"طلامس".. فيلم يستنطق الفانتازيا على تخوم الواقعية

غموض كبير وطلاسم يحيك منها المخرج ملامح فيلمه ليقحم المشاهد في تفاصيل يراوح فيها الزمن الدرامي بين الواقعي والمتخيّل

 

لعلعة الرصاص تعانق سكون الليل، ورجل ما عاد لأقدامه وقع على الأرض يهرب إلى الأمام، حافيًا عاريًا إلا من رصاصة ثقبت جانبه الأيسر فاحتضنها واستمر في الهرولة، وعلى إيقاع الدم المنهمر من جرحه تلاشت البنايات من حوله وتبدّدت السبيل المعبّدة وارتسم فضاء سحري كأنه قطعة من الجنّة.

فيلم "طلامس" لعلاء الدين سليم يشدّك إلى تفاصيله طيلة ساعتين حتّى أنّك تتمنّى ألّا تبلغ نهايته

جسد منهك وعار توشّح قطرات الدم أسفله ولكنّه لا يسقط أرضًا، يولّي وجهه شطر النعيم في مشهد عكسي لنزول "آدم" من الجنّة، مشهد يفصل بين الواقعية والفانتازيا في فيلم "طلامس" للمخرج علاء الدين سليم. والفيلم يشدّك إلى تفاصيله طيلة ساعتين حتّى أنّك تتمنّى ألّا تبلغ نهايته، أنت تتنقّل بين المشاهد تأسرك سلاسة كاميرا المخرج وإغراقها في الجمالية التي تستنطق الجماد من حولها وتبعث فيه روحا تستمد سحرها من عين تلاحق المختلف.

اقرأ/ي أيضًا: "رفائيل".. أستاذ اللّوحة الإيطالية في تونس


عزلة وهروب من الواقع بعض من سمات يوم الجندي الثاني الذي لم يرض القدر بفقدانه زميله

البداية تظهر منطقية جدًّا، إذ تلامس الكاميرا يوميات عسكريين في محاربة الإرهاب، عسكريون بوجوه متعبة تعلوها الأتربة من فرط المكوث بفضاءات خارجية ترقّبًا لهجمات تأتي دون إيذان وسط هموم يعمّقها البعد عن العائلة. في ذروة التعب تضيع أصوات الأحذية العسكرية وسط أكوام الرمال وتتوه نظرات عسكريّين إثنين بين الصخور والكثبان، عسكريّان تذمّر أحدهما حتّى وضع حدًّا لحياته وتناثرت جمجمته على حائط الثكنة العسكرية، وأما الثاني فهرب من الواقعية إلى فانتازيا غرائبية.

في فيلم "طلامس" اللقاء بين "آدم" و"حوّاء" لا يخلو من واقعية سحرية كسرت حدود المنطق وحرّرت الخيال من القيود

عزلة وهروب من الواقع، بعض من سمات يومي الجندي الثاني الذي لم يرض القدر بفقدانه زميله ليخطف الموت أمّه في غفلة منه وكان عليه أن يحبس دمعه وهو يأخذ الإذن ليحضر عزاء والدته، ومنذ أن صار حضنها باردًا تسلّل البرود إلى روحه.

من الثكنة العسكرية، تنتقل الأحداث إلى منزل تستشعر برودة جدرانه من ملامح الجندي الذي لن تهتم لاسمه، ملامح آلت إلى التلاشي شيئًا فشيئًا، ولم يبق منها إلا نظرات مبهمة وذقن تنمو يومًا بعد يوم على إيقاع اتصالات تدعوه إلى الالتحاق بالخدمة العسكرية لكنّه يتجاهلها.


علاقة الرجل والمرأة في "طلامس" لا تخلو من رمزية

في عنفوان عزلته، يقتحم الأمن العسكري منزله في محاولة لإرغامه على العودة إلى مكان ما عاد ينتمي إليه، فيهرب إلى الأمام كعادته ويختفي حتى يقع في قبضتهم مرّة أخرى، وحينما تخال أن الأمر انتهى يتعرّى أمامك وينشد فضاء يشبهه. وفي الغابة، حيث لا مولى ولا سيّد سوى الطبيعة، يعانق الرجل مصير "آدم" في خطّ عكسي إذ يمضي من الأرض إلى الجنّة التي رسم معالمها مخرج فيلم "طلامس" قبل أن تحضر إليها "حوّاء"، وهي أيضًا امرأة لا يهمّنا اسمها.

اللقاء بين "آدم" و"حوّاء" لا يخلو من واقعية سحرية كسرت حدود المنطق وحرّرت الخيال من القيود، لقاء خارج حدود الزمان والمكان الفعلي، يسكت فيه الكلام وتتحدّث فيه الأعين لغة صامتة يترجمها المخرج إلى جمل قصيرة قد تكون في غنى عنها وأنت توغل في تفاصيل المكان وتفاصيل الشخصيتين.

اقرأ/ي أيضًا: "الحديقة المحرّمة": عن خيبات كبرى لذات تبحث عن منبت

الفعل غير اللفظي حاضر بقوّة في فيلم "طلامس" حتّى أنّك تعتاد على الصمت

بين حكاية الجندي والمرأة الثرية التي قاسمته عمرًا من الصمت في الغابة، تنتقل الكاميرا بين فضاءين متناقضين مع فارق في الزمن بين انتقال الرجل والمرأة من الواقعية إلى الواقعية السحرية، حيث تتشكّل العلاقات من جديد وترتّب القواعد والأعراف على وقعها.

وفي الفيلم الذي استلهم المخرج فكرته من "2001: أوديسا الفضاء" للمخرج الأمريكي ستانلي كوبريك، تسافر بك الأحداث بين عالمين دون أن تزعزعك القطيعة بينهما ومن الاجتماعي والسياسي إلى الميتافيزيقي وفق منحى درامي غير خطّي.

دون الإيغال في تفاصيل اللقاء بين "آدم" و"حوّاء"، لينتشي المشاهد باكتشافها تباعًا، أنت لن تتوقّف عن طرح الأسئلة، وبعض منها أسقطها المخرج عمدًا حتّى يخلق لخيالك أجنحة فتحلّق بعيدًا إلى ما وراء عالمه المتخيّل. والفعل غير اللفظي حاضر بقوّة في الفيلم حتّى أنّك تعتاد على الصمت وتخبِر لحظات تخاطب الشخصيتين اللتين يؤدّيهما الممثلين عبد الله الميناوي وسهير بن عمارة، وتفكّك بنفسك شيفرات النظرات التي يمكن قراءتها عبر لقطات تصويرية قريبة جدًّا قبل أن ترتسم كلمات على الشاشة.


بين حكاية الجندي والمرأة الثرية التي قاسمته عمرًا من الصمت في الغابة تنتقل الكاميرا بين فضاءين متناقضين

وعلاقة الرجل والمرأة في "طلامس" لا تخلو من رمزية، إذ تثير مسألة الجندر وتسائل التصوّرات النمطية لأدوارهما، فالمرأة التي تضع مولودها لا يدرّ صدرها حليبًا فيما يسيل السائل الأبيض من صدر الرجل الذي يُرضع الطفل.

وأنت تلاحق تشكّل البنية الدرامية في فيلم "طلامس"، لا تتوقّف عن التساؤل عن سر الصمت وعن الأفعى التي وجدها الجندي في باحة منزله، وعن الأفعى العملاقة التي لامست شوكتها بطن المرأة الحامل، وعن الشاشة السوداء في قلب الغابة وعن الوليد الذي تركه الرجل عند الشلال ليعثر عليه والده الذي عاد بعد أشهر للبحث عن زوجته.

غموض كبير، وطلاسم يحيك منها المخرج ملامح فيلمه ليقحم المشاهد في تفاصيل يراوح فيها الزمن الدرامي بين الواقعي والمتخيّل وتسكن فيها الواقعية السحرية في كل زوايا التصوير وفي أداء الممثلين لتتماهى كل عناصر الفيلم مكوّنة أثرًا فنّيًا يغوي بالغوص في ثناياه.

 

اقرأ/ي أيضًا:

النخبة التونسية تكسر جدار المنع.. وتحتفي بالكاتب الأرجنتيني ألبارتو مانغويل

مسرحية "السنترا".. سجينات يحكين آلامهن على خشبة المسرح