ultracheck
مجتمع

طلاق بسبب البنات.. أو حين يُحاسب رحم الأم على جنس المولود

25 أكتوبر 2025
طلاق بسبب البنات.. أو حين يُحاسب رحم الأم على جنس المولود
ثريا التيجاني (محامية) لـ"الترا تونس": رغم تقدّم القانون التونسي في صياغته فإنّه يفتقر إلى آليات حماية من الطلاق القائم على خلفية التمييز (صورة تعبيرية/ Getty)
مريم الناصري
مريم الناصريصحفية من تونس

أصبح العتب يسكن تفاصيل حياتها منذ إنجابها لابنتها الثالثة، وتغيّر كلّ شيء. لم يعد يراها زوجها رفيقة، بل مصدر خيبة. تقول علياء خلال حديثها عن تجربة طلاقها بسبب إنجابها البنات، إنّها "أنجبت كريمة وصوفية، ولم تكن ترغب بإنجاب المزيد، غير أنَّ زوجها أرغمها على الحمل لعلّهم يُكرمون بذكر. ولكن تعقدت الأمور مع الزوج أكثر، بعد أن علما بجنس المولود الثالث إثر مرور أربعة أشهر على حملها. تغيّرت معاملته لها وبات الخصام سيّد الموقف. لا أسباب ولا مبررات لمعاملته السيئة لها سوى كونها "أمّ البنات". فالزوج ليس إلاّ أسير عقلية اجتماعية ظالمة، جعلته مقتنعًا بأنّ في الذكور امتدادًا للنسل واللقب، وفي الإناث عبئًا خفيًا.

قصة علياء ليست سوى واحدة من عشرات القصص التي تكشف عن استمرار ذهنية تفضيل الذكور عن الإناث في بعض الأوساط، لا سيما الريفية والقبلية. ولا تزال المرأة تُحاسب على أمر بيولوجي لا تتحكم فيه، وكأنّها المسؤولة الوحيدة عن نوع المولود.

رغم التأكيد الدائم للأطباء على أنّ مسؤولية تحديد جنس الجنين يرجع إلى الرجل وليس المرأة، لا تزال حالات الطلاق بسبب إنجاب الزوجة للإناث لا الذكور، متواصلة

قصة تفضيل البنات على الذكور متجذّرة في العقلية والذهنية العربية وحتى الإسلامية، فالذكر سند في الحرب وفي الأعباء الفلاحية والاقتصادية والتجارية. ولكن حتى في المجتمعات الحديثة ما زالت تُقاس قيمة المرأة بعدد الذكور الذين تلدهم، رغم التأكيد الدائم للأطباء على أنّ مسؤولية تحديد جنس الجنين يرجع إلى الرجل وليس المرأة. إلاّ أنّ بعضهنّ تخرجن من غرف الولادة بخيبة لأنّ ما أنجبنه لم يكن ولدًا. وبين دموع الأم وتهنئة باهتة من أهل الزوج، تبدأ قصص كثير من النساء اللاتي انتهى بهنّ الأمر إلى الطلاق، فقط لأنّ نصيبهن من القدر كان إناثًا. 

  • طلاق بسبب الميراث

في قرية صغيرة لا تبعد كثيرًا عن العاصمة، تتكرر الحكاية ولكن بأسماء وأحداث مختلفة. إذ تحكي منجية هي الأخرى تجرتها مع الطلاق بسبب إنجابها البنات فقط. تقول "إنّها كانت تنتظر مولودها الرابع بشغف، بعد أن أنجبت ثلاث بنات. كانت تحلم أن يكبرن حولها في جو عائلي عادي، لكن بعد كلّ ولادة كانت كلمات الزوج تزداد حدّة، ومعاملته تصبح أكثر عدائية ويسود اللوم كل المواقف". تُضيف "حين وضعت طفلتي الأخيرة لم يزرني حتى في المستشفى. وبعد أشهر قليلة صارحني برغبته في الطلاق لأنني لم أنجب له ذكورًا. وكان له ذلك بعد خلاف كبير. إذ كان يقول "البنات أنس ولكن لا ينفعن ولا يرثن الاسم أو لا الأرض.. كنت أعتقد أنّها مجرّد كلمات غضب ولكن كان يعنيها".

اقرأ/ي أيضًا: ارتفاع نسبة الطلاق في تونس.. باحثة في علم الاجتماع تقدم قراءة في أسباب الظاهرة

وتُشير منجية إلى أنّ "زوجها كان يُفكّر في الميراث والأرض الفلاحية، ويتحدّث دومًا عن خوفه من تشتت الميراث بين الأصهار".

ثريا التيجاني (محامية) لـ"الترا تونس": الطلاق بسبب البنات هي ظاهرة لا تواجه فقط غياب التجريم بل بالتواطئ الضمني من القانون حين يسمح بالطلاق برغبة خاصة أو ما يعرف بالطلاق الإنشاء دون الإفصاح عن السبب الحقيقي

ويرى بعض الرجال أنّ الذكور ضمانٌ للاستمرار والنسب، وضمان لحفظ ميراث العائلة بينما تُحمّل المرأة مسؤولية جنس المولود، في حين أنّ تحديد جنس الجنين يعتمد أساسًا على كروموسوم الأب وليس الأم.

  • ظاهرة حاضرة في الواقع القضائي والمجتمعي

وتشير المحامية ثريا التيجاني في تصريحها لـ"الترا تونس" إلى أنّه "رغم مرور عقود على صدور مجلة الأحوال الشخصية في تونس، لا تزال بعض الممارسات تُعيد المرأة التونسية إلى مربع التمييز رغم كل ما تحملت عليه من حقوق مقارنة بنظيراتها في بلدان أخرى. إذ أنّ العديد من النساء في تونس يطلقن بسبب إنجاب البنات فقط وهي ظاهرة غير مرئية إحصائيًا لكنّها حاضرة في الواقع القضائي والمجتمعي خاصة في المناطق الداخلية والجنوب التونسي أين لا يزال يُعتبر الذكر حارسًا للإرث واسم العائلة. فيما تُعتبر الأنثى خطرًا يمكن أن ينقل أملاك الآباء والأجداد إلى عائلة أخرى. فإذا أنجبت المرأة فتيات فقط، فإنّ الزوج الذي يرغب في إنجاب ذكر يحمل اسمه أو بضغط من عائلته قد يطلق زوجته إنشاء لذلك السبب".

 

يرى بعض الرجال أنّ الذكور ضمانٌ للاستمرار والنسب، وضمان لحفظ ميراث العائلة بينما تُحمّل المرأة مسؤولية جنس المولود، في حين أنّ تحديد جنس الجنين يعتمد أساسًا على كروموسوم الأب وليس الأم (صورة تعبيرية/ Getty)

 

 

وتضيف المحامية إنّ "هذه الظاهرة لا تواجه فقط غياب التجريم بل تواطؤًا ضمنيًا من القانون حين يسمح بالطلاق برغبة خاصة أو ما يعرف بالطلاق الإنشاء دون الإفصاح عن السبب الحقيقي، ويكتفي فقط باستحالة مواصلة الحياة الزوجية بين الطرفين. وفي حقيقة الأمر فإنّ هذا الطلاق الذي بني على سبب رئيسي وهو إنجاب المرأة للإناث دون الذكور، قد بني في الحقيقة على تمييز يتناقض مع مبادئ الدستور الذي ينص في فصله 21 على المساواة بين المواطنين والمواطنات دون تمييز. وهو ما نصّت عليه كذلك الاتفاقيات الدولية المصادق عليها من قبل الدولة التونسية من ذلك اتفاقية سيداو التي تحظر كل أشكال التمييز ضد المرأة. وتّعرّف التمييز بأنّه كل اختلاف يؤثر على حقوق المرأة وممارستها لها ويرتبط هذا المفهوم بالحقوق الإنجابية والصحة الإنجابية والتي تعتبر جزءًا من مجال حقوق المرأة".

اقرأ/ي أيضًا: النفقة أو السجن.. عندما يضع الطلاق الرجل أمام خيارين في تونس

  • حين يصبح الطلاق أداة لعقاب المرأة

وتقول المحامية أيضًا إنّه "في ظل هاته الفجوة بين النص القانوني والممارسة المجتمعية وأسباب الطلاق غير المعلنة والمتخفية وراء أسباب أخرى كعدم التفاهم وغيرها، يصبح الطلاق هنا كأداة لعقاب المرأة. إذ تتحمل المرأة مسؤولية ما لا تتحكم فيه بيولوجيًا ويتخلى الرجل عن مسؤوليته تجاه عائلته بمجرد إعلانه رغبته في الانفصال. وإن تقدّم القانون التونسي في صياغته إلا أنّه يفتقر إلى آليات حماية من الطلاق القائم على خلفية التمييز. ولما لا توسيع مفهوم الضرر المعنوي ليشمل أي سلوك تمييز مرتبط بجنس المولود إذا قابله تخلٍّ أو إهمال وتمكين الزوجة الاستعانة بتقارير أهل الاختصاص من أطباء وأخصائيين اجتماعيين ونفسيين لإثبات الضرر المعنوي في الطلاق المبني على تمييز جندري".

ثريا التيجاني (محامية) لـ"الترا تونس": الطلاق الذي بني على سبب رئيسي وهو إنجاب المرأة للإناث دون الذكور، قد بني في الحقيقة على تمييز يتناقض مع مبادئ الدستور

وفي السياق نفسه، أشارت إلى "أنّ المسألة لا تتوقف فقط عند إنجاب البنات بل تمتد إلى حالات أخرى كتطليق الزوجة من أجل إنجاب طفل يحمل إعاقة أو متوحد وهو ما يكشف عن هشاشة البنية الأخلاقية لبعض العلاقات الزوجية التي تختزل المرأة في صنف ما تنجبه ذكرًا كان أو أنثى، وفي صحة ما تُنجبه أكان المولود معافى أو يُعاني من بعض الاضطرابات والأمراض".

وتؤكد ثريا التيجاني أنّ "معالجة هاته الظواهر تتطلب مقاربة مزدوجة قانونية واجتماعية حتى لا يُستعمل الطلاق كأداة لتكريس التمييز الذي يُعتبر شكلًا من أشكال العنف المسكوت عنه".

هذه الظاهرة حاضرة خاصة في المجتمعات الريفية، التي تُعامل فيها المرأة كأداة لتوريث الاسم والممتلكات فقط. وتبدو للوهلة الأولى أنّها ظاهرة تعكس العقلية الذكورية المتجذرة في بعض المجتمعات، حيث الثقافة الوراثية فيها ما زالت تعطي الأولوية للذكر في حفظ الكرامة والاسم والإرث.

الكلمات المفتاحية

طريق من الطين.. عن تلاميذ الأرياف والمسافات الوعرة نحو المدارس

طريق من الطين.. عن تلاميذ الأرياف والمسافات الوعرة نحو المدارس

تحوّلت مسالك الطريق الجبلي مع المطر إلى شريطٍ طينيٍّ زلِق، بالكاد تشعر بثبات خطوتك فيه، فكلّ حركة هي بمثابة مغامرة صغيرة بين ارتكاز القدم والحذر من الانزلاق في طريق وعرة. فالتضاريس قاسية، كأنّها تختبر عزيمة أيّ شخص في كلّ منعطف


احتجاج تونس حسن مراد DeFodi Images getty

ارتفاع نسق الاحتجاجات في تونس.. منظمة: زيادة بـ83% وزخم سياسي ومدني

المرصد الاجتماعي: مثّل شهر نوفمبر 2025، شهر العنف التربوي بامتياز، مع تضاعف عدد حالات ومحاولات الانتحار


التعليم 2 فتحي بلعيد أفب Getty

من الابتدائي إلى الإعدادي.. خلل منظومة التعليم يكشف فجوة في مكتسبات التلميذ التونسي

يشتكي عدد من الأولياء والأساتذة من مستويات تلاميذ السابعة أساسي في تونس.. وللوقوف على حقيقة هذا الوضع، وتحليل أسبابه تحدث "الترا تونس" مع أولياء ومختصين في الشأن التربوي والبيداغوجي




الصمت العقابي.. حين يتحوّل التواصل السلبي بين الشريكيْن إلى ابتزاز نفسي مدمّر

الصمت العقابي.. حين يتحوّل التواصل السلبي بين الشريكيْن إلى ابتزاز نفسي مدمّر

أخصائية علاقات لـ"الترا تونس": "الصمت العقابي ليس مجرّد انقطاع مؤقت عن الكلام، بل هو أخطر أساليب العنف النفسي التي تُمارَس داخل العلاقات تحت غطاء المعاتبة أو الحفاظ على الطرف الآخر".. ماذا تعرف عنه؟

الثورة في سنّ المراهقة.. جلسة فضفضة على أريكة طبيب نفسي
سیاسة

ثورة تونس في سنّ المراهقة.. جلسة فضفضة على أريكة طبيب نفسي

الباحث والناشط السياسي ماهر حنين لـ"الترا تونس": يجب أن تعمّ الحرية إيقاع الحياة الجماعية، وعلينا الاعتقاد جميعًا بأنّ الخلاص هو خلاص جماعي لا فردي.. على اعتبار أنه لا يمكن لأي طبقة أو أي تيار فكري أن ينعتق بمفرده، فإما أن تعود الحرية للجميع أو أنها لن تعود لأحد

طريق من الطين.. عن تلاميذ الأرياف والمسافات الوعرة نحو المدارس
مجتمع

طريق من الطين.. عن تلاميذ الأرياف والمسافات الوعرة نحو المدارس

تحوّلت مسالك الطريق الجبلي مع المطر إلى شريطٍ طينيٍّ زلِق، بالكاد تشعر بثبات خطوتك فيه، فكلّ حركة هي بمثابة مغامرة صغيرة بين ارتكاز القدم والحذر من الانزلاق في طريق وعرة. فالتضاريس قاسية، كأنّها تختبر عزيمة أيّ شخص في كلّ منعطف


تجمّع لأنصار قيس سعيّد أمام المسرح البلدي بالعاصمة في ذكرى الثورة
سیاسة

تجمّع لأنصار قيس سعيّد أمام المسرح البلدي بالعاصمة في ذكرى الثورة

رفع هؤلاء المتظاهرون عديد الشعارات، من بينها: "بالروح والدم نفديك يا علم"، "لا مصالح أجنبية على الأراضي التونسية"، "لا وصاية أجنبية على الأراضي التونسية"، "الشعب يريد قيس من جديد"، "الشعب يريد تطهير البلاد"..

17 ديسمبر.. من عيد ثورة الحرية إلى عيد "أنصار الرئيس"
رأي

17 ديسمبر.. من عيد ثورة الحرية إلى عيد "أنصار الرئيس"

تطوي الثورة التونسية التي اندلعت في 17 ديسمبر 2010، وألهمت الشعوب العربية على الانتفاض ضد أنظمة القهر والاستبداد، عامها الخامس عشر في مناخ لم يعد يطرح السؤال حول تحقيق أهدافها كما كان يُطرح دومًا في أفق المنجز الاقتصادي والاجتماعي الذي كان عنوانه حادثة إضرام محمد البوعزيزي النار في جسده، بل بات يطرح سؤال الحسرة حول ما كان يُقدَّم بوصفه "المنجز الوحيد للثورة": حرية التعبير

الأكثر قراءة

1
اقتصاد

مرصد الطاقة والمناجم: تواصل تراجع نسبة الاستقلالية الطاقية مع موفّى أكتوبر 2025


2
سیاسة

منظمات تونسية تحذّر: تراجع غير مسبوق في الحقوق والحريات وانتهاكات خطيرة


3
رأي

ظرف مسموم


4
سیاسة

تونس بعد 15 عامًا من الثورة.. تراجع الحريات وتوقف الانتقال الديمقراطي


5
مجتمع

جمعيات ومنظمات تونسية: وفاة نعيم البريكي تُجسّد مجددًا سياسة الإفلات من العقاب