عرض رقوج.. مساحة للوفاء والوجع
16 يوليو 2025
احتضن مسرح الحمامات العرض المسرحي الموسيقي الراقص "رقوج" في افتتاح الدورة 59 لمهرجان الحمامات الدولي، بتاريخ 11 جويلية/يوليو 2025. وهو العرض الذي لم يكن اختياره للافتتاح محض صدفة، خصوصًا وأن شعار هذه الدورة هو "نبض متواصل"، لتكون النبضة الأولى مليئة بالحياة والألوان والرقصات المدروسة خطوة بخطوة. فتجعل منها كوريغرافية العرض "أميمة المناعي" لوحات راقصة معبرة عن الحالات والوضعيات النفسية المختلفة التي يمر بها الإنسان عامة وأهل "رقوج" خاصة طيلة ساعتين ونصف.
هذه اللوحات الراقصة هي قطع من الـ"Puzzle" المتكاملة ضرورةً مع ما خطّته أنامل "حمزة بوشناق" من نوتات موسيقية وما نُسج من كتابة مسرحية للأخ الأكبر "عبد الحميد بوشناق". وكان المايسترو "راسم دمق" هو الركن الرابع لهذه اللوحة الديناميكية الحسيّة المشهدية التي أُثثت بأكثر من 120 شخصًا بين ممثلين وموسيقيين وراقصين وتقنيين.
افتتاح الدورة 59 لمهرجان الحمامات الدولي بالعرض المسرحي الموسيقي الراقص "رقوج".. لوحة ديناميكية حسيّة مشهدية، أُثثت بأكثر من 120 شخصًا بين ممثلين وموسيقيين وراقصين وتقنيين
سينوغرافيا هذا العرض هي شيء أقرب لخيالية رقوج، تتمتع بسحر لا مفّر منه. أين انشدّ كل فرد من الجمهور الحاضر، كامل العدد، إلى تفاصيل ومكونات تتغيّر دلالاتها مع تغيّر المشهد والإضاءة والمشاعر المغدقة منها عليه.
اُستُهلّ العرض بدخول محمد شوقي بلخوجة ونثره لريش أبيض وكأنه يُعلن بداية المغامرة ويستدعي الحاضرين إلى "المملكة الرقوجية". ومنذ تلك اللحظة، ما انفكت العيون عن متابعة الركح ولا القلوب على انتظار ما ستحياه من مشاعر تراوحت بين الفرح والحزن والغضب والشفقة والحب والانتقام والتجبر وكل ما يخالج الذات البشرية من صراعات داخلية.
"رقوج القرية" اقتطعت تذكرة سفر وحطت على ركح الحمامات الذي يُفتح بتصميم نصف دائريّ على بحر، كان مخَاض موجاته تلك الليلة "يحيا نا" و"الشباك الموّحد". بعض من جُمل العرض التي استبق الجمهور ترديدها على غرار العديد من المشاهد الأخرى.
لا تقتصر إطلالة المسرح الروماني على البحر فقط، فخضرة الأشجار بدورها كانت بوابة أخرى تكمل هذا المشهد. فتداعب ضحكات الجمهور تارة ودنداناته تارة أخرى أوراقها المتمايلة على ألحان بوشناق التي عُزفت على أوتار قلوب الحاضرين لما تحمله من مشاعر ومفاتيح الميكانيزم الحسي للإنسان.
البلدية، مركز الشرطة، مستوصف رقوج، الخياطة، السوق هي الأماكن التي ركّبت تفاصيلها بكل عناية، أين تتالت المشاهد وتتالت معها الرقصات المتماشية معها باتقان محكم وهي من أبرز نقاط قوة العرض.
هو ليس بالإعادة العمياء أو "المونوتونية" للمسلسل، بل إعادة كتابة مطوّعة للمسرح حملت القضايا الرئيسية للمسلسل بجزئيه، فُكّت بها بعض الرموز المخفية لهذا الأخير.
وفي لحظة مفصلية من هذه المغامرة، غادرت رقوج عالمها الخياليّ ورسائلها الضمنية والمشفّرة لتواسي الواقع الأليم بمشاهد واضحة وشفافة منتصرة للعاملة الفلاحية. فارتفعت نغمة "هذي غناية ليهم" بصوت لطفي بوشناق، لتصبح أكثر من مجرد موسيقى كأنها نشيد للكرامة، وصرخة فنية في وجه النسيان أو التناسي. تزامنًا مع كلمات الأغنية، عرضت الشاشات المصاحبة للركح صورًا وإحصائيات موجعة عن نساء ريفيات لقين حتفهنّ على الطرقات، في الحقول، وفي غياب لتحركات السلطات. وكانت بمثابة الشهادات التي شاركت صمتها مع حركات الأجساد وصرخاتها التي تحاكي ثقل الأعباء اليومية التي تحملها النساء في صمت وقهر، لتنطلق بعد ذلك الكوريغرافيا في موجات متناسقة من حركات التمرد والانعتاق.
لم تكن هذه اللحظة عابرة، كانت لحظة وعي جماعي انكتمت فيها الأنفاس وارتفعت المحارم في المدرجات لتعانق محارم الراقصين والممثلين في مشهد تضامني شقّ جرح الوجع الموحّد.
لحظة اختلط فيها الفن بالوجدان، وذابت فيها المسافات بين المتفرج والمؤدي، ليمسي الكل صوتًا واحدًا في حضرة هؤلاء المنسيات.
لم تكفّ هذه الشاشات عن الاعتراف، فقد عرضت شريطًا للعديد من الوجوه الفنية والممثلين المتوفين كتذكار وترحّم عليهم أبرزهم الممثل فتحي الهداوي، والذي شغل منصب مدير مهرجان الحمامات من 2011 إلى 2014، ياسر الجرادي والعديد من الأسماء الأخرى التي لم يتردد الجمهور لحظة في الاحتفاء بها من خلال التصفيق والترحمّ على أرواحهم.
لم يغب عن عرض "رقوج" عرض شريط للعديد من الوجوه الفنية والممثلين المتوفين كتذكار وترحّم عليهم أبرزهم الممثل فتحي الهداوي و"أحمد العبيدي" (كافون) الذي لاقى جمهور مهرجان الحمامات عبر الذكاؤ الاصطناعي
عرض حضر فيه أغلب ممثلي المسلسل الرمضاني وغاب عنه بعض آخر باختيار من المخرج للحفاظ على طابع الاحتفالية لهذا العرض باعتبار إطاره.
لكنّ بوشناق أصّر على استدعاء روح "أحمد العبيدي" (كافون) والتي لا يمكن للموت أن يحول دونها، ليستغل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لاستحضاره وملاقاته بالجمهور الحاضر وليغني معهم وخصوصًا على مسرح الحمامات، الذي كان حلم "كافون" قبل عامين حسب ما صرّح به المخرج في نهاية العرض.
وفي بادرة مؤثرة، تم توزيع أوراق ملونّة كُتب عليها "وقت يبدى كافون يغنّي حط الورقة على ضوء تليفونك" وهنا تحولت المدارج إلى فسيفساء ملونة انصهرت ألوانها مع ألوان الركح لتتوحد الفرحة بحضور كافون وبسماعه يغني بعدما قدم تحية لجمهور رقوج وجمهور الحمامات. وعلا من بينهم نشيج عجز الفن عن كتمانه، وارتفعت الأيادي كانها تحييه أو تستبق لقاءً مؤجلًا.
انتهى فيديو كافون بحمام اخترق الشاشة ليصل الجمهور ويعانقه، حمامات سوداء وبيضاء حاكى سوادها ظلمة ما بعد الموت وبياضها "حنوّ قلب كافون وبياضه".
طارت الحمائم في سماء الحمامات وكأنه وصلة بين العرض والعالم الفوقي، توصل لكافون المحبة التي أبرزها الجمهور من خلال غنائه معه المختلط بدموع الاشتياق والترحم. وهنا لم يكن مجرد تكريم، بل ذاكرة حيّة عبرت الركح، وزرعت في قلب كل متفرّج غصّة، وامتنانًا.
مسرح الحمامات والقصة "الرقوجية" تشاركا في محاربة الشكل، فالمسرح ببنائه النصف الدائري بمدارج متميّزة بإطلالة مفتوحة تطل على بحر وأشجار، هو مجسدّ في الأحداث المتسلسلة بإحكام في عرض رقوج وبالتناسق المحكم بين الموسيقى والرقص والمسرح وبانفراج الأحداث في آخر العرض وكأنها بداية أخرى لنهاية متعددة التحليل والتأويل. وتبيّننا مليًا أن الفن لا يكتفي بأن يُبهر بل يمكنه أن يواسي، وأن يذكّر، وأن يغيّر.
الكلمات المفتاحية
رواية "قبو الحفصية" لمحمد أمين بن هلال.. سرد شجاع يرسم الألم بلغة سينمائية
رواية "قبو الحفصية" الصادرة مؤخرًا للكاتب الصحفي محمد أمين بن هلال قُدّت من فكرة "الألم".. الرواية تحفر عميقًا في الجانب النفسي وخاصة علاقة الإنسان بالذاكرة
مسلسل المطبعة.. "الفشل" الناجح
يقوم مسلسل "المطبعة" الذي بث خلال شهر رمضان 2026 في جانب منه أو أغلبه على ثيمة الفشل.. فلا يكاد يخلو مشهد في المسلسل من شخصيات مجبولة، أو تكاد، على الفشل
فلسطين 36.. فيلم مضاد للزهايمر السياسي
يعرض فيلم "فلسطين 36" جذور المأساة الفلسطينية، ويكشف الدور الذي لعبته القوى الاستعمارية، وعلى رأسها بريطانيا، في صياغة واقع جيوسياسي خانق للفلسطينيين
تعرّف على التركيبة الكاملة للإدارة الوطنية للتحكيم
أعلنت الجامعة التونسية لكرة القدم عن التركيبة الكاملة للإدارة الوطنية للتحكيم وتتضمن..
خلاف بين الفنان رؤوف ماهر ومهرجان المنستير.. ما القصة؟
وجه الفنان رؤوف ماهر رسالةً إلى مدير مهرجان المنستير الدولي إثر..
موجة حرّ متوقعة في تونس الأسبوع القادم
المرصد التونسي للطقس والمناخ: الحرارة ستكون أربعينية في أغلب المناطق التونسية لعدة أيام أي من 40 إلى 45 درجة عمومًا على أغلب المناطق التونسية
طقس تونس.. درجات الحرارة القصوى تصل إلى 43 درجة
أعلن المعهد الوطني للرصد الجوي أن طقس اليوم الأربعاء 19 أوت/أغسطس 2026 سيكون..