عروض شغل وهمية.. حين تتحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى مصائد تحرّش بالنساء
22 يوليو 2025
"كنت أظنّ أنّ البحث عن عمل ليس إلاّ ترصد كلّ الفرص المتاحة للحصول على أيّ مهنة قد تُوفّر بعض المداخيل، إلى حين الحصول على العمل المناسب حسب تخصصي. لكن طيلة سنوات من البحث والخذلان، تقمّصت عدّة أدوار حتى أرضي أيّ لجنة، في محاولة مني للتكيّف مع أيّ عمل أرى أنّه بسيط ولا يتطلّب تكوينًا معيّنًا، حتى وإن لم يرضني العرض، شريطة ألا أفقد كرامتي أو ثقتي في نفسي".
تضيف رُقيّة (33 سنة): "وكنت في كلّ مرّة أعتقد أنّ البحث عن عمل هو مجرّد انتظار طويل، ومراحل تبدأ بالتواصل أولًا، ثمّ إرسال سيرة ذاتية إن طُلِبَت، فمقابلة. لكن مع عروض الشغل على مواقع التواصل الاجتماعي تغيّر الوضع إلى مجرّد رسائل افتراضية أغلبها لا أتلقّى بشأنها أيّ رد، وفي أفضل الحالات مجرّد ردود بسيطة دُوّن فيها سنُعاود الاتصال بك لاحقًا. لكن لم يخبرني أحد أنّ الطريق مليء بالفخاخ، وأنّ بعض عروض الشغل تلك ليست إلاّ مجرّد وسيلة للتحرّش أو لجر البعض لغايات أخرى، وأنّها مجرّد عروض وهمية لتصيد الفتيات وجرّهن إلى محادثات غير أخلاقية".

شابة تونسية لـ"الترا تونس": بعض عروض الشغل ليست إلاّ مجرّد وسيلة للتحرّش أو لجر البعض لغايات أخرى، هي مجرّد عروض وهمية لتصيد الفتيات وجرّهن إلى محادثات غير أخلاقية
ما عبّرت عنه هذه الفتاة ليس حالة فردية معزولة، بل هو صوت خافت لظاهرة آخذة في الانتشار، إذ تتحوّل منصات التواصل الاجتماعي من فضاء يسهل ويسرّع إعلانات الشغل إلى مصائد مموّهة بالوعود الكاذبة. إذ لا تعدو أن تكون تلك العروض سوى عروض وهمية تُخفي نوايا مختلفة، غايتها ليس إلاّ التحرّش أو جرّ البعض إلى أعمال أخرى غير تلك المدونة في الإعلان.
وتعدّ رقية واحدة من بين آلاف الفتيات اللاتي تعرّضن للتحرش خلال بحثهنّ عن فرصة عمل في تلك العروض التي تنشر على مواقع التواصل الاجتماعي. اكتشفت أنّ "بعضها لم يكن سوى عرضًا وهميًا لافتعال محادثات مع الفتيات أو جرّهن إلى أعمال أخرى على غرار العمل في مراكز التدليك أو الملاهي، لتنتهي أغلب المحادثات بـ"بلوك"، وفق قولها.
العديد من العروض تُنشر يوميًّا في عدّة صفحات، أغلبها غير مخصّص لعروض الشغل فقط، دُوّن فيها "مطلوب موظفات استقبال أو مساعدات إدارة"، أو "مطلوب عاملات في محلّ لبيع الملابس أو موادّ تجميل وغيرها"، و"هل تُريدين العمل من البيت لكسب دخل شهري محترم" وغيرها من العروض والعناوين التي تمثّل بصيص أمل لعدّة باحثات عن عمل. لكنّ بعضها ينتهي برسائل مُحدّدة، مثل: "هل لديك صورة أوضح؟"، و"هل تستطيعين العمل لوقت متأخر؟"، و"هل تقبلين العمل في أي مجال؟"، وحتى "هل ممكن أن نلتقي خارج المكتب؟" أو "هل نستطيع إجراء مقابلة خاصة عبر الفيديو؟".
ويمثّل التحرش بالفتيات الباحثات عن عمل عبر مواقع التواصل الاجتماعي ظاهرة مقلقة تتزايد مع توسّع استخدام هذه المنصات كوسيلة للتوظيف. إذ يستغلّ بعض الأفراد هذه المنصات لاستدراج الفتيات من خلال إعلانات وهمية أو وعود كاذبة بالعمل، مستغلّين حاجتهن للعمل. وغالبًا ما يبدأ التحرّش برسائل غير مهنية، تتضمّن إيحاءات جنسية أو طلبات غير لائقة تحت غطاء المقابلات أو التوظيف.
فرص وهمية غايتها التحرّش
من جهتها تقول عائشة: "إنّها أنهت دراستها الجامعية منذ سنتين، لتخوض منذ ذلك الوقت رحلة البحث عن وظيفة أو أيّ عمل توفر من خلاله بعض المداخيل الشهرية". تُضيف: "لا وساطة لديّ ولا معارف، ولكنّي كنت أطرق أيّ باب قد تتوفر فيه فرص عمل. ولم أفوّت فرص البحث حتى في تلك العروض التي تُنشر في مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصًا في فيسبوك".
تُشير عائشة إلى أنّها "تعرّضت إلى التحرّش أكثر من مرّة، بعد تواصلها مع أصحاب أغلب تلك العروض، لتكتشف أنّها مجرّد وعود وهمية، الغاية منها فقط استدراج الفتيات. فعادةً ما تأتي أولى الردود: "صورتك جميلة في البروفايل، وهذا المطلوب فالوظيفة تتطلّب حضورًا وشكلًا مقبولًا". وتتبعها جملة من الأسئلة مثل: "هل أنت مرنة في التعامل خصوصًا خارج أوقات العمل؟".

تضيف متحدثةً عن تفاصيل إحدى العروض: "نُشر عرض على فيسبوك من قبل شخص على إحدى الصفحات غير المخصصة لعروض الشغل فقط، وكان المطلوب فتاة تعمل كبائعة في أحد محلات بيع الملابس الجاهزة. وعلى الرغم من حصولي على شهادة تقني سامي في الإعلامية، إلاّ أنّني لم أكن أمانع الاشتغال في أيّ عمل يكسبني مداخيل إلى حين حصولي على عمل يناسب تخصصي. فقد كنت أطرق كلّ باب برسالة حتى وإن كان العرض لا يتلاءم وتكويني الجامعي، فالمهم أن أعمل وأتدبّر بعض المصاريف".
شابة تونسية لـ"الترا تونس": تعرّضت إلى التحرّش أكثر من مرّة، بعد تواصلي مع أصحاب أغلب تلك العروض، لأكتشف أنّها مجرّد وعود وهمية، الغاية منها فقط استدراج الفتيات
تضيف: "بعد تواصلي بصاحب العرض على الخاص، طلب مني إرسال صورة بدعوى أنّه يشترط الشكل المقبول. ولم يطلب أيّ معلومات أخرى عن تجربتي في مجال المبيعات مثلًا أو أيّ شيء له علاقة بالعمل، فقط طلب صورة لي. وبعد إرسالي لصورة طلب مني مجموعة صور أخرى وتغيّرت المحادثة لتنتقل من الحديث عن طبيعة العمل إلى نوع من التغزّل والتحرّش. وصُدمت حين سألني ما إذا كنت على استعداد للعمل في ملهى ليلي".
وتختم قائلةً: "منصات التواصل الاجتماعي تحوّلت بالنسبة إليّ إلى فضاء للتحرّش يستغلّه البعض للإيقاع بالفتيات، خصوصًا الباحثات عن عمل، ولم أعد أخاف من البطالة بقدر ما أخاف أن يتحوّل حلم الحصول على عمل إلى فخ. ولم أعد أبحث فقط عن شغل، بل عن مصادر عروض شغل آمنة".
شابة باحثة عن عمل لـ"الترا تونس": منصات التواصل الاجتماعي تحوّلت بالنسبة إليّ إلى فضاء للتحرّش يستغلّه البعض لاستغلال الفتيات، خصوصًا الباحثات عن عمل
تجريم التحرّش
العديد من النصوص القانونية في تونس جرّمت التحرّش بجميع أنواعه، حتى تلك الممارسات اللاأخلاقية التي تدور في العالم الافتراضي تحت أيّ مسمّيات أو حسابات وهمية. إذ ينصّ الفصل 226 من القانون عدد 73 لسنة 2004 مؤرّخ في 2 أوت/أغسطس 2004، المتعلّق بتنقيح وإتمام المجلة الجنائية بخصوص زجر الاعتداءات على الأخلاق الحميدة وزجر التحرش الجنسي، على أنّه: "يعاقب بالسجن مدة ستة أشهر وبخطية قدرها ألف دينار كل من يعتدي علنًا على الأخلاق الحميدة أو الآداب العامة بالإشارة أو القول، أو يعمد علنًا إلى مضايقة الغير بوجه يخلّ بالحياء". ويستوجب نفس العقوبات المذكورة بالفقرة المتقدّمة كل من يلفت النظر علنًا إلى وجود فرصة لارتكاب فجور وذلك بكتابات أو تسجيلات أو إرساليات سمعية أو بصرية أو إلكترونية أو ضوئية. كما يعاقب بالسجن مدة عام وبخطية قدرها ثلاثة آلاف دينار مرتكب التحرّش الجنسي.

ويُعد تحرّشًا جنسيًّا كل إمعان في مضايقة الغير بتكرار أفعال أو أقوال أو إشارات من شأنها أن تنال من كرامته أو تخدش حياءه، وذلك بغاية حمله على الاستجابة لرغباته أو رغبات غيره الجنسية، أو بممارسة ضغوط عليه من شأنها إضعاف إرادته على التصدي لتلك الرغبات. ويضاعف العقاب إذا ارتكبت الجريمة ضد طفل أو غيره من الأشخاص المستهدفين بصفة خاصة بسبب قصور ذهني أو بدني يعوق تصديهم للجاني.
ولا يُجرى التتبع في جريمة التحرّش الجنسي إلاّ بطلب من النيابة العمومية بناءً على شكاية من المتضرّر.
وفي صورة صدور قرار بأنّ لا وجه للتتبع أو إذا صدر الحكم بعدم سماع الدعوى العمومية، جاز للمشتكى به أن يطلب التعويض عن الضرر الحاصل له، دون أن يمنع ذلك عند الاقتضاء من تتبع الشاكي من أجل الادعاء بالباطل.
العديد من ضحايا التحرّش ليس لديهنّ دراية بأنّ القانون جرّم أيضًا التحرّش الإلكتروني. في المقابل، حتى البعض ممن لديهن علم بتفاصيل القانون، لا يجرأن على رفع شكاية، سواء بسبب غياب الأدلة القاطعة، أو بسبب عدم القدرة على اكتشاف أصحاب تلك الحسابات الوهمية، أو نتيجة عدم القدرة على دفع تكاليف التقاضي وأجرة محامٍ بسبب جهلهن أيضًا بحقهنّ في التمتّع بالإعانة العدلية التي تمكنهنّ من تكاليف جميع مصاريف أي قضية من أجرة محامٍ إلى عدل تنفيذ وغيرها من مصاريف قد تحتاجها خلال كافة أطوار التقاضي.
الكلمات المفتاحية

هل تدق أمطار 2026 صفارة الإنذار؟ مختصّون يفكّكون أزمة التخطيط في تونس
رئيس غرفة الباعثين العقاريين لـ"الترا تونس": المشكل الأساسي يكمن في تفشي البناء العشوائي، الذي تمثّل نسبته 54% من البنايات المنجزة دون رخصة بناء.. وأصغر مثال تهيئة في تونس عمره 16 سنة

رفض الإفراج عن عبد الله السعيد وتأجيل محاكمته وسط تضامن حقوقي واسع
عبرت عديد المنظمات والجمعيات الحقوقية عن تضامنها ومساندتها للناشط الجمعياتي عبد الله السعيد ودعت إلى الإفراج عنه وإيقاف كلّ التتبّعات ضدّه

الدورة الشهرية والمراهقات في المدارس.. آلام جسدية وغياب للتوعية
"في اليوم الأول من الدورة، لا تشبه ابنتي نفسها" هكذا عبّرت الأمّ عن حالة ابنتها وهي تحاول أن تختار كلماتها بحذر: "هي في العاشرة من عمرها فقط، لكن جسدها قرر أن يسبق عمرها بخطوات"

الغابات التونسية بين التحديات البيئية والقانونية.. دعوة لمراجعة شاملة لمجلة الغابات
تعد الغابات التونسية أحد المكونات البيئية الحيوية للنظام الإيكولوجي الوطني، ليس فقط من حيث الغطاء النباتي، بل لدورها الفاعل في تحقيق التوازن المناخي، والحفاظ على التنوع البيولوجي، ودعم التنمية المستدامة للمجتمعات المحلية، وفق المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية

عمال شركة "Sanofi" يقرّون إضرابًا إثر اعتزام الشركة إيقاف نشاطها بتونس
الاتحاد الجهوي للشغل بتونس يمدّد بقرار شركة "سانوفي أفانتيس تونس" (Sanofi) إيقاف نشاطها في تونس، وهو القرار الذي وصفته الهياكل النقابية بالتعسفي وغير المبرر اقتصاديًا

هل تدق أمطار 2026 صفارة الإنذار؟ مختصّون يفكّكون أزمة التخطيط في تونس
رئيس غرفة الباعثين العقاريين لـ"الترا تونس": المشكل الأساسي يكمن في تفشي البناء العشوائي، الذي تمثّل نسبته 54% من البنايات المنجزة دون رخصة بناء.. وأصغر مثال تهيئة في تونس عمره 16 سنة

قصر صقانس بالمنستير.. ذاكرة التحديث في تونس البورقيبية
قصر صقانس بالمنستير جاء تشييده في سياق الرؤية التحديثيّة التي كانت تسكن العقل السياسي للزعيم الحبيب بورقيبة، وقد صرّح بذلك في أكثر من مكان. وقد حازت مدينة المنستير مسقط رأس الزعيم النصيب الأوفر من إنجازات المهندس المعماري "كاكوب".

حماية الشريط الساحلي: 1000 اعتداء على السواحل سنويًا و"الكوكو بيتش" غير قانونية
يشهد الشريط الساحلي في تونس "تصاعدًا في وتيرة التعديات، ما يهدد توازنه البيئي ويقوّض حق المواطنين في الولوج الحر إلى الشواطئ"، وفق وكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي وقد تم "تسجل المصالح الرقابية نحو 1000 مخالفة سنويًا"، بحسب ما أفاد به مدير إدارة الملك العمومي البحري بالوكالة، محمد الأسعد الدوفاني
