طفرة النقد في تونس وتذمرّ من الأوراق المالية المهترئة.. ما الأسباب والتداعيات؟
1 سبتمبر 2025
لامست قيمة الأوراق النقدية والعملة المعدنية المتداولة في تونس مستوى قياسيًا جديدًا، لتفوق حاجز 26 مليار دينار، وبالتزامن مع ذلك تصاعدت شكاوى عديد التونسيين من الأوراق النقدية البالية التي غزت السوق التونسية، ولبحث أسباب ذلك والتداعيات الممكنة على الاقتصاد، تواصل "الترا تونس" مع عدد من المختصين في الشأن الاقتصادي والمالي.
ارتفاع غير مسبوق للكتلة النقدية المتداولة
وكشفت الأرقام الصادرة عن البنك المركزي مؤخرًا، عن طفرة قياسية في السيولة النقدية المتداولة لتبلغ بتاريخ 28 أوت/أغسطس 2025 حوالي 26 مليار دينار، وذلك مقابل 22.6 مليار دينار في أوت/أغسطس من سنة 2024.
سجّلت قيمة الأموال المتداولة نقدًا في تونس طفرة قياسية، تزامنت مع تصاعد شكاوى عديد التونسيين من الأوراق النقدية البالية التي غزت السوق التونسية
وسجّلت قيمة الأموال المتداولة نقدًا زيادة بنحو 3.4 مليار دينار مقارنةً مع التاريخ نفسه من عام 2024، حسب البنك المركزي التونسي.

أوراق مالية مهترئة تثير الاستياء والتساؤل
بالتزامن مع ذلك تصاعدت شكاوى عديد التونسيين على منصات التواصل الاجتماعي من الأوراق النقدية البالية، والمهترئة، التي يتم ضخها من الموزعات الآلية للبنوك.
وتساءل عديدون عن "أسباب تآكل الأوراق المالية المتداولة في تونس خلال هذه الفترة، في ظل صمت رسمي من القنوات الرسمية المتمثلة أساسًا في البنك المركزي التونسي"، خاصة وأن "بعض هذه الأوراق تآكلت إلى حد ضبابية ترقيمها ورمزها ما يطرح إمكانية عدم قبولها من طرف المتعاملين في السوق"، وفقهم.



قراءة في الأسباب والتداعيات
وفي تعليقه على هذه المسألة يعتبر الخبير المحاسب أنيس الوهابي، أن "البنك المركزي يتولى عادة تجميع كل الأوراق النقدية والعملة المعدنية التي لم تعد صالحة للاستعمال وانتهت فترة صلاحيتها، ثم يقوم بإتلافها بصفة رسمية، ويصدر أوراقًا مالية جديدة".
وأضاف في تصريحه لـ"الترا تونس": "عادة يكون لدى البنك المركزي مخزون من الأوراق المالية الجديدة، يضخها في السوق عند الحاجة إلى ذلك، ولكن يبدو أنه تم ضخ كل المخزون الجديد، واضطر البنك بالتالي إلى ضخّ أموال قديمة، في انتظار طباعة أوراق جديدة"، وفق قوله.
أنيس الوهابي لـ"الترا تونس": يكون لدى البنك المركزي عادة مخزون من الأوراق المالية الجديدة يتولى ضخها في السوق عند الحاجة إلى ذلك، وتداعيات تزايد تداول الأموال نقدًا هي تشجيع الاقتصاد الموازي والتهرب الضريبي
ولفت الوهابي، إلى أن "السبب وراء ذلك هو الضغط الكبير على السيولة في البلاد، نتيجة لقانون الشيكات بشكل خاص، وكذلك لتخوف التونسيين من التعاملات البنكية وكذلك المراقبة الجبائية، وبالتالي تم اللجوء إلى التعامل نقدًا بشكل متزايد".
وبيّن الوهابي أن "السوق النقدية في تونس عرفت زيادة بنحو 3 مليار دينار من السيولة الإضافية في ظرف سنة، وذلك بعد التنقيحات المدخلة على قانون الشيكات"، مضيفًا أن "تداعيات تداول الأموال نقدًا هي تشجيع الاقتصاد الموازي والتهرب الضريبي، إذ كانت هناك خطة لمحاربة الاقتصاد الموازي تقوم على عدة نقاط من بينها ترشيد تداول الأموال نقدًا، إلا أن المشرع التونسي لم يفكر في هذه التداعيات عند تنقيح قانون الشيكات".
اقرأ/ي أيضًا: ارتفاع حجم الأموال المتداولة نقدًا في تونس.. مختص في الاقتصاد يوضّح
وتابع الوهابي: "المشرع التونسي راهن على أن يخلق النظام البنكي حلولاً جديدة للتعامل، إلا أن النظام البنكي لم يتطور ولم تتوفر الشروط المناسبة لتطوره، وهو ما أفرز بالتالي التوجه نحو التعامل النقدي من جديد، خاصة بعد صدور مرسوم إلغاء تجريم مسك مبالغ تساوي أو تفوق 5 آلاف دينار نقدًا".
بدوره اعتبر المختص في الاقتصاد وسيم بن حسين، أن البنك المركزي التونسي هو الطرف الوحيد المخول لتوضيح ظاهرة تداول أوراق مالية بالية ومتآكلة في تونس.
وأشار بن حسين في تصريحه لـ"الترا تونس" إلى أن "أي سحب للأوراق المالية القديمة التي انتهت فترة صلاحيتها، يكون بصفة تدريجية، بهدف عدم إحداث أي اضطراب في السوق"، مضيفًا: "قد يكون البنك المركزي لم يحدد بعد استراتيجيته للتصرف في هذه الأوراق القديمة، كما أنه من الوارد أن يكون لديه خطة للتصرف فيها، ولكن موعد تطبيقها لم يحن بعد"، مستبعدًا ضخ البنوك لأموال قديمة في الدورة المالية.
وسيم بن حسين لـ"الترا تونس": هناك مخاطر عالية في الرقابة على الأموال في الظرف الحالي، ومخاطر لتبييض الأموال، وتداول الأوراق النقدية البالية يسيء إلى صورة الدولة ويعطي شعورًا بغيابها
وأضاف أن "الأرقام الصادرة عن البنك المركزي التونسي، والمتعلقة بحجم الأموال المتداولة نقدًا تشير إلى أن الاقتصاد التونسي لا يزال اقتصادًا غير مهيكل، إذا أن أكثر من 60 بالمائة من المعاملات المالية هي معاملات نقدية".
كما لفت إلى أن "معاملات التونسيين النقدية تشير إلى انخفاض منسوب الثقة في البنوك والتخوف من الرقابة الجبائية، خاصة في ظل قوانين الجباية في السنوات الأخيرة".
وبين بن حسين أن نحو 60 بالمائة فقط من التونسيين منخرطون في النظام البنكي، ولهم بطاقات دفع وحسابات بنكية، إضافة إلى انخفاض منسوب الثقة في الخلاص الإلكتروني عمومًا.
وأضاف أن "هناك مخاطر عالية في الرقابة على الأموال في الظرف الحالي، ومخاطر تبييض الأموال"، معتبرًا أن "تداول الأوراق النقدية البالية يسيء إلى صورة الدولة ويعطي شعورًا بغيابها"، كما نبه من جانب آخر إلى مخاطر التضخم قائلاً إن "التعامل النقدي يشجع أكثر على السلوك الاستهلاكي".
وبين بن حسين أن "تداول الأموال نقدًا ينعش اقتصاد الظل أو الاقتصاد الموازي، في ظل غياب الرقابة الجبائية والمالية".
رضا الشكندالي لـ"الترا تونس": الأوراق النقدية البالية والمهترئة المتداولة في تونس مؤخرًا، مردها الأموال التي كانت في السوق الموازية، ولذلك مخاطر عالية جدًا أبرزها تصاعد مخاطر العمليات المالية المشبوهة
من جهته اعتبر الأستاذ الجامعي المختص في الاقتصاد رضا الشكندالي، بأن "التنقيحات المدخلة على قانون الشيكات، هي التي دفعت التونسيين وحتى أصحاب عدد من الشركات الصغرى والمتوسطة إلى التعامل نقدًا عوضًا عن التعاملات البنكية على غرار الشيك والتحويلات المالية وغيرها، وعادت بتونس سنوات إلى الوراء".
اقرأ/ي أيضًا: الشكندالي لـ"الترا تونس": قانون الشيكات الجديد أنعش الاقتصاد الموازي وأعاد تونس سنوات للوراء
ولفت في حديثه مع "الترا تونس" إلى أن "ممارسات التونسيين تغيرت بعد إلغاء الشيك كوسيلة لتسهيل الدفع أو الدفع المؤجل وحصره في وظيفة الخلاص الآني، وهو ما خلق نقصًا كبيرًا على مستوى السيولة في البنوك، مما يخلق مخاطر كبيرة على النظام البنكي ومدى قدرته على القيام بدوره في تونس، حتى في إقراض الدولة نفسها.
ولفت الشكندالي إلى أن الأوراق النقدية البالية والمهترئة المتداولة في تونس مؤخرًا، مردها الأموال التي كانت في السوق الموازية، معتبرًا أن تزايد التداول نقدًا يؤدي اليوم إلى التهرب الضريبي وإضعاف قدرة الدولة على الرقابة، وشدد من جانب آخر على استحالة ضخ الأوراق النقدية البالية من طرف البنك المركزي.
ونبه في تصريحه لـ"الترا تونس"، إلى "تصاعد مخاطر العمليات المالية المشبوهة، والمخاطر العالية جداً التي تواجهها تونس، في ظل إمكانية تصنيفها ضمن قائمات سوداء بسبب ارتفاع حجم الاقتصاد الموازي"، وبين الشكندالي أن "أكبر خطر يهدد تونس هو اهتزار الثقة في البنوك، وخروج السيولة من سيطرة البنوك إلى المسالك الموازية".
ويذكر أن حجم الاقتصاد الموازي في تونس بلغ نسبة 40 بالمائة حتى سنة 2022 أي ما يعادل 70 مليار دينار، من الناتج الداخلي الخام، وفق الأرقام الرسمية الأخيرة الواردة في تقرير أعدته اللجنة الفنية المتكونة من إطارات في وزارة المالية، وتم عرضه خلال اجتماع المجلس الوطني للجباية خلال سبتمبر/أيلول 2024 لدراسة ظاهرة الاقتصاد الموازي.

الكلمات المفتاحية

"باقون ما بقي الزيتون".. قصة تونسي يقود مبادرة استثنائية لتشجير أراضٍ في غزة
صاحب المبادرة التونسي عماد الرمضاني لـ"الترا تونس": الهدف لا يقتصر على دعم المزارعين لاستعادة نشاطهم الزراعي، بل يتجاوز ذلك إلى المساهمة في تثبيت الغزيين في أرضهم، في مواجهة مخططات التهجير القسري..

فاتورة الظلام.. عندما يدفع الفلاحون وصغار المهنيّين ضريبة العجز الطاقي
لم يعد القطع المتكرر للتيار الكهربائي في عدة مناطق تونسية مجرد إزعاج عابر يثير تذمر المواطنين في بيوتهم، بل تحوّل إلى نزيف اقتصادي يومي يُهدّد بإفلاس مئات الحرفيين وصغار المستثمرين

قرض جديد بـ500 مليون دولار يثير الجدل في تونس.. هل سيموّل الاستثمار أم الاستهلاك؟
كانت وزيرة المالية التونسية مشكاة سلامة قد أكدت أمام البرلمان أنّ هذا القرض يندرج في إطار التمويل مباشرة في إطار تعبئة الموارد الخارجية المبرمجة صلب قانون المالية. وشددت على أنّ القرض ليس استهلاكيًا.. وهو ما ينفيه مختصون ونواب بالبرلمان

درجة إنذار تتطلب الحذر.. أمطار رعدية ورياح قوية تشمل 18 ولاية تونسية
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تصل إلى 41 درجة بالجنوب الغربي

تونس تحصد 17 ميدالية في البطولة العربية لألعاب القوى تحت 18 سنة
اختتمت تونس يوم الأربعاء 9 سبتمبر 2026 مشاركتها في البطولة العربية لألعاب القوى تحت 18 سنة، التي احتضنتها مصر من 5 إلى 9 سبتمبر الجاري، بحصيلة جملية ناهزت 17 ميدالية

جامعة التعليم العالي: ندعو إلى مفاوضات عاجلة والترفيع في منحة العودة الجامعية
الجامعة العامة للتعليم العالي: تنامي أعداد الدكاترة الباحثين العاطلين عن العمل يظل مؤشرًا آخر على غياب التخطيط الكفيل بتحقيق التوازن بين منظومة التكوين الجامعي وحاجيات سوق الشغل

طقس تونس.. درجات الحرارة في ارتفاع طفيف وتصل القصوى إلى 41 درجة
أعلن المعهد الوطني للرصد الجوي أن طقس اليوم الأربعاء 9 سبتمبر/أيلول 2026 سيكون قليل..




