ultracheck
رأي

ظرف مسموم

17 ديسمبر 2025
ظرف مسموم
صورة أرشيفية بتاريخ 19 جوان 2022 بتونس العاصمة (الشاذلي بن إبراهيم/ NurPhoto /Getty)
بسام بونني
بسام بوننيصحفي وكاتب تونسي

مقال رأي 

 

في ليلة ساخنة من ليالي شتاء 2010-2011، كانت آلة التّقتيل البشعة تُحاصر مجموعة من المتظاهرين في حيّ الزّهور، بالقصرين. مرّت السّاعات طويلة ثقيلة، قبل أن تنسحب قوّات الأمن. تقدّم أحد النّشطاء إلى مبنى حكوميّ لإنزال العَلَم. همّ برميه في النّار. لكنّ رفاقه صرخوا صرخة رجُل واحد: "إلّا العَلَم"!

قد يكون استشهد بعض من المتظاهرين الحاضرين في ذلك المشهد. لست متأكّدًا. ما أنا متأكّد منه، أنّهم ساهموا مساهمة لا تُقدّر بثمن ولا تُقاس بأيّ وِحدة في تخليص تونس من نظام بن عليّ وهم يُردّدون شعار "شغل - حرّيّة - كرامة وطنيّة"!

لطالما تذكّرت هذا المشهد، الّذي أعتبره الأقوى والأعمق في ثورة الحرّيّة والكرامة، وتوقّفت عنده طويلًا. وبات الأمر مُلحًّا أكثر، اليوم، لما آلت إليه الأمور في البلاد.

لا نحتاج لعدد أكبر من الأرقام حتّى نقف عند المحنة الّتي حلّت بجيل الثّورة، أولئك الّذين وُلدوا بين تحوّلين تاريخيّين في ذاكرة البلاد، الأوّل حُلم بالتّغيّير والثّاني كابوس بالعودة إلى المُربّع الأوّل للاستبداد

يا تُرى، ما الّذي حلّ بأولئك المتظاهرين؟

أو قد يكونوا أصيبوا بإحباط شديد لعدم محاكمة قتلة رفاقهم من الشّهداء.

اقرأ/ي أيضًا: مجموعة من عائلات شهداء الثورة وجرحاها: الحقوق التاريخية لضحايا الثورة أُهملت

قد يكون بعضهم شارك باعتصامات القصبة، الأوّل فالثّاني ثمّ الثّالث، فأصيب بخيبة أمل كبيرة لما أفرزته التّجربة، من مواصلة تهميش للعناوين الثّلاثة الرّئيسيّة التّي رفعوها.

أو قد يكونوا التحقوا بأحد الأحزاب السّياسيّة، في أعقاب رحيل بن عليّ، قبل أن يخرجوا سريعًا، وهم يلعنون السّياسة والسّياسيّين، لما خبِروه من رداءة التّنظيم وفشله في تقديم بدائل دائمة لمشاكلهم الحقيقيّة، ناهيك عن فساده أو سعيه إلى إعادة إنتاج شبكة الزّبونيّة الّتي مكّنت الدّيكتاتور الرّاحل من إحكام قبضته على البلاد. ولا غرابة لو أنّ بعضهم بات يتحسّر على تلك الأيّام أو أن يندفع في تبنّي قراءة مؤامراتيّة ضدّ طغاة المنطقة الآخرين، من معمّر القذّافي إلى بشّار الأسد.

أو قد يكونوا غادروا البلاد خِلسة، إمّا للانضمام لتنظيم متشدّد في إحدى بؤر التّوتّر، فقَتلوا وقُتِلوا، أو ليبتلعهم البحر، قبل أن يبلغوا سواحل أوروبّا المنشودة. وعلى الأرجح أنّهم ضاقوا بالوضع ذرعًا وتقطّعت بهم السّبل.

أو قد يكونوا تعرّضوا لمزيد من المظالم على يد قوّات الأمن أو البيروقراطيّة الإداريّة، والحال أنّ الإصلاح لم يكن ضمن أولويّات الأنظمة والحكومات المتعاقبة، منذ عام 2011.

أو قد يكونوا انزلقوا إلى الإجرام والانحراف والمُخدّرات، أمام إدارة مجتمع برمّته ظهره لهم، بل ووصمهم بما يكرهون من صفات تحقيريّة، بعضها جهويّ وبعضها الآخر طبقيّ.

أو قد يكونوا خبِروا السّجن، لسبب وخاصّة بلا سبب، والحال أنّ معتقلاتنا تفتح أبوابها على مصراعيها وتصرخ "هل من مزيد؟"

أو قد يكونوا عجزوا عن توفير العلاج لأنفسهم أو لقريب عزيز عليهم يُعاني مرضًا عضالًا، في الوقت الّذي تشهد فيه الصّناديق الاجتماعيّة والأدوية أزمة حادّة.

أو قد يكونوا ينتظرون التّصريح بالحكم في قضيّة تدوينة، هنا، أو تغريدة، هناك، على معنى المرسوم 54.

اقرأ/ي أيضًا: المرسوم 54.. منظمات: 3 سنوات من القمع وتكميم الأفواه في تونس

يا تُرى، هل مازالوا على كلمة رجل واحد؟ هل فرّقتهم السّياسة؟ وإن تفرّقوا بالفعل، هل كان ذلك عام 2011، عشيّة انتخابات المجلس التّأسيسيّ؟ أو هي أزمة صائفة 2013 الّتي فرّقت بينهم؟ أو انقلاب الخامس والعشرين من جويلية/يوليو 2021؟

على الأرجح أنّ معدّل أعمارهم لم تكن تتجاوز خمسة وعشرين ربيعًا، أي أنّ معظمهم يبلغ من العمر، اليوم، أربعين عامًا. وتلك سنّ حرجة يرى فيها المواطن، في كثير من الأحيان، مؤشّرات عن نهاية حياته المهنيّة والعائليّة، هذا على اعتبار أنّه وجد عملًا وارتبط بزواج.

لطالما تذكّرت ذلك المشهد، الّذي أعتبره الأقوى والأعمق في ثورة الحرّيّة والكرامة، وتوقّفت عنده طويلًا. وبات الأمر مُلحًّا أكثر، اليوم، لما آلت إليه الأمور في البلاد.

اليوم، أقول لجيل ملحمة العَلَم بحيّ الزّهور بالقصرين والجيل الّذي تلاه: أنا أعتذرُ منكم، حتّى لو تقلّبت مواقفكم! أعتذرُ منكم، حتّى لو كفرتم بمجرّد فكرة التّغيير! أعتذرُ منكم، كفرد وسط مجموعة ساهمت في أن تبلغ الأمور إلى ما بلغته من سوء حدّ الرّعب!

تُشير أرقام المعهد الوطنيّ للإحصاء إلى أنّ نسبة البطالة في الفئة العمريّة المتراوحة بين 15 و24 سنة خلال الثّلاثيّ الثّالث من العام الجاري تجاوزت 40 بالمائة، مقابل 36.8 بالمائة، خلال الثّلاثيّ الثّاني، أي أنّ الأطفال الّذين شاهدوا المشهد الملحميّ بحيّ الزّهور بالقصرين، في شتاء 2010-2011، في الشّارع أو من نوافذ منازلهم، على الأرجح أنّهم لم يحظوا بفرصة حياة كريمة.

"الباروميتر العربيّ"، الّذي تُشرف عليه جامعة "برينستون" الأمريكيّة، يُقدّم لنا بدوره صورة قاتمة لشبابنا. فأكثر من 71 بالمائة من المستطلَعة آراؤهم يُفكّرون في الهجرة.

لا نحتاج لعدد أكبر من الأرقام حتّى نقف عند المحنة الّتي حلّت بجيل الثّورة، أولئك الّذين وُلدوا بين تحوّلين تاريخيّين في ذاكرة البلاد، الأوّل حُلم بالتّغيّير والثّاني كابوس بالعودة إلى المُربّع الأوّل للاستبداد. وبين كلا التّحوّلين، سقطات وخيبات يعجز المسؤولون على اقترافها مجرّد التّوقّف لحظة والتّأمّل ومراجعة الّذات.

قُبيل اغتيال الزّعيم اليساريّ، شكري بلعيد، بأسابيع قليلة، كتبتُ مقالًا من كلمة واحدة في أسبوعيّة "آخر خبر": "فَشِلنا!"

أمّا اليوم، فأقول لجيل ملحمة العَلَم بحيّ الزّهور بالقصرين والجيل الّذي تلاه: أنا أعتذرُ منكم، حتّى لو تقلّبت مواقفكم! أعتذرُ منكم، حتّى لو كفرتم بمجرّد فكرة التّغيير! أعتذرُ منكم، كفرد وسط مجموعة ساهمت في أن تبلغ الأمور إلى ما بلغته من سوء حدّ الرّعب! هذا ليس نِفاقًا ولا تواضعًا مزيّفًا ولا تنصّلًا من المسؤوليّة! هذه كلمة حقّ ما أردتُ بها سوى الحقّ! فقد كنتم رهينة 15 عامًا من التّخبّط.

لكنّ الاعتذار، وهو خالص ومن القلب، ليس إعلان نهاية أو انسحاب. ذاك قدرُنا جميعًا، من أجل ذلك العَلَم الّذي حفظتم له مقامه، في أحلك الظّروف! فما خرجتم من أجله، ذات شتاء، لا يزال يقضّ مضاجع أنظمة المنطقة، من الخليج إلى المحيط. تعلم تلك الأنظمة عِلم اليقين أنّ شيئًا ما عظيمًا حصل كُنتم أنتم من صنعه. تعلم أيضًا أنّها لم تقُم سوى بتنظيف ما تراه جُرحًا في جسمها وتضميده ولكنّه لم يُكوَ بعد.

إنّ الظّرف مسموم! لا شكّ في ذلك! لكنّ شعاركم "شغل - حرّيّة - كرامة وطنيّة" لا يزال قائمًا! 

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

الكلمات المفتاحية

العفو الدولية تونس جاسر عيد الترا تونس

الوحدة في مواجهة الاستبداد.. الممكن وغير الممكن تونسيًا

"صورة تشبيه الرئيس قيس سعيّد بالرئيس السابق زين العابدين بن علي التي استأثرت بالنقاش إثر آخر مسيرات المعارضة بدا من المهمّ رفعها.."


ملعب رادس حسن مراد Getty DeFodi

الانسحاب من "الكان".. أكبر من مجرّد إخفاق رياضيّ

"لا يُرتقَب أيّ تحسّن على المدى القريب والمتوسّط، على الأقلّ، أمام تراكم المشاكل المحيطة بالرّياضة وتعاظمها.."


احتجاجات ANDREAS SOLARO أ.ف.ب.jpg

في معنى التفویض واحتكار المشھد تونسيًا

"إن مفھوم "التفویض" ھو درجة أكثر تقدمًا داخل نسق الخطاب الشعبوي الذي یعتبر أن الشعب ھو فاعل سیاسي موحد یفوضه ضد النخب.."


وحدة المدني والأهلي في انتفاضة مدينة قابس البيئية

2025.. سنة الصّعود إلى الهاوية الشّاهقة!

"البحث عن المشروعيّة هو إقرار ضمنيّ بغياب المُنجَز ومن قبله المشروع. فقد كان عام 2025 عام "الصّفر فاصل إنجاز".. وإذا ما كانت المشروعيّة تٌقاس بأعداد المتظاهرين بالفعل، فالأسلم القول إنّ "الخميس العظيم" الّذي شهدته قابس، في أكتوبر 2025، أكسب مطلبَ "تفكيك الوحدات" بالمجمع الكيمائيّ دعمًا شعبيًّا لا يُمكن تجاهله. لكنّ الملفّ لا يزال يُراوح مكانه!

كرة اليد تونس istockphoto
منوعات

تأجيل جميع مقابلات كرة اليد المبرمجة نهاية الأسبوع في تونس

أعلن المكتب الجامعي للجامعة التونسية لكرة اليد، يوم الأربعاء 21 جانفي/يناير 2026 عن تأجيل جميع المقابلات التي كانت مبرمجة نهاية هذا الأسبوع، بمختلف الأصناف والاختصاصات، وذلك نظرًا لتواصل التقلبات الجوية وما نتج عنها من أضرار، فضلًا عن تعذّر استغلال عدد من القاعات الرياضية. وأكدت الجامعة أنه سيتم لاحقًا تحديد المواعيد الجديدة لإجراء هذه المقابلات

جبهة الخلاص عدم استباق التقلبات المناخية وغياب الاستعداد لها يعدّ تقصيرًا غير مبرّر
سیاسة

جبهة الخلاص: عدم استباق التقلبات المناخية وغياب الاستعداد لها يعدّ تقصيرًا غير مبرّر

جبهة الخلاص الوطني: "التقلّبات المناخية ولئن كانت قوّة قاهرة لا يمكن دفعها، فإنّ تطوّر وسائل الرّصد وتبادل المعلومات يجعلان عدم الاستباق وغياب الاستعداد النّاجز والملائم تقصيرًا غير قابل للتّبرير".


القضاء القانون فتحي بلعيد أ فب Getty
مجتمع

تعليق الجلسات القضائية في عدة محاكم تونسية بسبب سوء الأحوال الجوية

قرر عدد من الفروع الجهوية للمحامين في تونس تعليق جميع الجلسات بمحاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية على مستوى عدة ولايات، وذلك يوم الأربعاء 21 جانفي 2026، نظرًا لسوء الأحوال الجوية التي تشهدها البلاد، وفقهم

تعرف على قائمة الطرق المنقطعة في تونس
مجتمع

تعرّف على الطرق المقطوعة بسبب الأمطار في تونس

أصدرت الإدارة العامة للحرس الوطني، يوم الأربعاء 21 جانفي 2026، بلاغًا تحذيريًا محينًا، دعت من خلاله كافة مستعملي الطريق إلى توخي الحذر، على خلفية تسجيل انقطاعات في حركة المرور بعدد من الطرقات، وذلك نتيجة التقلبات الجوية الأخيرة وما نجم عنها من تراكم لمياه الأمطار وفيضان بعض الأودية

الأكثر قراءة

1
مجتمع

انهيار 5 مبانٍ آيلة للسقوط في باب سويقة وإخلاء أخرى بتونس المدينة


2
مجتمع

الخميس.. تواصل تعليق الدروس في بنزرت وبعض المعتمديات في نابل


3
مجتمع

قائمة محينة للطرقات المقطوعة في عدد من الولايات إثر الأمطار الغزيرة


4
منوعات

معهد الرصد الجوي: طقس تونس سيشهد تحسّنًا ملحوظًا قبل تسجيل تقلبات جديدة


5
ثقافة وفنون

من بينهم أحلام ووائل جسّار.. فنانون يتضامنون مع تونس إثر سيول عنيفة