ultracheck
مجتمع

طقوس الحج في تونس.. عرس للروح وتراث لا يموت

14 مايو 2026
الحج في تونس
يُحمّل الجيران والأقارب، الحجاج وهو يودّعونهم، رسائلهم الخاصة وأدعيتهم وأمانيهم (صورة توضيحية/pexels)
أسماء البكوش
أسماء البكوش صحفية من تونس

لا يُقاس الحج في تونس بالمسافات الجغرافية، بل بفيض المشاعر التي تسبق الرحلة بأشهر، وتستقر في الوجدان لسنوات. ففي الربوع التونسية، ليست "فريضة العمر" مجرد مناسك تُؤدى، بل هي عرسٌ اجتماعي تتداخل فيه الدموع بالزغاريد، وتتحول فيه بيوت الحجيج إلى مزارات تفوح منها رائحة "الجاوي" وأصوات "السلامية". 

فالفرحة في مدن الجنوب لا تنتظر يوم السفر، بل تبدأ من اللحظة التي يُنطق فيها اسم الحاج في "القرعة" يقول العم صادق (70 عامًا)  لـ"الترا تونس"، "فمنذ تلك الثانية، تنطلق الزغاريد من البيت لتعلن للقرية كلها أن بركة الرحمن قد حلّت بساحتنا".

ويتحول البيت إلى مزار، ورائحة بخور "الجاوي" لا تنقطع عن الأركان، وتعلو الأذكار والأناشيد الدينية التي تتغنى بخصال النبي صلى الله عليه وسلم. ومنها:

"يا سعد من زار النبي ومشى له ** بالزاد والتقوى ورزق حلاله

النبي الهادي بو فاطمة المختار سيد أسيادي ** إن شاء الله نزور البيت وحرم الهادي ** مع جملة الإخوان نتعداله.

النبي الأكرم

نطوف بالبيت ونشرب من زمزم ** يا مجمل الإنسان وهو محرم **يطلب في ربي السيئة يمحوها له.

النبى الباهي

هو المجاهد في سبيل الله ** يارب يا معبود أقبل جاهي ** اغفر ذنوب المسلمين كماله" 

"والناس هنا يحمّلون الحاج أمانات غالية؛ فمنهم من يكتب رسائل صغيرة بمداد القلب، يرجون من الحاج أن يلقيها أو يقرأها أمام الروضة الشريفة، عسى أن تصل شكواهم وأشواقهم لرسول الله. هي رسائل بسيطة في شكلها، لكنها محملة بأوجاع وآمال أهالينا الذين لم تدركهم الرحلة بعد"، وفقه.

في تونس، ليس الحج مجرد مناسك تُؤدى، بل هي عرسٌ اجتماعي تتداخل فيه الدموع بالزغاريد، وتتحول فيه بيوت الحجيج إلى مزارات تفوح منها رائحة "الجاوي" وأصوات "السلامية"

أما الخالة مبروكة التي حجت منذ 6 سنوات تقريبًا فتقول بعيون غارقة في الشجن والحنين "للحج عندنا أسرار وطقوس غارقة في البركة؛ فكثير من الأمهات يسلمن الحاج 'سُرّة' رضيع حديث الولادة، ويطلبن منه دفنها في تراب مكة الطاهر، تفاؤلاً بأن يكبر الصغير على الصلاح ويكون له نصيب من زيارة البيت الحرام مستقبلاً".

أما الفتيات اللواتي ينتظرن "المكتوب" ونصيبهن في الزواج، فلا يطلبن سوى "حنة البلاد" (الحجاز)، يضعنها يقيناً بأن بركة المكان ستعجل بفرحهن.

وبجانب الطائفين، تظل وصايا النسوة اللواتي لم يرزقن بذرية ترنّ في أذن الحاجة: "بالله يا حاجة، اذكريني عند الكعبة وادعي لي بالضنى (الأطفال)".

اقرأ/ي أيضًا: الدين في زمن إنستغرام.. كيف تغيّر خطاب الوعظ في تونس من المنبر إلى الريلز؟

"نحن نؤمن أن دعوة الحاج في تلك اللحظة هي سهم لا يخطئ أصاب كبد السماء"، وفقها. ولعلّ أغرب ما يحمله الحاج التونسي في طريق عودته، وأكثرها إثارة للشجن، هو "كفن مكة".

فكثير من الحجيج، خاصة كبار السن منهم، يصرون على اقتناء قماش الكفن ولوازم الدفن من البقاع المقدسة، وغمسها في ماء زمزم وتطيببها بالمسك والعنبر هناك.

يعود الحاج بهذا المتاع "الأخير" ليحتفظ به في مكان آمن ببيته، موصيًا أبناءه باستعماله عند وفاته. هذا التقليد ليس تشاؤمًا، بل هو قمة "الرجاء" في معتقد التونسيين؛ حيث يطمح الحاج أن يلقى ربه في ثياب لامست طهر مكة وارتوت بماء زمزم، ليكون حجّه "ذخرًا" يرافقه حتى في قبره.

ويرى الباحث في التراث، حسين بلحاج يوسف، أنّ لكل جهة في الربوع التونسية بصمتها الخاصة في الاحتفاء بشعيرة الحج.

حاجة تونسية لـ"الترا تونس": كثير من الأمهات يسلمن الحاج 'سُرّة' رضيع حديث الولادة، ويطلبن منه دفنها في تراب مكة والبعض يصرّون على اقتناء قماش الكفن ولوازم الدفن من البقاع المقدسة، وغمسها في ماء زمزم وتطيببها بالمسك والعنبر هناك

ففي مدينة المنستير، تنبض الشوارع بالحياة قبل مغادرة الحجيج بفترة طويلة؛ حيث تنطلق الاحتفالات بما يُعرف بـحضرة "الشواقة"، وهي حلقات ذكر وأوراد دينية يُدعى إليها الأهل والأحباب.

يسرد بلحاج يوسف في حديثه لـ"الترا تونس" تفاصيل دقيقة حول مسارات التوديع قديمًا؛ فإذا كان الحاج يتبع المذهب المالكي، يتجمع المودعون أمام الجامع الكبير، أما إذا كان حنفيًا، فيكون التجمع عند جامع بورقيبة (جامع الحنفية سابقًا). ومن هناك، تنطلق المسيرة الحاشدة باتجاه بيت الحاج، في موكب مهيب تتردد فيه الصلاة على النبي والأذكار الروحية.

داخل البيت، يتصدر الحاج المشهد بـ "جبته" و"برنوسه" التونسي الأصيل، جالسًا في صحن الدار لاستقبال المهنئين، بينما تنفرد الحاجة في غرفتها مرتدية "القشبية"، وسط أجواء تفوح منها رائحة الشاي بالصنوبر (البندق) والعصائر المنعشة. ولا يغادر الضيوف إلا وقد نالوا نصيبهم من "التوزيعات" التي تتصدرها "البسيسة" التونسية.

اقرأ/ي أيضًا: موعد عيد الأضحى 2026 في تونس فلكيًا

يأتي يوم السفر ليرسم مشهدًا مؤثرًا عند "الباب الغربي" للمدينة، أو كما يُعرف بـ "باب الفرج"؛ وهو الممر الرمزي الذي يودع منه الأهالي أحبابهم، وهو ذاته الذي يستقبلونهم منه عند العودة من البقاع المقدسة.

وعند العودة، لا يكون الاستقبال عاديًا؛ إذ تستقبل فرق "العيساوية" الحجيج بالأعلام المرفوعة والقصائد الصوفية، في موكب يتوجه مباشرة إلى مقام "سيدي المازري"، حيث يؤدي الحاج ركعتي شكر، قبل أن يعود إلى منزله ليجد في انتظاره طبق "المحمصة" المنستيرية التقليدية، التي تُطهى بيضاء دون فلفل أحمر وتُزين بالزبيب، كرمز للنقاء والصفاء.

حسين بلحاج يوسف (باحث في التراث) لـ"الترا تونس": لكل جهة في الربوع التونسية بصمتها الخاصة في الاحتفاء بشعيرة الحج، ففي بعض الجهات يلتزم الحاج ببروتوكول اجتماعي دقيق؛ إذ لا يفتح حقائبه إلا بعد 3 أيام، يقضيها في استقبال الزوار ليل نهار

يضيف الباحث أنّ الحاج يلتزم ببروتوكول اجتماعي دقيق؛ فلا يفتح حقائبه إلا بعد ثلاثة أيام، يقضيها في استقبال الزوار ليل نهار. وبعد انقضاء هذه المدة، تُوزع الهدايا المباركة من بخور وسبح وسجادات وماء زمزم.

وفي أول خروج له للمدينة، يجلس الحاج في المقهى العتيق، حيث يلتف حوله الأهالي في جلسة تجمع بين الديني والدنيوي؛ فيخبرونه بما فاته من أحداث المدينة ومواليدها ووفياتها، بينما يسرد هو عليهم تفاصيل رحلته المقدسة وما خالج صدره عند رؤية الكعبة لأول مرة.

ولا يغفل بلحاج يوسف الإشارة إلى التمايز بين المناطق؛ ففي معتمدية "بنبلة" مثلاً، يتخذ "التشويق" طابعًا أدبيًا بحضور "الأدبة" (الشعراء الشعبيين) كالبشير البكار، الذين ينظمون قصائد مدحية في حضرة النبي الكريم، تصف الرحلة ومشاقها ومشاعر الشوق التي تختلج في وجدان الحاج.

ويختم الباحث حديثه لـ"الترا تونس" مؤكدًا أنه رغم تخلي البعض عن بعض التفاصيل الدقيقة، إلا أن جوهر هذه العادات، وخاصة فرق "السلامية"، لا يزال حاضرًا في بيوت المنستير، شاهدًا على تجذر هذه الفريضة في وجدان التونسيين وتعلق قلوبهم الأبدي ببيت الله الحرام.

من جانبه يسلط رئيس جمعية "تراثنا"، زين العابدين بالحارث، في تصريحه لـ"الترا تونس"، الضوء على خصوصية العادات في مدينة تونس العتيقة، حيث تبدأ الرحلة بـ "طلب السماح".

فالحاج، يرى أنه سيكون "ضيفًا عند الرحمن"، لهذا يسعى قبل سفره لتنقية سريرته؛ فيجوب بيوت الأقارب والجيران طالبًا الصفح عن كل زلّة، ليكون قلبه صافيًا قبل الوقوف بين يدي الله، وفي ذلك تجسيد لمبدأ أن الحج هو رحلة التحلل من التبعات البشرية بقدر ما هو عبادة روحية.

ورغم توفر كل المستلزمات في البقاع المقدسة وبأسعار زهيدة، فإن "التونسي" يصرُّ على اقتناء ملابس الإحرام وكافة لوازم الحج من قلب أسواق المدينة العتيقة.

وحسب بالحارث، فإن هذا الإصرار يعكس ارتباطاً عاطفياً بـ "بركة" المكان؛ حيث تمتلئ الحقائب بمنتجات تونسية خالصة، لا سيما "القفّة" التي تُحمل كزادٍ استراتيجي لضمان الطاقة الجسدية، محملةً بزيت الزيتون، و"البنادق"، و"الهريسة"، و"البسيسة"، لتكون معينةً له على أداء المناسك بصحة وعافية.

زين العابدين بالحارث (رئيس جمعية "تراثنا") لـ"الترا تونس": في مدينة تونس العتيقة، تبدأ رحلة الحج بـ "طلب السماح"، فيجوب الحاج بيوت الأقارب والجيران طالبًا الصفح عن كل زلّة، كما يتحول الحاج إلى "سفيرٍ للأماني"

ويتحول يوم المغادرة إلى مهرجان من المشاعر؛ حيث ينطلق الحاج في موكب مهيب تصدح فيه الزغاريد وتختلط بدموع الفرح.

وهناك، يتحول الحاج إلى "سفيرٍ للأماني"، حيث يُحمّله المودعون رسائلهم الخاصة: "بلّغ سلامنا لرسول الله"، و"ادعُ لنا بالرزق والذرية الصالحة عند الطواف".

هي لحظات يتلاشى فيها الفرد لصالح الجماعة، ويصبح الحاج صوتًا لكل المشتاقين الذين لم يكتب لهم الحج بعد.

لا تقل العودة حماسةً عن الوداع؛ إذ يُستقبل الحاج بقرع الدفوف والورود وسط أجواء تعبق برائحة البخور.

يتهافت الأحبة لتقبيل يد ورأس الحاج، استنشاقًا لـ "عطر مكة" الذي يُعتقد أنه لا يزال عالقًا بثيابه.

وتكتمل الفرحة بذبح الخراف وإقامة الولائم الكبرى، حيث يتصدر "الكسكسي التونسي بالعلوش" الموائد، تعبيرًا عن شكر النعمة.

وفي غمرة الاحتفال، يوزع الحاج هدايا "البركة": من رطب المدينة، وماء زمزم، والسبح والسجادات، بينما يحظى الصغار بنصيبهم من الحليّ والألعاب، لتبقى هذه الذكرى محفورة في ذاكرتهم كحدثٍ يتجاوز حدود السفر، ليصبح عيدًا اجتماعيًا متكاملًا.

الكلمات المفتاحية

طلبة

ماذا نعرف عن التوجيه الجامعي في تونس لسنة 2026؟

تمثل عملية التوجيه الجامعي في تونس مرحلة أساسية في المسار الدراسي للناجحين في امتحان الباكالوريا..


النزل الاصطياف تونس فتحي بلعيد أ ف ب Getty

ارتفاع أسعار النزل والاصطياف في تونس سنة 2026 يثقل كاهل الأسر

تتواصل خلال صائفة 2026 موجة ارتفاع أسعار خدمات النزل والاصطياف في تونس، وسط شكاوى من غلاء تكلفة العطلة الصيفية مقارنة بالموسم الماضي..


المراحيض العمومية Getty

عن أزمة المراحيض العموميّة في تونس

ما الذي يجعل كاتبًا أو صحفيًّا أو مدوّنًا يهتمّ بمشغل سفليّ بسيط في ظنّ الكثيرين لا يرقى عمقًا ودقّة وخطورة إلى القضايا السياسيّة والأمنيّة والفنيّة؟


النوفيام

بين الدراسة والرياضة.. قصة التوائم الثلاث المتفوقات في "النوفيام"

عاشت عائلة الشتيوي قصة نجاحٍ استثنائية توّجت بتفوق الشقيقات التوائم الثلاث في مناظرة ختم التعليم الأساسي العام دورة 2026 "النوفيام".. تعرّف عليها

منجي مرزوق.jpg
مجتمع

كيف علّق وزير طاقة سابق على إجراء القطع المتعمَّد للكهرباء في تونس؟

منجي مرزوق: تونس تُعد نموذجًا جيدًا لدولة حققت وصولاً شبه شامل للكهرباء، لكنها ما زالت تلجأ إلى تخفيف (تقنين) موسمي ومحدد النطاق للكهرباء

محمد بالحاج محمود
منوعات

محمد بالحاج محمود رسميًا في الترجي الرياضي

أعلن الترجي الرياضي التونسي، اليوم الأربعاء 15 جويلية/يوليو 2026، عن إتمام كافة الإجراءات المُتعلّقة بالتعاقد مع..


طلبة
مجتمع

ماذا نعرف عن التوجيه الجامعي في تونس لسنة 2026؟

تمثل عملية التوجيه الجامعي في تونس مرحلة أساسية في المسار الدراسي للناجحين في امتحان الباكالوريا..

هيثم المكي وإلياس الغربي بلعيد.jpg
میدیا

تنديد بالحكم الصادر ضد الإعلامي هيثم المكي ودعوات لنقضه

نقابة الصحفيين التونسيين: ندعو السلطات إلى احترام المعايير الدستورية والدولية الضامنة لحرية التعبير، ووضع حد للملاحقات القضائية التي تستهدف الصحفيين والإعلاميين خارج الضمانات التي يقرّها القانون

الأكثر قراءة

1
سیاسة

وزير خارجية تونس يقدّم التعازي لأمير قطر في قصر لوسيل


2
منوعات

صبري اللموشي يكشف كواليس نهاية تجربته مع المنتخب التونسي


3
مجتمع

رفض مطلب الإفراج عن الناشط عبد الله السعيد وتأجيل القضية


4
منوعات

12 ولاية تونسية ضمن مستوى إنذار مرتفع.. ما القصة؟


5
مجتمع

انقطاعات واسعة ومتكررة للكهرباء بتونس.. استياء كبير و"الستاغ" توضّح الأسباب