن الوطنيّ، كمال القيزاني، عبر منصّة "أثير". لأكثر من ستّ ساعات ونصف، أدلى الرّجل بشهادة شابتها عديد الثّغرات، ناهيك عن مغالطات بيّنة. فالقيزاني يُقدّم نفسه كرجل أمن يتحدّث باسم زملائه القابعين وراء القضبان على خلفيّة تُهم واهية وقضايا مُفتعَلة، والحال أنّه كان هو نفسه على رأس أحد أهمّ الأجهزة الأمنيّة التّونسيّة، حين زُجّ بالمدير العامّ السّابق للوحدة الوطنيّة للبحث في جرائم الإرهاب، صابر العجيلي، والمدير السّابق للمصالح المختصّة، عماد عاشور، في قضيّة "تآمر على أمن الدّولة وخيانة"، اتّضح لاحقًا أنّه كانت مفبركة، من ألفها إلى يائها، بل وثبُت أنّ الواشي الرّئيسيّ فيها كان يتردّد على مقرّ الحكومة بالقصبة، قبل الإدلاء بأقواله.
اقرأ/ي أيضًا: الهشاشةُ.. بداية لأيّ انهيار
وقرّرت محكمة التّعقيب بتونس، في أفريل/نيسان 2019، رفض الحكم الابتدائيّ بسجن المتّهمَين، والإفراج عنهما. وإذا كان القيزاني على علم – و/أو طرفًا – في هذه القضيّة، آنذاك، فتلك مصيبة، وإن لم يكن، فتلك مصيبة أكبر، خاصّة أنّ فيصل الجدلاوي، أحد أعضاء فريق الدّفاع، اتّهم القيزاني رأسًا بابتزاز رجل الأعمال، شفيق جرّاية، المتّهم بدوره في القضيّة ذاتها والّذي نال حكمًا بالبراءة في الطّور التّعقيبيّ.
وعن أحداث الثّورة الّتي أطاحت ببن عليّ، بدا القيزاني حذرًا حدّ تغذية هواجس بأنّ الأمر لا يعدو أن يكون مؤامرة، انطلاقًا من نشر موقع "ويكيليكس" مراسلات وزارة الخارجيّة الأمريكيّة مع تمثيليّاتها الدّيبلوماسيّة حول العالم، أي أنّ التّسريبات لم تكن مُقتصرة على تونس، كما أراد أن يُلمّح الرّجل إلى ذلك. ولا أخال أنّ القياديّ الأمنيّ السّابق كان يجهل أنّ فرنسا عرضت، آنذاك، على لسان وزيرة خارجيّتها، ميشال أليو ماري، "خبرتها الأمنيّة"، للتّعامل مع الاحتجاجات، وهي صيغة ملطّفة للمشاركة في قمع المظاهرات.
أمّا القياديّ بالنّهضة، رياض الشّعيبي، فحاول، في بودكاست آخر، على منصّة "عربيّ بوست"، تثبيت سرديّة حزبيّة حول مسار الانتقال الدّيمقراطيّ في عشريّة 2011-2021، لتجنيب الحركة أصابع الاتّهام بالدّور الّذي لعبته في إفشال التّجربة، فاتّهم جهات داخليّة وخارجيّة لم يُحدّدها، بـ"الانقضاض على المسار"، سواء بعد الاغتيالات السّياسيّة أو إبّان حكم الرّئيس الرّاحل، الباجي قايد السّبسي. وأفضل ردّ على هذا الادّعاء جاء على لسان رياض الشّعيبي نفسه. ففي عام 2013، قدّم استقالته من حركة النّهضة متّهمًا إيّاها بـ"التّفريط في مطالب الثّورة وإعادة دمج رموز النّظام السّابق – أي نظام بن عليّ – في الحياة السّياسيّة".
في حالتي القيزاني والشّعيبي، وقبلهما محفوظ، تحوّلت الشّهادة إلى أداة للصّراع السّياسيّ، بتوظيف رواية بعينها للماضي لتبرير المواقف الرّاهنة. وردود الفعل على هذه الشّهادات غالبًا ما تكون عاطفيّة، فقطاع من الرّأي العامّ ينبهر بها ويعتبرها كشفًا للحقيقة، بينما يرفضها قطاع آخر جملةً وتفصيلًا بدافع الانتماء السّياسيّ أو الأيديولوجيّ
وأشار الشّعيبي إلى وجود "فراغ سياسيّ" عشيّة انتخابات 2019، وهو ما مهّد إلى وصول قيس سعيّد إلى قصر قرطاج. لكنّه مرّ مرور الكرام على فشل عبد الفتّاح مورو في الوصول إلى جولة الإعادة آنذاك. فقد قرّرت النّهضة عدم دعم مرشّحها بالشّكل الّذي يُعزّز من فرص فوزه بالانتخابات، حتّى أنّه حصل على أصوات أقلّ بـ120 ألفًا، مقارنةً بالانتخابات التّشريعيّة. وكانت حسابات النّهضة واضحة: بما أنّ زعيم الحركة، راشد الغنّوشي، قد ترشّح للانتخابات التّشريعيّة فليرأس البرلمان، وعليه، فإنّه لا يُمكن أن يكون رئيسان من بين الرّؤساء الثّلاثة – إلى جانب رئيس الحكومة – من الحركة.
في حالتي القيزاني والشّعيبي، وقبلهما محفوظ، تحوّلت الشّهادة إلى أداة للصّراع السّياسيّ، بتوظيف رواية بعينها للماضي – سواء القريب أو البعيد - لتبرير المواقف الرّاهنة.
والمشتَرَك، هنا، هو أنّ ردود الفعل على هذه الشّهادات غالبًا ما تكون عاطفيّة، فقطاع من الرّأي العامّ ينبهر بها ويعتبرها كشفًا للحقيقة، بينما يرفضها قطاع آخر جملةً وتفصيلًا بدافع الانتماء السّياسيّ أو الأيديولوجيّ.
ولسائل أن يسأل هنا: هل يجب أن نُقاطع هذه الشّهادات؟ طبعًا، لا! ففي ظلّ غياب ردود علميّة، ستصبح أيّ سرديّة، مهما ضعُفت، المصدر الوحيد المُتاح لكتابة التّاريخ. ولئن استنزفت الأزمة المركّبة الّتي تعيشها البلاد جميع مكوّنات المجتمع، فإنّ ذلك ليس مبرّرًا للتّغاضي عن ضرورة إيلاء تشكّل الذّاكرة الوطنيّة الاهتمام الّذي يستحقّ.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية
سؤال "ما البديل؟".. بين التّعجيز والعجز
لم يعد السّؤال عن البديل مجرّد ترف فكريّ.. والأهمّ من ذلك، أنه لم يعد من المُحرّمات في الشّارع التّونسيّ. ولعلّ الإجابة تستوجب، إعادة صياغة السّؤال ذاتِه، من "ما البديل؟" إلى "كيف نبني هذا البديل؟"
جحيم السّجون في تونس
من التّهم الموجّهة من أنصار الرئيس سعيّد، لكلّ من يُثير مسألة الوفيّات الأخيرة، هي عدم حيازة تقرير طبّيّ يُؤكّد الحرّ سببًا للوفاة، والحال أنّه على الدّولة أن تُقدِم على تلك الإجراءات، من باب الشّفافيّة
حين يتحوّل التشخيص نفسه إلى "أمر غير طبيعي"
طارق الكحلاوي: السلطة، حين تتعامل مع كل عطب خدماتي بوصفه اعتداءً خارجيًا أو تخريبًا داخليًا منظمًا، تحرم نفسها من الأداة الوحيدة التي تمكّنها من حل المشكلة فعليًا أي التشخيص الموضوعي
خبير بيئي: 62% من شبكة "الصوناد" قديمة ومهترئة
قال الخبير الدُّولي في البيئة والتّنمية المُستدامة، محمّد عادل الهنتاتي، إن "نحو 62% من شبكة توزيع مياه الشرب التابعة لـ..
طقس تونس.. أجواء صافية إلى قليلة السحب والحرارة مستقرة
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تتراوح بين 30 و39 درجة والبحر قليل الاضطراب
طقس تونس.. درجات الحرارة مستقرة والبحر قليل الاضطراب
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تتراوح بين 30 و39 درجة والبحر قليل الاضطراب
كؤوس الأندية الإفريقية.. الإفريقي يضع قدمًا في الدور المقبل والصفاقسي ينهزم في نيجيريا
فاز فريق النادي الإفريقي اليوم على ضيفه دجوليبا المالي بنتيجة..