ظاهرة "التكييت" في امتحان البكالوريا في تونس.. مشاكل قيميّة عميقة
18 يونيو 2026
لا تكمن أهمية امتحان البكالوريا في تونس بأنه تتويج لثلاث مراحل تعليمية أساسية، وهي: الابتدائي والإعدادي والثانوي والحصول على شهادة البكالوريا التي تمكّن صاحبها من الولوج إلى الجامعة والنحت في صخرة المستقبل فقط، بل وأيضًا في تلك الوجاهة الاجتماعية القائمة على سردية المصعد الاجتماعي الذي يؤمنه التعليم وتنهض به المدرسة التونسية ولا شيء غير ذلك، وهو ما تلخصه مقولة من مقولات مرحلة بناء دولة الاستقلال وهي "الاستثمار في المادة الشخمة"، فبات هذا الامتحان مشغل مجتمع بأسره، تحيط به القضايا وتتلبس به الشوائب وتحاك حوله الأساطير.
والمجتمع التونسي نراه بعين التاريخ، لا يتوانى للحظة في إيلاء هذا الامتحان السنوي الأهمية القصوى، فنجد أنّ الدولة بثقل أجهزتها المتقاطعة والمتشابكة مع هذا الموعد لها استعداداتها الخاصة (اللوجستية والأمنية..)، والعائلة التونسية لها تحدياتها وطقوسها وتفاصيلها وسلوكها المجتمعي فيما تعلق بالبكالوريا، منها ما هو نفسي اجتماعي وما هو طبقي وما هو تنموي وحديث الناس حول هذا الحدث موغل في صناعة القصص وأسطرة الحيثيات وتثبيت الرمزيات.
كما أصبح هذا الامتحان الوطني في السنوات الأخيرة، محفوفًا بدورة اقتصادية صغيرة جوهرها الدروس الخصوصية والفضاءات الخاصة للمراجعة ومنصات التعليم الإلكتروني والمقاهي المحيطة بمؤسسات التعليم.
كل هذا جعل من امتحان الباكالوريا، حدثًا تربويًا ذا أهمية اجتماعية، له رمزيته وله ثوابته ومتغيراته التي تنسجم مع كل تطور وتغير في الواقع وما يرافقه من ثورات ومنعطفات سواء سياسية أو ثقافية أو اقتصادية أو تكنولوجية.
بكالوريا السنوات الأخيرة في تونس، وخاصة سنة 2026، عرفت سطوة غير مسبوقة لاستعمالات "الكيت" (السماعات) وسط سريان ظاهرة "التكييت" وسطوتها وهيمنتها على مجريات الامتحان الشهير
بكالوريا السنوات الأخيرة في تونس، أصبحت محفوفة بتلك الارتدادات التي أحدثتها الثورة السيبرانية والمستجدات الاتصالية والتقنية الحديثة وفي مقدمتها تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي واستعمالاته الإيجابية (لصالح الدرس والعلم والمعرفة) أو السلبية (خارج أطر القانون والأخلاق التربوية) سواء في أيام السنة الدراسية أو خلال فعاليات الامتحانات التطبيقية أو أثناء الدورتين الرئيسية والتدارك اللتين عادة ما تكونان طيلة شهر جوان/يونيو من كل سنة.
بكالوريا 2026 في تونس والتي انقضت دورتها الرئيسية منذ أيام قليلة، شهدت سطوة غير مسبوقة لاستعمالات "الكيت" والذي اشتق منه فعل "التكييت"، فلا حديث في الشوارع أو البيوت أو عبر شبكات التواصل الاجتماعي إلا على سريان ظاهرة "التكييت" وسطوتها وهيمنتها على مجريات الامتحان الشهير.
ورغم التدابير التي أعلن عنها وزير التربية في الندوة الصحفية الخاصة بالامتحانات الوطنية والتي سبقت مواعيد انطلاقها والمتعلقة بالغش في الامتحانات، وكان أغلبها ذا طابع زجري (الحرمان من الترشح للامتحان لمدة خمس سنوات والتتبعات العدلية لدى المحاكم التونسية لمحاولي الغش ومرتكبيه..) وأيضًا رغم التحذير الواضح للممتحنين يوم توزيع الاستدعاءات لإجراء الامتحان بمعاهدهم وتأكيد تلك التحذيرات في ورقة سلمت لهم مكتوب عليها "توصيات".. ورغم التعليمات الدقيقة التي أعطيت لكل العاملين بمراكز الاختبارات الكتابية، ورغم الخطة الاتصالية التي وضعتها وزارة التربية بهذا الخصوص من أجل توعية المجتمع بخطورة ظاهرة الغش الإلكتروني ومسّها من رمزية البكالوريا التونسية (ومضات توعوية بثتها الإذاعات والتلفزات العمومية والخاصة)، فإنّ ظاهرة الغش الإلكتروني أو "الفوسكة" الإلكترونية أو "التكييت" استفحلت وطغت بشكل مقلق، حتى إنّ القضاء التونسي اتصل ببعض الوضعيات بعدد من جهات البلاد تطبيقًا للقانون فأحيلت مجموعة من تلاميذ ومن تورط معهم إلى السجن في انتظار مثولهم أمام عدالة المحكمة.
وزارة التربية من جهتها، تسعى جاهدة لتطبيق القانون التربوي لكنها في الأثناء تبدو في وضعية عدم السيطرة التامة على هذا الوضع المتجدد.. وحول تعاطي الوزارة مع هذا الموضوع، هناك آراء مختلفة ومتباينة بين الذهاب إلى الزجر المطلق وبين المعالجة التربوية الجذرية المتأنية.
اقرأ/ي أيضًا: الغش الإلكتروني في الباكالوريا.. تونس إزاء مجتمع "التكييت"
"الترا تونس" تناول هذه المسألة مع المختصين والباحثين التونسيين في العلوم الإنسانية محاولة منه في مقاربة أكثر موضوعية، لمزيد فهم الظاهرة في عمقها فكان التقرير التالي:
مختص في علم الاجتماع: الغش الإلكتروني في البكالوريا.. عندما يتحول النجاح من قيمة تربوية إلى قضية وجودية
بيّن الأستاذ والكاتب التونسي ممدوح عز الدين، المختص في علم الاجتماع والباحث بالجامعة التونسية أن تونس تشهد منذ سنوات تصاعدًا لافتًا للغش في امتحان البكالوريا خاصة عبر الوسائل الإلكترونية المتطورة وشبكات التسريب المنظمة التي تعتمد أحدث التكنولوجيات الرقمية وذلك رغم تشديد العقوبات الإدارية والجزائية وتطوير آليات المراقبة وتكثيف الإجراءات الأمنية. إلا أنه ورغم كل ذلك فإن هذه الظاهرة آخذة في التمدد والتوسع والتجدد بما يوحي أننا لسنا أمام مجرد مخالفات فردية لقوانين الامتحان الوطني بل أمام ظاهرة اجتماعية أكثر تعقيدًا ترتبط بتحولات عميقة في علاقة الأفراد بالمدرسة والمعرفة والنجاح والمستقبل.
وأوضح الأستاذ ممدوح عز الدين أن الغش الإلكتروني أصبح اليوم صناعة حقيقية تتداخل فيها التكنولوجيا الحديثة والاقتصاد والشبكات الاجتماعية والثقافة الشبابية الجديدة ذات القيم السيبرانية إلى درجة أن بعض الحالات لم تعد تقتصر على تلميذ يحاول التحايل داخل قاعة الامتحان، بل تشمل شبكات منظمة وأحيانًا أولياء ومربين متواطئين وخبراء تقنيين وأسواق سوداء متخصصة في توفير أدوات الغش الإلكتروني (الكيت، الحمصة، الشاحن، البطاقات الإلكترونية المتطورة..) ومسالك البيع والتسريب..
مختص في علم الاجتماع: تحولت البكالوريا لدى بعض الأسر إلى ما يشبه الامتحان المصيري الذي يحدد قيمة الفرد ومستقبله ومكانته، وهنا يصبح النجاح قضية حياة أو موت رمزية، وهكذا يصبح الغش بالنسبة إلى البعض وسيلة دفاع عن المستقبل أكثر منه مجرد تحايل على القانون
وأضاف محدثنا أنه من هنا تبرز الإشكالية المركزية وتتضح الأسئلة: لماذا يستمر الغش في التوسع رغم ارتفاع كلفة العقوبات؟ ولماذا أصبح بعض التلاميذ والعائلات مستعدين للمجازفة بمستقبلهم وسمعتهم رغم المخاطر والعواقب؟ وما الذي تكشفه هذه الظاهرة في مستوى علاقة الشباب التونسي بالنجاح والمعرفة والمدرسة؟ وهل انعكاس لتحولات عميقة في المجتمع؟
وفي محاولة منه للإجابة عن تلك التساؤلات، أشار الأستاذ ممدوح عز الدين أن الغش في ظاهره يبدو محاولة للحصول على عدد في الامتحان أو شهادة بطرق غير مشروعة، لكن التحليل السوسيولوجي يكشف أن الغش ليس هو المشكلة في حد ذاته بل هو عرض وتجلٍ لمشكلة أعمق، فكلما توسعت هذه الظاهرة وتمددت فإن ذلك يعكس وجود خلل في العلاقة بين الوسائل المشروعة والأهداف الاجتماعية المرغوبة وهو ما أشار إليه علم الاجتماع الأمريكي "روبرت ميرتون" بقوله: "إن المجتمعات التي تمجد النجاح بشكل مفرط دون أن توفر لجميع أفرادها الوسائل المشروعة لتحقيقه، تدفع بعض الأفراد إلى تبني إستراتيجيات انحرافية للوصول إلى الأهداف نفسها". وأضاف محدثنا أنه من هذا المنظور يمكن النظر إلى الغش الإلكتروني باعتباره محاولة للالتفاف على العقبات التي تحول دون تحقيق النجاح المدرسي في سياق يتسم بضغط تنافسي متزايد.
وبين المختص في علم الاجتماع أنه ولفهم هذه الظاهرة، يجب الانطلاق من التحولات التي عرفتها مكانة البكالوريا داخل المجتمع التونسي فهي لم تعد مجرد امتحان مدرسي، إنها بالنسبة لعدد كبير من العائلات التونسية: بوابة للصعود الاجتماعي وفرصة للهروب من الهشاشة الاجتماعية ووسيلة لتحسين المكانة الاجتماعية وأمل في مستقبل أفضل. ومقابل ذلك، أصبح الرسوب يعاش بوصفه فشلًا وجوديًا لا مجرد تعثر دراسي، ففي ظل البطالة وارتفاع تكاليف الحياة وتراجع فرص الاندماج المهني، أصبحت كل محطة تعليمية تحمّل رهانات تتجاوز حجمها الحقيقي.
اقرأ/ي أيضًا: ضحايا غير مرئيين.. البكالوريا اختبار صعب للعائلة قبل التلميذ
لقد تحولت البكالوريا لدى بعض الأسر إلى ما يشبه الامتحان المصيري الذي يحدد قيمة الفرد ومستقبله ومكانته، وهنا يصبح النجاح قضية حياة أو موت رمزية، وهكذا يصبح الغش بالنسبة إلى البعض وسيلة دفاع عن المستقبل أكثر منه مجرد تحايل على القانون. كما تكشف الظاهرة وفق محدثنا عن تحول مهم في تمثلات المعرفة، موضحًا أنه في التصور الكلاسيكي، كانت الشهادة تعكس مستوى من المعارف والكفايات والمهارات أما اليوم فقد أصبح عدد من التلاميذ ينظرون إلى الشهادة باعتبارها الهدف النهائي بينما تتراجع أهمية المعرفة والعلم نفسه.
ويضيف عز الدين قائلًا: لقد انتقلنا تدريجيًا من "أتعلّم لأن المعرفة قيمة" إلى "أتعلّم لأن الشهادة ضرورية" وبالتالي عندما تنفصل الشهادة عن المعرفة يصبح الغش أكثر قابلية للتبرير، فبالنسبة إلى البعض لم يعد امتلاك الكفاءة هي الهدف بل امتلاك الوثيقة مجردة (الشهادة) من أجل المرور إلى المرحلة الموالية وهنا تكمن إحدى أخطر أزمات المنظومة التربوية في تونس. وأكد الباحث في علم الاجتماع أنه لا يمكن فهم ظاهرة "التكييت" دون ربطها بالتحولات الثقافية التي يعيشها الشباب، فنحن أمام جيل تشكل وعيه داخل بيئة رقمية تقوم أساسًا على السرعة والنتائج الفورية والاستهلاك السريع للمعلومة وثقافة الاختصار (الخلاصات والمخرجات) والبحث عن المتعة..
مختص في علم الاجتماع: من أخطر التحولات التي عرفتها ظاهرة الغش الإلكتروني، هو انتقالها من المبادرة الفردية إلى شبكات منظمة فهناك اليوم وسطاء ومزودو أجهزة ومهربون وخبراء إعلامية وتقنيون وصفحات محصنة ومجموعات مغلقة.. كلها تشارك في اقتصاد خفي للغش
وفي هذا السياق، تراجعت مكانة الجهد الطويل والصبر المعرفي وأصبح النجاح يقاس بالنتيجة لا بالمسار، كما ساهمت شبكات التواصل الاجتماعي في تكريس نماذج نجاح سريعة تقوم على الشهرة والظهور (المؤثرون، الرياضيون..) والربح السريع، أكثر مما تقوم على التحصيل العلمي، فتراجعت المكانة الرمزية للمعارف والعلوم مقارنة بالمكانة المتزايدة للترفيه والفرجة.
وأكد ممدوح عز الدين أن من أخطر التحولات التي عرفتها هذه الظاهرة هو انتقالها من المبادرة الفردية إلى شبكات منظمة فهناك اليوم وسطاء ومزودو أجهزة ومهربون وخبراء إعلامية وتقنيون وصفحات محصنة ومجموعات مغلقة.. كلها تشارك في اقتصاد خفي للغش، وهذا التحول يكشف أن المسألة لم تعد مجازفات تربوية فحسب بل أصبحت مرتبطة أيضًا باقتصاد مواز قائم على المتاجرة بأحلام التلاميذ ومخاوف العائلات وقيم المجتمع..
ومن الملاحظ أيضًا وفق محدثنا، أنّ بعض الأولياء لم يعودوا يكتفون بغض الطرف عن الغش بل قد يساهمون أحيانًا في توفير الوسائل والتمويل اللازم ويعود ذلك إلى اقتناع بعضهم بأن المخاطرة بالغش أقل كلفة من الرسوب، وهنا تتحول الأسرة من مؤسسة للتنشئة على قيم الاستحقاق والنزاهة إلى فاعل يشارك في إعادة إنتاج الظاهرة وهو مؤشر خطير على تحول منظومة القيم داخل بعض الأوساط الاجتماعية.
وبخصوص التداعيات، أوضح عز الدين أن مخاطر الغش الإلكتروني (التكييت) يؤدي إلى أضعاف الثقة في الشهادة وضرب مبدأ تكافؤ الفرص وإنتاج كفاءات مزيفة وغير حقيقية وتقويض ثقافة الجهد الطويل والاستحقاق ونشر ثقافة التحايل واعتبارها استراتيجية مشروعة للنجاح كما يهدد العقد الأخلاقي الذي تقوم عليه المؤسسة التربوية والمجتمع ككل.
وختامًا، وفي مستوى الحلول.. يقترح الباحث في علم الاجتماع ممدوح عز الدين، جملة من النقاط الهامة نذكر منها: إعادة الاعتبار لقيمة المعرفة لا لقيمة الشهائد فحسب، تخفيف الطابع المصيري المبالغ فيه للبكالوريا، تنويع مسارات النجاح المهني والاجتماعي، دعم الصحة النفسية للتلاميذ، تعزيز التربية النزاهة والمسؤولية، إدماج التربية الإعلامية والرقمية داخل المناهج، تطوير العلاقة بين المدرسة وسوق الشغل، رسم خطة لبناء منظومة للأمل لدى الشباب بما يتلاءم وطموحات العصر.
مختص في الفلسفة وعلم التوجيه المدرسي والجامعي: ذات التلميذ اليوم مزيفة ولا تعبر عن حقيقة وجودها
الدكتور كريم الطرابلسي، أستاذ الفلسفة والباحث بالجامعة التونسية والمختص في علم التوجيه التربوي والجامعي، أشار في البداية إلى أنّ كل الانزياحات الأخلاقية التي تعيشها الإنسانية اليوم، دبّرتها الحضارة الغربية التي وصفها الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه بأنها حضارة انحطاط ونظر إلى الإنسان الغربي على أساس أنه إنسان منحط من جهة اعتقاده في أوهام العقل، والحقيقة المطلقة.
وأضاف الطرابلسي في حديثه لـ"الترا تونس" أننا اليوم لم نخرج بعد عن حدود الأسوار الحديدية لحديقة عصر الحداثة / عصر الانحطاط، ويتجلى ذلك فيما نعيشه اليوم من توظيف لإنتاجات العقل (التكنولوجيات الحديثة) قصد تحطيم العقل في حد ذاته وتحطيم إرادة المعرفة والعلم، والوضعية الراهنة التي تعيشها المنظومة التربوية في تونس قائمة على أرض الانحطاط تلك.. فجملة التحديات القصوى التي تعيشها المنظومة لها أبعاد إبستيمولوجية وأنطولوجية تعود إلى انخراط التلميذ التونسي في توظيف لا عقلاني للتكنولوجيات الجديدة في عمليات غش متطورة في الامتحانات الوطنية (الباكالوريا) وهو ما يطلق عليه بـ"التكييت".
مختص في علم التوجيه المدرسي والجامعي: العقل التلمذي الذي يعول على الغش الإلكتروني هو عقل مسلوب الإرادة وتابع وخانع لقد أصبح فرعًا من منظومة عالمية تعتمد تطبيقات الذكاء الاصطناعي
وبيّن الأستاذ كريم الطرابلسي أنّ الأمر يعود إلى جملة من التراكمات نجدها حاضرة في كل المستويات فالتلميذ اليوم أصبح يتحرك وفق نظام عادات قائمة على كيفية البحث عن الحلول المناسبة للغش في الامتحان وهو نظام متماسك ويشتغل منذ سنوات وآخذ في التمدد وهو نظام جديد فاقد للمعنى والتفكير.. بل هو نظام ينسف قيمة الجهد لدى مجتمع المدرسة ويحل محلها قيم جديدة متأتية من ثقافة الجهد الأدنى والحلول السريعة، فالعقل التلمذي الذي يعول على الغش الإلكتروني هو عقل مسلوب الإرادة وتابع وخانع لقد أصبح فرعًا من منظومة عالمية تعتمد تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
أما من جهة البعد الأنطولوجي، فقد أشار المختص في علم التوجيه المدرسي والجامعي، إلى أنّ ذات التلميذ كانت قديمًا ذاتًا واعية بالمعارف والسؤال والحجاج والنقد.. فأصبحت اليوم ذاتًا جاهلة ومزيفة لا تعبر عن حقيقة وجودها فهي ذات تميل إلى أن تعيش أوهامًا تستند إلى جملة من المغالطات النفسية والاجتماعية فهو يفرح بالنجاح ويفشي أفراحًا في محيطه في حين أنه نجاح غير مستحق قام على السرقة والاختلاس.
وأوضح محدثنا أن ما نخشاه في المستقبل هو إنتاج ذوات لا تدرك حقيقة وجودها ومواجهة مشكلات الحياة وصناعة الحقيقة وصناعة المستقبل وإنما سنجد ذواتًا تعيش في برج اصطناعي يحكمه الذكاء الاصطناعي وهكذا نكون قد خرجنا من عالم أوهام عصر الحداثة إلى أوهام جديدة لا ندرى ماذا تخبئ في المستقبل مادامت لم تشتبك بعد بالسؤال الفلسفي.
وختم حديثه بالتأكيد على أن المدرسة التونسية يجب أن تنقد نفسها من الداخل وتذهب إلى تغييرات جوهرية وأن تبحث لها عن حلول جديدة وحاسمة تجاه هذه الاستباحة البادية.
مختص في علوم التربية وباحث بالجامعة التونسية: ظاهرة "التكييت" هي ترجمة لفلسفة المكسب الفوري
أكد الأستاذ عماد العباسي المختص في علوم التربية وفلسفة التربية والباحث بالجامعة التونسية، أنّ هذا الجيل التلمذي في العقدين الأخيرين بات مفككًا: يبغى المتعة الفورية ولا يتوق إلى السعادة المطلقة، مضيفًا أنّ هذا الجيل يتحرك فوق جغرافيا قيمية جديدة يمكن ترجمتها في المقولات التالية: "الانتقال من الثقافة إلى الترفيه"، " من العمل إلى اللعب "، "من العمق إلى السطح"، "من الجدية والحلم إلى التفاهة"،"من الدراسة ورفع شعار (ثنيان الركبة)" إلى "نعمل ضربات من الدرس".. وكما يقول المؤرخ التونسي الهادي التيمومي "إنه جيل يبحث عن مسرات صغيرة ومغامرات ترفع الأدرينالين لا غير".
وأوضح عماد العباسي أنّ أغلب التلاميذ الذين أطاحوا بهم في حوادث "تكييت" خلال فترة الدورة الرئيسية لبكالوريا 2026 كانوا يبتسمون بسخرية لا أدري ممن أو من ماذا؟ وكانوا هادئين ورصينين وثابتين على خطيئتهم ولا أدري مما يستمدون توازنهم النفسي؟ هي أسئلة عميقة تتطلب الدراسة المتأنية لعلّ المخرجات تغنينا المطبات القادمة المحمولة على قمم التكنولوجيا.
مختص في علوم التربية: أغلب التلاميذ الذين أطاحوا بهم في حوادث "تكييت" خلال فترة الدورة الرئيسية لبكالوريا 2026 كانوا يبتسمون بسخرية لا أدري ممن أو من ماذا؟ وكانوا هادئين ورصينين وثابتين على خطيئتهم ولا أدري مما يستمدون توازنهم النفسي؟
وأوضح الباحث في فلسفة التربية أن تلامذة اليوم يجيدون فنون اللعب، لعب كل شيء، يتفكهون في الدراسة: "هيا برّا نفركوهم تمشيش تخطف، جوّك باهي صاحبي.."، إنهم يجتازون أهم امتحان في تونس وهو يرتدون ألبسة منزلية ورياضية وبحرية (خلعة، شورت، شلايك..) ويمضغون العلك، يتضاحكون، لا يبالون، إنهم محميون بترسانة من القوانين التي ساهمت في تحويلهم إلى طغاة للمتعة الفورية.. كل هذه المظاهر والظواهر الصغيرة هي مدعاة للعقل التربوي التونسي أن يفكر في تغيير القوانين وتغيير البرامج وشكل الامتحانات وتفكيك القديم الذي تسربت منه الأمراض التي هتكت الجسم المدرسي والتربوي في تونس.
وأشار الباحث في علوم التربية إلى أنّ مواقع إلكترونية عديدة متداخلة في عملية التكييت في امتحان بكالوريا تونس وأشهرها "جنون الباك" ولاحظ أن التلاميذ وحدهم من يملكون مفاتيح الولوج إلى عالمه عبر شبكة سرية محاطة بالكتمان واللغة المشفرة التي تضاعف من متعة المغامرة وتبعد عنهم الأمن السيبرني الذي بات بالمرصاد إلى شبكات "التكييت" المختصة في امتحان البكالوريا.. كل هذا هو ترجمة فورية لفلسفة "المكسب الفوري" وأرجع محدثنا ذلك إلى عدم تدرب تلامذة اليوم على "فلسفة المكتسبات التدريجية" وعلى القيم الجوهرية (الخير والحق والجمال).
وختم محدثنا تدخله بالإشارة إلى مقولة الفيلسوف كارل ماركس: "يساهم السراق في تطوير صناعة الأقفال" وربطها بفكرة أن "الكيّاتة" يقاومون أجهزة الرقابة والتشويش بالتضامن فيما بينهم وتبادل الخبرات والمعلومات والمحافظة على "الريزو" في كل الأحوال.
أما الحلول فيرى الأستاذ عماد العباسي أنها لا بد أن تنطلق من البناء قواعد قانونية وأنطولوجية جديدة.
إن الغش الإلكتروني أو "التكييت" أو مجتمع الكياتة ليس مجرد مخالفة قانونية بل هو مرآة عاكسة لأزمات وأعطاب عميقة يعيشها المجتمع التونسي يمكن تلخيصها في: أزمة معنى وأزمة مستقبل وأزمة علاقة بالمعرفة وأزمة ثقة في مسارات الترقي الاجتماعي، وبالتالي فإنّ السؤال الحقيقي ليس فقط: كيف نمنع "التكييت"؟ بل أيضًا: كيف نجعل النجاح ثمرة للمعرفة والجهد المبذول في سبيل ذلك وليس نتيجة للخوف من الفشل؟ فحين يستعيد الشباب ثقته في قيمة العلم وعدالة الفرص، يصبح الغش استثناء وليس قاعدة كما هو واقع الحال.
الكلمات المفتاحية
"الذباب الأسود" في منزل بوزلفة.. هل يهدد البيئة وحقول البرتقال؟
المنظمات المحلية والبيئية بمنزل بوزلفة، رفعت صوتها اعتراضًا على إقامة مشروع تربية الذباب الأسود وسط التجمعات السكانية، لما قد يشكله من مخاطر على صحة السكان، فضلًا عن الأضرار المحتملة التي قد تلحق بالحقول الزراعية المحيطة به، بحسب ما أكده البعض منهم في تصريحات لـ"الترا تونس".
ما بعد الرماد.. قصص عائلات منكوبة وحياة معلقة على أطراف الجبال المحترقة
بسبب الحرائق التي نشبت في عدّة مناطق في تونس صائفة هذا العام تغيّر المشهد وتغيرت معها الحركة في تلك المناطق المحترقة، وبات السكان هناك يتحدّثون عما بعد الرماد
فاجعة اغتصاب قاصر بالملاسين.. صدمة واسعة في تونس ودعوات لمحاسبة المعتدين
خلّفت حادثة احتجاز قاصر واغتصابها في جهة الملاسين بضواحي العاصمة، وفق المعطيات الأولية، صدمة كبيرة في الشارع التونسي، ودعت عدة جهات حقوقية ومدنية إلى تطبيق القانون ومحاسبة المعتدين
طقس تونس.. سحب عابرة على كامل البلاد واستقرار في درجات الحرارة
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى ستتراوح عامة بين 24 و29 درجة
تونس تحيي الذكرى 63 لعيد الجلاء وسط تحضيرات لمسيرة شعبية مرتقبة
يأتي إحياء الذكرى الثالثة والستين لعيد الجلاء في تونس هذا العام، وسط مناخ سياسي واقتصادي دقيق، يتزامن مع تصاعد المطالب السياسية والحقوقية بالحسم في ملف الموقوفين السياسيين والمحاكمات الجارية.
"الذباب الأسود" في منزل بوزلفة.. هل يهدد البيئة وحقول البرتقال؟
المنظمات المحلية والبيئية بمنزل بوزلفة، رفعت صوتها اعتراضًا على إقامة مشروع تربية الذباب الأسود وسط التجمعات السكانية، لما قد يشكله من مخاطر على صحة السكان، فضلًا عن الأضرار المحتملة التي قد تلحق بالحقول الزراعية المحيطة به، بحسب ما أكده البعض منهم في تصريحات لـ"الترا تونس".
طقس تونس.. سحب عابرة مع ريح قوية نسبيًا قرب السواحل
معهد الرصد الجوي: الريح فتكون من القطاع الشمالي بالشمال والوسط ومن القطاع الشرقي بالجنوب قوية نسبيًا إلى قوية قرب السواحل الشرقية وضعيفة فمعتدلة ببقية الجهات