ultracheck
مجتمع

عادة "الڨرش" الرمضانية في تونس بين التقاليد العائلية والجذور التاريخية

28 فبراير 2025
عادة الڨرش في تونس بين التقاليد العائلية والجذور التاريخية.jpg
بمرور الزمن لم تعد عادة "الڨرش" مقتصرة على البيوت فقط، بل أخذت أبعادًا اجتماعية أوسع
إيمان السكوحي
إيمان السكوحي صحفية من تونس

"على شنوّة باش تڨرشوا عام السنة؟"، "شنوّة ڨرشتوا؟" أو غيرها من الأسئلة التي قد سمعتها يومًا ما خاصّة في آخر أيام شهر شعبان واستغربت معناها.

 

في بعض البيوت التونسيّة، تحمل ليلة "الڨرش" طابعًا خاصًا، إذ تجتمع العائلات حول أطباق تقليدية تعدها الأمّهات بحب مثل المحكوكة، المدموجة، والرفيسة.. في مشهد يعكس دفء التقاليد الرمضانية. حتّى أنّه يردّد في شأنها المثل التالي: "اليوم الڨرش وغدوة طيّان الكرش".

وهذا الطقس المتوارث لم يكن مجرد مناسبة لتذوق نكهات الزمن الجميل، بل هو وسيلة لتشجيع الأطفال على خوض تجربة الصيام بروح إيجابية.

فماذا تعرف عن عادة "الڨرش"؟ وكيف تختلف من ولاية إلى أخرى؟

أسئلة يجيب عنها "الترا تونس" في هذا التقرير.

تحمل ليلة "الڨرش" طابعًا خاصًا في بعض البيوت التونسيّة إذ تجتمع العائلات حول أطباق تقليدية تعدها الأمّهات بحب في مشهد يعكس دفء التقاليد الرمضانية

بين الماضي والحاضر.. كيف تعيش العائلات التونسية ليلة الڨرش؟

يُضفي الڨرش في تونس جوًا عائليًا مميزًا، حيث يجتمع أفراد الأسرة في أجواء دافئة للاحتفال بهذه العادة الرمضانية المتوارثة.

وغالبًا ما تكون "اللمّة" في بيت الأخت الكبرى أو الأم أو حتى الجيران، وتجتمع فيها النسوة حول مجموعة من الأطباق المختلفة يقع تحضيرها مسبقًا.

وفي هذا الإطار، تتحدّث الشابّة منال مخبي (32 سنة) لـ"الترا تونس" عن تجربتها مع هذه العادة العائلية فتقول: "لطالما رأيت أمي تتحمّس لهذا اليوم، إما باستقبال خالاتي في منزلنا أو بالذهاب إلى بيوتهن، لكن لم أكن أفهم السبب الحقيقي وراء ذلك".

وتابعت: "عندما فسّرت لي المعنى الحقيقي للڨرش، قرّرت الالتزام بإحياء هذه العادة مع صديقاتي أو حتى زملائي في العمل، وأستحضر مرّة شاركت معنا مديرتي فكانت الأجواء رائعة وساهمت حتى في تخفيف الأجواء المشحونة بين بعض زملاء العمل".

يُضفي الڨرش في تونس جوًا عائليًا مميزًا.. وبمرور الزمن لم تعد هذه العادة مقتصرة على البيوت فقط، بل أخذت أبعادًا اجتماعية أوسع خاصة مع انتشار المبادرات الخيرية

وتصف منال أجواء السنة الماضية فتقول إن الاجتماع كان في بيت خالتها هادية، وكانت "العصيدة الحمراء" سيّدة المائدة بالإضافة إلى حلويّات ومملّحات مختلفة تكفّلت كلّ واحدة بإحضار بعضها، مشدّدة على أنّها "لحظات لا تنسى خاصّة وأنّ المحادثات المضحكة وحكايات الذاكرة هي التي تضفي سحرًا خاصًّا على الأجواء"، وفقها.

البعد الاجتماعي والتضامني للڨرش في تونس

بمرور الزمن، لم تعد هذه العادة مقتصرة على البيوت فقط، بل أخذت أبعادًا اجتماعية أوسع، خاصة مع انتشار المبادرات الخيرية. وفي هذا السياق، تعمل جمعية رفق للتنمية البشريّة على إحياء تقليد الڨرش بلمسة إنسانية، من خلال توزيع اللحوم والمؤونة على العائلات المحتاجة.

 

​إحياء تقليد الڨرش بقبلي في تظاهرة نظمتها جمعية رفق للتنمية البشريّة (صورة ياسين بن سالم/صفحة الجمعية)

 

ويوضّح رئيس الجمعيّة فتحي عون، في تصريح لـ"الترا تونس" الهدف من هذه المبادرة قائلاً: "في الماضي، كانت العائلات القادرة على ذلك تجتمع داخل البيوت لتحضير الڨرش. لكن اليوم، توسعنا ليصبح نشاطًا تكافليًا. بدأنا بذبح عدد محدود من الخرفان، ومع تزايد الدعم، وصلنا هذا العام إلى ذبح خمس من الإبل. والأهمّ بالنسبة لنا هو الحفاظ على كرامة المستفيدين، لذا تتم عملية التوزيع في سرية تامة، حيث لا نعرف حتى أسماء العائلات التي تتلقى المساعدات. نحن نؤمن بأن العطاء يجب أن يكون خالصًا، بعيدًا عن أي اعتبارات أخرى."

رئيس جمعية خيرية لـ"الترا تونس": كانت العائلات تجتمع داخل البيوت لتحضير الڨرش في الماضي، لكن اليوم، توسعنا ليصبح نشاطًا تكافليًا وعملية التوزيع تتم في سرية تامة

ويضيف محدّثنا: "عمليّة الذبح تمّت بمنطقة الربوة الخضراء من ولاية قبلي، وكانت وسط جو احتفالي بهيج فيه استعادة لعادة الأجداد واستعداد لشهر الرحمة والغفران"، موجّهًا شكره لكل من ساهم في إحياء هذه العادة وديمومتها، وفق تصريحه لـ"الترا تونس".

 

​إحياء القرش في جو احتفالي فيه استعادة لعادة الأجداد واستعداد لشهر رمضان (صورة ياسين بن سالم/صفحة جمعية رفق للتنمية البشريّة)

 

أصول الڨرش.. بين الروايات التاريخية والتأثير العثماني

تعود جذور هذه العادة إلى قرون مضت، حيث تُروى قصص مختلفة عن نشأتها. فوفقًا لإحدى الروايات التاريخية التي وقع تداولها في مواقع اخباريّة سعوديّة، فإن أصل يوم الڨرش يعود إلى رجل كان يجلب الطعام في مكان قريب من الحرم المكي في نهاية شهر شعبان، ويدعو إليه الفقراء والبدو الرحل، ليكون بمثابة وداع للأكل قبل بداية الصيام.

فيما تذهب رواية أخرى إلى أن هذا التقليد نشأ في قصر عثمان الأول بن أرطغرل، حيث كان يخصص يومًا لتوزيع الطعام على الفقراء من المسلمين قبل حلول رمضان، وانتقل هذا التقليد لاحقًا إلى الجزيرة العربية ومنها إلى بلدان أخرى، بما فيها تونس.

تعود جذور هذه العادة إلى قرون مضت، حيث تُروى قصص مختلفة عن نشأتها.. ورغم اختلاف الأصول، فإن هذه العادة استقرت في تونس وأخذت طابعًا محليًا مميزًا

ورغم اختلاف الأصول، فإن هذه العادة استقرت في تونس وأخذت طابعًا محليًا مميزًا، حيث أصبحت فرصة للعائلات للالتقاء والاستعداد للشهر المعظّم.

لكن مع تغير نمط الحياة، يبدو أن هذا التقليد يواجه تحديات قد تهدّد استمراريته. فهل سيبقى الڨرش كما عرفناه، أم أننا سنروي قصصه لأبنائنا كذكرى جميلة من الماضي؟ سؤال يظل معلقًا، لكنه يعكس أهمية الحفاظ على هذه العادات التي تشكل جزءًا من الهوية الثقافية التونسية.

 

الكلمات المفتاحية

قطاع الأدوية في تونس.. من أزمة نقص "متذبذبة" إلى أزمة "متواصلة" لخلاص الصيدليات

زيادات في أسعار الأدوية تخلّف استياءً واسعًا ومخاوف على المرضى في تونس

خلّفت مراجعة أسعار عدد من الأدوية، وإقرار زيادات في أسعار عدد منها، بعد المنشور الصادر مؤخرًا عن الصيدلية المركزية المتعلق بتحيين أسعار الأدوية والذي شمل نحو 300 دواء، تفاعلات عديدة في تونس.


البلاستيك مقابل الكراسات.. مبادرة بيئية في قرقنة لحثّ التلاميذ على جمع النفايات

البلاستيك مقابل الكراسات.. ما قصة هذه المبادرة البيئية الفريدة في قرقنة؟

مبادرة بيئية في قرقنة تحثّ التلاميذ على جمع النفايات مقابل مستلزماتهم المدرسية بعنوان "قرقنة صفر بلاستيك" وتحت شعار "معًا لعودة مدرسية سعيدة وبيئة نظيفة".. إليك التفاصيل


الجبال في تونس مريم الناصري الترا تونس

قمم مبتورة.. عندما تتحول الجبال في تونس إلى أكياس أسمنت

"ندوب" بيضاء ورمادية هائلة تشقّ الجبال وتلوح للناظر من على بعد كيلومترات. إنّها مقاطع الحجارة والرخام والحصى التي تعمل منذ عقود دون توقف..


انقطاع الكهرباء الشاذلي بن إبراهيم Getty

عندما ينقطع الكهرباء… كيف يواصل التونسي حياته؟

أصبح غياب التيار الكهربائي اختبارًا يوميًا لقدرة الأفراد والمهنيين على إيجاد بدائل سريعة، من استعمال أضواء السيارات إلى تغيير ساعات العمل، مرورًا بتأجيل بعض الأنشطة أو إعادة تنظيمها وفق مواعيد عودة الكهرباء

نوفمبر خريف طقس.jpg
مجتمع

لماذا ينتظر تونس خريف استثنائي؟ مختص في الشأن البيئي يوضّح

حمدي حشاد (مختص في الشأن البيئي): من المتوقع استمرار ارتفاع درجات الحرارة بشكل ملحوظ خلال أشهر الخريف، فضلًا عن تأثير ظاهرة "النينيو" المناخية

مخدرات.jpg
مجتمع

سوسة.. الحرس الوطني يكشف عن شبكة لترويج المخدرات وغسيل الأموال

تم حجز سيارتين تستعملان في نقل وترويج المواد المخدرة ومبلغ مالي هام بالعملة التونسية، يشتبه في كونه من عائدات الترويج


جمعية تقاطع وثّقنا شهادات نساء متضررات من القمع السياسي خارج أسوار السجن
سیاسة

رابطة حقوق الإنسان: انتهاكات طالت 113 امرأة في تونس خلال سنتين

نشرت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان معطيات كمية حول الإبلاغات المتعلقة بالانتهاكات المسلطة على النساء..

إليسا
ثقافة وفنون

إليسا ترمي الكوفية في مهرجان قرطاج وتثير موجة انتقادات

أثارت الفنانة اللبنانية إليسا جدلًا واسعًا بعد تداول مقطع فيديو ظهرت فيه وهي..

الأكثر قراءة

1
سیاسة

هيئة الدفاع: إعادة راشد الغنوشي إلى السجن بعد إخفائه وعزله لمدة 3 أسابيع


2
ثقافة وفنون

حين يتجاوز الإعجاب بالفنانين حدود المسرح.. ماذا يحدث خلف هوس المعجبين؟


3
سیاسة

5 أشهر من الإيقاف.. إضراب جوع يُفاقم المخاوف على صحة نشطاء أسطول الصمود


4
سیاسة

قيس سعيّد: الإصلاحات التعليمية المتعاقبة لم تكن بريئة وبعضها أُملي من الخارج


5
مجتمع

مأساة في القيروان.. البحث عن الكنوز ينتهي بفاجعة داخل دهليز