طفرة الشعر المولّد بالذكاء الاصطناعي.. كيف تباينت آراء الشعراء التونسيين؟
26 أغسطس 2026
تصدير: "الكلمة في الشعر، أي لحظة استرداد اللغة لماهيتها تمتلك طاقة استحضار هائلة، تستحضر معنى، فيشرع ذلك المعنى ذاته في التوالد على نحو مذهل عجيب.."
الأستاذ محمد لطفي اليوسفي
(كتاب: الشعر والشعرية - الدار العربية للكتاب)
تعرّف العرب قديمًا الشعر بأنه "سقف اللغة" وذاكرة الإنسان بعد النسيان، وهو روح الكلام وجوهره السليم، ويصفه ابن سينا بأنه "عادة هذا الزمان". وللشعر وظائف جمالية ورمزية لا حدود لها، فهو شقيق السيف في الحرب وهو الذي يوقع معاهدات السلام بين الجماعات ويوثقها وهو الذي يولي ويعزل وهو الذي يقتل "ينفذ كلام الشعر حيث لا ينفذ الإبر".
الشعر هو من أقدم الممارسات الإبداعية الموروثة التي عرفتها البشرية، فهو يروي الملاحم ويوثق للأحداث والوقائع والبطولات ليتحول بذلك إلى وسيلة لمعرفة الماضي، ويخلّد لوحات من الحياة اليومية للشعوب والأمم ويصف جمال الطبيعة ويصل المشاعر الإنسانية ويلين القلوب ويرفق بها وتحنو كلماته لتزيح الألم.
والشعراء المجددون البارعون، الشجعان أمام أنفسهم وأمام اللغة وأمام مجتمعهم، خلّدهم التاريخ لقوة نصوصهم ومتانتها وجزالتها اللغوية وانتصارهم للإنسان في تجاويفها على غرار: المتنبي والشابي والسياب وطاغور ولوركا والخيام وناظم حكمت ودرويش ونيرودا وباث وبورخس وبوشكين..
نلاحظ في كل ثقافات العالم، الكثير من الغموض الذي يحوم حول وضع الشعر اليوم في علاقته بالذكاء الاصطناعي. وفي تونس هناك آراء متباينة في الساحة الشعرية التونسية
لكنّ الشعر اليوم في زمن الثورة الاتصالية بات تحت تهديد الذكاء الاصطناعي، الذي نراه حلّ محل الشعراء في بعض الأحيان ويلقى رواجًا على المنصات، فلم يعد الشعر يخرج من أفئدة الشعراء وعقولهم، بل بات يخرج من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، حتى أنه ثمة إصدارات شعرية طبعت وقدمت وروّجت في المكتبات ومعارض الكتاب وهي من تأليف الذكاء الاصطناعي بطلب من غير الذين يحملون صفة الشاعر.
هذا التوجس من اندثار الشعر البشري وغياب صفة الشاعر التي أطلقناها لقرون على من امتهن نظم الشعر وتدوينه وترصيفه وإلقائه، يدعونا بالحاح إلى طرح أسئلة حول هذه الشعرية الصناعية الجديدة المنكشفة من الآلة والتي تدعي اختصارها للمنتج العقلي الإنساني: هل يحمل الشعر الجديد نفس الجذوة والحرقة ويحقق نفس درجات الإلذاذ التي يحققها الشعر البشري؟ ولمن ننسب هذا المنتج الشعري الجديد للآلة أم للوسيط؟
وأيضًا هناك أسئلة أخرى عديدة حول مستقبل الشعراء في ظل هذا التطور التكنولوجي والاتصالي الجديد ومتسارع الخطى، هل ستواصل الثقافات في تقديم الشعراء كحملة رايات الجمال والإبداع؟ وهل سيواصل الشعراء الحاليون في كتابة الشعر بالتوازي مع الشعر المنتج بواسطة الذكاء الاصطناعي؟
ثمة من يرى في الذكاء الاصطناعي أداة لتعزيز مكانة الشعر إذا ما أحسننا التوظيف، وثمة شق آخر يرى في الذكاء الاصطناعي تهديدًا لسلامة الشعر الطبيعي ووجود الشعراء في ذاتهم
ما نلاحظه في كل ثقافات العالم هو الكثير من الغموض الذي يحوم حول وضع الشعر اليوم في علاقته بالذكاء الاصطناعي. وفي تونس هناك آراء متباينة في الساحة الشعرية التونسية، فثمة من يرى في الذكاء الاصطناعي أداة لتعزيز مكانة الشعر إذا ما أحسننا التوظيف، وثمة شق آخر يرى في الذكاء الاصطناعي تهديدًا لسلامة الشعر الطبيعي ووجود الشعراء في ذاتهم؟
"الترا تونس" تواصل مع ثلة من الشعراء التونسيين حول هذا الموضوع الحارق وكانت هذه آراؤهم:
الشاعر المنصف المزغني: الذكاء الاصطناعي يغري منزوعي المواهب بأن الإبداع الشعري ممكن
المنصف المزغني هو من أبرز الأسماء الشعرية في تونس والمدير الأسبق لبيت الشعر التونسي وصاحب مجاميع "عناقيد الفرح الخاوي" و"عياش" و"حبات ".. والحائز على جوائز تونسية وعربية وعالمية.. أوضح لـ"الترا تونس" أن الذكاء الاصطناعي قد ينفع في البحث العلمي وسرعة تدفق المعلومات، في مجالات تهم الرياضيات والفيزياء. ويضيف الشاعر المنصف المزغني، أنّ الذكاء الاصطناعي يحاول أن يتذاكى على الفنون وعلى الإبداع والحال أنه يحتاج إلى ذكاء بشري لمعالجته في كل مرة وبالتالي فمن الأسلم أن نبتعد عنه عند الشروع في العملية الإبداعية وخاصة الشعر لأننا إذا غرقنا فيه سننتج نصوصًا تشبه تلك الدمى العملاقة البلاستيكية الخالية من الإحساس، وفقه.
الشاعر المنصف المزغني: من الأسلم أن نبتعد عن الذكاء الاصطناعي عند الشروع في العملية الإبداعية وخاصة الشعر لأننا إذا غرقنا فيه سننتج نصوصًا تشبه تلك الدمى العملاقة البلاستيكية الخالية من الإحساس
وأشار إلى أنّ ما يروّج له من أن الذكاء الاصطناعي قادر على إنتاج نصوص لذيذة وحية وحرة ومنطلقة هو وهم يغري منزوعي المواهب بأن الإبداع ممكن. وأوضح الشاعر المنصف المزغني أن الماكينة التجارية العالمية تريد أن تستولي على كل شيء بما في ذلك الإبداع وهي في هذه الحال تخلق أدباء أرواحهم الفنية قُدّت من البلاستيك الملوّن، إنهم يريدون إقحام الحياة الأدبية في الآلة وتزوير اللحظة الأدبية. وختم بأن الأفضلية والبقاء سيكون لروح الكتابة البشرية الحرة وهي تكتب وتشطب وتعيد الكتابة وتحسن.
الشاعر نصر سامي: شخصيًا تجاوزت الاندهاش الأول.. والذكاء الاصطناعي لا يضر بالعملية الإبداعية بل هو في خدمتها
الشاعر نصر سامي هو من أبرز شعراء موجة شعراء التسعينيات في تونس، يكتب الرواية ويمارس فن الرسم، حاصل على عدة جوائز تونسية وعربية منها جائزة الشارقة للرواية سنة 2015 وجائزة كتارا للرواية سنة 2017 له أكثر عشرات الكتب بين الشعر والرواية وكتب نقدية وكتب للأطفال.. وله تجارب عربية رائدة في التدريب على الكتابة السردية.
من أعماله الشعرية نذكر "ذاكرة لاتساع اللغات" (1996)، "أنهار لأعالي الضوء" (1997)، "السيرة" (2001)، "كتاب الحب" ( 2006)، "عربة لخيل الأساطير" (2012)..
أشار إلى أنه لا بدّ من التأكيد في البداية على أنّ الذكاء الاصطناعي أصبح على غاية من التطور المذهل وهو على ذمة مستعمليه في كل المجالات، والشعر ليس بمنأى عنه بل الكتابة الإبداعية برمتها أصبحت تحت طائلته، مضيفًا أن المطلوب هنا هو الاستعمال الواعي والمدروس لهذه الأداة، وأوضح أنه في المجال الأدبي يستطيع الذكاء الاصطناعي الالتقاء بالخطاطة الأولى للقصيدة أو القصة أو الرواية فيقدم لك نتائج مذهلة وصورًا تكاد تكون مثالية لكن يبقى الإشكال في الشخص الممارس لهذه الأداة الذي يجب ألا يستكين لتلك النتائج بل ينطلق منها لإعادة بناء عمله الإبداعي.
الشاعر نصر سامي: الذكاء الاصطناعي ستكون إضافته في قادم الأيام لا تقدر بثمن، فهو متمم مثله مثل السيارة والحنفية والمكيّف.. له وظائف واضحة تعزز حياتنا وتدفعنا إلى الأمام، ولم يعد خيار تركه ممكنًا اليوم، بقي السؤال حول كيفية الاستعمال
وقال نصر سامي: "أنا شخصيًا تجاوزت الاندهاش الأول والإدانة الأولى للذكاء الاصطناعي ونراه الآن يتقدم نحو حياتنا اليومية بليونة وأرى أنه لا يضر بالعملية الإبداعية والفن عمومًا".
وفيما يتعلق بمكانة الشاعر، أوضح نصر سامي أنه سوف لن يتخلى عن دوره لصالح الذكاء الاصطناعي فهذا الأخير هو متمم مثله مثل السيارة والحنفية والمكيّف.. له وظائف واضحة تعزز حياتنا وتدفعنا إلى الأمام، ولم يعد خيار تركه ممكنًا اليوم، بقي السؤال حول كيفية الاستعمال، مضيفًا أنّ الذكاء الاصطناعي أجيز في البحوث العلمية وأصبح استعماله قانونيًا من قبل العديد من الجامعات المرموقة في العالم.
اقرأ/ي أيضًا: هل يهدد الذكاء الاصطناعي عرش الخط العربي؟
وأوضح الشاعر نصر سامي أن الذكاء الاصطناعي يجب إخراجه من دائرة معايير الأحكام الأخلاقوية التي نراها تتهم كل مستعمل له للذكاء بأنه سارق ولص.. وهنا وجب تقنين العلاقة بين المبدع والأداة الجديدة والإدانة تكون ما بعدية إذ ما حدث الإخفاء، مضيفًا أنّ الذكاء الاصطناعي نفسه يكشف ذلك ببعض العلامات.
ونصح الشاعر والكاتب التونسي نصر سامي وزارات التعليم في الوطن العربي بأن تدرج الذكاء الاصطناعي في البرامج وإمكانية جعله مادة مستقلة من الابتدائي إلى التعليم العالي.
وختم محدثنا بأن الشعر كأقدم ممارسة فنية سيستمر وسيبقى حيًا، فتاريخيًا لم تقضِ عليه الإذاعة ومن بعد آلة التصوير والتلفزيون والسينما ثم الإنترنات ومنتجاتها ومنها شبكات التواصل الاجتماعي.. ونراه حولها كلها لخدمته وأضافت إليه إضافات نوعية في مستوى تقديمه والتوثيق له، كذلك سيكون الأمر بالنسبة للذكاء الاصطناعي وستكون إضافته في قادم الأيام لا تقدر بثمن، وفقه.
الشاعر عادل معيزي: بين الشعر "الحرّ" والشعر "المغشوش"
الشاعر والكاتب التونسي عادل معيزي يعرف بالشاعر المتمرد، له إسهامات عديدة في المجال الثقافي والحقوقي، من أعماله نذكر "وطّان القصيدة" (1998)، "أحبك حين أحبك" (2002)، "أمس منذ ألف عام" ( 2004)، "تطير الخطاطيف" ( 2009)، "استدارة كاملة ينقصها جناح" (2019)..
عادل معيزي عضو مؤسس لرابطة الكتاب الأحرار بتونس وعضو مؤسس لنقابة كتاب تونس وهو حاليًا يدير سلسلة الشعر بدار النشر "أركاديا" لوليد الفرشيشي.
بخصوص الموضوع الذي يطرحه "الترا تونس" في هذه الورقة، أكد الشاعر عادل معيزي أننا أصبحنا في زمن الذكاء الاصطناعي، وأمام ضرورة ابتكار تصنيف شعري جديد متّبعين في ذلك طريقة مربّي النحل وقدرتهم على التمييز بين "العسل الحر" و"العسل المغشوش" المخلوط بالسكر الصناعي، فبعد الشعر الكلاسيكي والشعر الحديث وبعد التقابلات الشكلية بين الشعر العمودي والشعر الحر والمسترسل وبين الشعر الحر وقصيدة النثر، قد نضطرّ اليوم إلى التمييز بين الشعر الإنساني والشعر المولد صناعيًا أو بين الشعر "الحرّ" والشعر المغشوش، وفقه.
الشاعر عادل معيزي: قد يتراجع الشعر الإنساني في البداية أمام هذه السطوة العلمية والتكنولوجية، وقد يغري الشعر المصنّع قارئًا يبحث عن السرعة وعن الوفرة والسهولة، لكني على يقين أن القارئ في لحظة ما سيعود إلى البحث عن الشعر الحقيقي في مواجهة الشعر المزيف
وأضاف الشاعر عادل معيزي أنه قد نبه منذ سنتين إلى ضرورة استثناء الأدب والشعر خصوصًا من سطوة الذكاء الاصطناعي وأفاد أنه وجه رسالة إلى منظمة "اليونسكو" دعا فيها للانتباه إلى خطورة تصنيع التعبير الأكثر التصاقًا بالإنسان، مبينًا أن اللغة الخارجة من أعماقنا حين تتحول إلى شعور والشعور حين يتحول إلى شعر، لم تجد دعوته صدى يذكر وهو يطلقها من جديد من خلال منبرنا ليتم تداولها بالنقاش العميق.
وأوضح عادل معيزي أنه قد يتراجع الشعر الإنساني في البداية أمام هذه السطوة العلمية والتكنولوجية، وقد يغري الشعر المصنّع قارئًا يبحث عن السرعة وعن الوفرة والسهولة، لكنه على يقين أن القارئ في لحظة ما سيعود إلى البحث عن الشعر الحقيقي في مواجهة الشعر المزيف.. فقد تحاكي الآلة القصيد وأن تقلد إيقاعها وصورها ومفرداتها لكنها لا تملك حياة الشاعر التي تكتب القصيد قبل أن يكتبها، فالقصيدة لم تكن يومًا ترتيبًا ذكيًا للكلمات وإنما كانت باستمرار أثر حياة وجرح وذاكرة وجسد وحب وخسارات وتجربة إنسانية لا يمكن اختزالها في خوارزمية.. وبيّن عادل معيزي أنه لا يخشى على القارئ من أن يفقد القدرة على التمييز بين الشعر الذي عاشه الإنسان والشعر الذي انتجته الآلة.
وختم بأنه قد تصبح ندرة الشعر الإنساني هي التي تمنحه قيمته الجديدة مثلما ندرة الأشياء الأصلية اليوم جزءًا من جمالها وثمنها.
الشاعر عبد الرزاق المسعودي: لن يختفي الشاعر، لكن تعريفه سيتغير
عبد الرزاق المسعودي شاعر وروائي وناقد تونسي له عدة إصدارات منها "أجمل الذنوب" (سيرة روائية)، "صلاة" (مجموعة قصصية)، ومجاميع شعرية منها: "دعني أمتلئ بك"، "بل نزرع الياسمين".. ومقالات نقدية في الأدب صدرت بصحف ومجلات تونسية وعربية.
من ناحيته أوضح عبد الرزاق المسعودي أنه يمكن للذكاء الاصطناعي اليوم أن يعوض بعض وظائف الشاعر، لكن من الصعب أن يعوض الشاعر نفسه، فالذكاء الاصطناعي يستطيع اليوم أو يولد استعارات ويقلد أوزانًا وأساليب ويقترح صورًا شعرية بل وأن ينتج نصوصًا قد تكون أجمل من كثير مما يكتب بشريًا وأضاف أن الذكاء الاصطناعي يقوم بذلك من خلال إعادة تركيب مادة لغوية وثقافية هائلة قد تعلّم منها لا أكثر واستفاد.
الشاعر عبد الرزاق المسعودي: لن يختفي الشاعر، لكن سيتغير تعريفه فإذا أصبح إنتاج القصيدة الجميلة متاحًا بضغطة زر فلن تعود قيمة الشاعر في قدرته على إنتاج لغة جميلة، بل في رؤيته للعالم وصوته وتجربته ومخاطرته الجمالية وقدرته على اكتشاف ما لم نكن نعرف أننا نريد قوله
وبيّن الشاعر والكاتب عبد الرزاق المسعودي أن الشاعر في أعمق معانيه ليس مجرد صانع نص، إنه يعيش العالم بطريقة معينة ثم يحول تجربته إلى لغة: تجارب الحب والخوف والموت والشيخوخة والوحدة والجسد والذاكرة والمدينة والوجود والعدم.. وهي ليست "بيانات خوارزمية" بالنسبة إليه بل أشياء مرّ بها أو اصطدم بها أو حلم بها. وهنا يظهر الفارق الحاسم: "الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يكتب عن الموت، لكن الشاعر يعرف أن الموت ينتظر في آخر الممرّ".
وأشار المسعودي إلى أنه لا ينبغي أن نستهين بهذا التحول الذي يحدث، فلن يختفي الشاعر، لكن سيتغير تعريفه فإذا أصبح إنتاج القصيدة الجميلة متاحًا بضغطة زر فلن تعود قيمة الشاعر في قدرته على إنتاج لغة جميلة، بل في رؤيته للعالم وصوته وتجربته ومخاطرته الجمالية وقدرته على اكتشاف ما لم نكن نعرف أننا نريد قوله، مضيفًا أنه أمر يشبه التصوير الفوتوغرافي فحين ظهرت الكاميرا لم يمت الرسم، بل اضطر الرسم إلى أن يسأل نفسه: إذا ما كانت الآلة تستطيع أن تمثل الواقع وتنقله بدقة فما الذي لا تستطيعه سوى الفرشاة واللوحة؟ وربما الأمر نفسه سيحدث للشعر، فالذكاء الاصطناعي قد يجعلنا نمتلك شعرًا أكثر لكن ذلك سيجعلنا أكثر تعطشًا إلى شيء نادر وهو الصوت الإنساني الحقيقي، الصوت الحي المفعم بالحياة.
الشاعر مجدي بن عيسى: لا شعرية للذكاء الاصطناعي وعلى النقاد ومتلقيي الشعر الصناعي أن يتصدوا لهذا العبث الإلكتروني
الشاعر مجدي بن عيسى وهو من جيل شعراء التسعينيات اشتغل بالصحافة الثقافية والتدريس، حاصل على الجائزة الوطنية لأدب الشباب سنة 1993 وجائزة سعاد الصباح للإبداع الفكري والأدبي سنة 1995 وجائزة مفدي زكرياء المغاربية للشعر بالجزائر سنة 1998 وجائزة الشارقة للإبداع العربي سنة 2005 (فرع الرواية).
من مؤلفاته "احتراق الشذى" (1993)، "تقريظ الشهوة" (1998)، "نبلات مهجورة" ( 1999)، "الدوار"( رواية 2005)، "ديوان اليومي" ( 2010 )، "قلب نباتي ساذج" ( 2013 ).. وهو صاحب دار نشر زينب.
الشاعر مجدي بن عيسى: على النقاد ومتلقيي الشعر الصناعيّ أن يضطلعوا بدورهم في مواجهة هذا العبث الإلكتروني، يجب رفض كل محاولة للقبول بنص إلكتروني مهما بلغت درجة جودته وكماله
أوضح الشاعر والكاتب التونسي مجدي بن عيسى أنّ الذكاء الاصطناعي عُلّم اللغة لغرض تواصلي أولًا ولغرض تكويني تدريبي لا حدود له يمكن له أن يتخطاها ثانيًا، وهذا الغرض التكويني هو الذي أريد له أن ينتج إبداعًا، وصار مثار إعجاب البعض بما يقدمه الذكاء الاصطناعي من نظم فيه بعض شروط الكتابة الشعرية، هي شروط أولية ساذجة، لا تتجاوز شرط النظم الوزنيّ، والمبادئ الأساسية للتعبير المجازي.
وأضاف الشاعر والكاتب مجدي بن عيسى أنه يمكن لنا أن نتوقّع تطورًا كبيرًا للأداء التكويني في "شعرية" الذكاء الاصطناعي، ولكنه سيظلّ مهما تطور محكومًا بصناعيته، غير قادر على التعبير عن رؤيا إنسانية حقيقيّة وحيّة كما في أبسط التعابير الشعرية البشرية.
اقرأ/ي أيضًا: كيف أصبح الذكاء الاصطناعي أقرب أصدقائي؟
وأكد مجدي بن عيسى أنّ على الشعراء أن لا ينخدعوا بهذه الشعرية المزعومة، لأن دورهم الحقيقيّ ليس أن ينظموا نصوصًا أجمل وأكمل مما ينظمه الذكاء الاصطناعي، وعليهم أن يعوا بأنهم ليسوا في منافسة معه، لأن دورهم الحقيقيّ هو حراسة قلعة اللغة، اللغة الإنسانية الحية التي تحمل دهشة الإنسان تجاه الكون وأسئلته وجماله اللامتناهي.. مشيرًا إلى ضرورة أن تواصل دورها في تسمية الوجود الحقيقيّ الحي الذي لا يمكن لآلة مهما كانت درجة ذكائها أن تؤديه.
وبين محدثنا أنه على النقاد ومتلقيي الشعر الصناعيّ أن يضطلعوا بدورهم في مواجهة هذا العبث الإلكتروني، يجب رفض كل محاولة للقبول بنص إلكتروني مهما بلغت درجة جودته وكماله. يجب استبدال المعيار بشكل حاسم وقطعي، فالمجال هنا ليس مجال جودة ومفاضلة، إنّ المعيار هنا هو الانتصار لما هو بشريّ حيّ، مهما تكن درجة بساطته فنيًّا، ورفض كل ما هو صناعي مهما تكن درجة جودته وكماله..
الشاعر محمد الهادي الجزيري: الذكاء الاصطناعي لن يقلّد نفسي وهي تهيج وتفور وتفعل ما تريد بالكلمات
الشاعر محمد الهادي الجزيري جاء بين جيلين شعريين في تونس شعراء، تجربته الشعرية تتسم بالتنوع والعمق الإنساني والوجداني.. في رصيده مجاميع عديدة منها "زفرات الملك المخلوع" (1994) و"رقصة الطائر الذبيح" (1996) و"ليس لي ما أضيف" ( 2003) و"أرتيميدا" ( 2006) و "لا شيء في مكانه" (2009) "نامت على ساقي الغزالة" ( 2014)..
أوضح الجزيري لـ"الترا تونس" أنه لن يتحدث عن شعرية الذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى أنه يقصد مباشرة الذكاء الاصطناعي كمحرك للساحات الإعلامية والاقتصادية والعلمية والأدبية.
وأضاف أنّ الذكاء الاصطناعي وحش فتاك يهيمن يومًا بعد يوم، بل كل لحظة تمر إلا ويسجل فيها نقاطًا جديدة على حساب الإنسان الفخور بصناعته والنصر عليه في حين ينحني أمامه صاغرًا ومعترفًا بنهاية حضارة الإنسان. والسؤال هو كيف حصل كل ذلك؟ لقد قدم نفسه في البداية أنه عقل صرف لكنه أراد صياغة العالم من جديد وأن يكون إلاها جديدًا.. وفي اعتقادي هنا تكمن المعضلة.
الشاعر محمد الهادي الجزيري: لن أنقطع عن الكتابة حتى الموت، ليس نصرًا بل عنادًا لوحش أسطوري سيأتي على كل شيء، لكنه لن يقلد نفسي وهي تفور وتهيج وتفعل ما تريد بالكلمات
وبيّن الشاعر محمد الهادي الجزيري أنّ الإنسان الخلاق سيقتل نفسه بالآلة الحديثة، لقد صار الفاعل مفعولًا به وتباعًا لما يبدع وهذا بداية للانهيار الفظيع.
فيما يخصه قال الجزيري: "لن أنقطع عن الكتابة حتى الموت، ليس نصرًا بل عنادًا لوحش أسطوري سيأتي على كل شيء، لكنه لن يقلد نفسي وهي تفور وتهيج وتفعل ما تريد بالكلمات، أنا الإنسان، أكتب بالفطرة والدمعة وبالروح.. في حين أن الذكاء الاصطناعي عقل آلاتي جبار".
وختامًا أهدى الشاعر محمد الهادي الجزيري هذه القصيدة القصيرة والمكثفة لفقيدته سعيدة (زوجته) والتي تحمل عنوان: "أما كان أجدى بك الانتظار قليلًا":
"أيها الباهت.. خوفًا منه..
أكتب
ولتكن ديدنك الآن سعيدة
فالذكاء الاصطناعي لا يقوى على نسخ الفقيدة
فهو عقل
وهب روح
وهي أمّ
وهي زاد لغريب
وتفاصيل تفاصيل.. عديدة
إنها محض قصيدة
أكتب الآن.. سعيدة.
الشاعر محمد عادل الهمامي: الذكاء الاصطناعي أراه يرسكل بضاعة تم إمداده بها
عادل الهمامي من أبرز شعراء التسعينيات في تونس متخرج من كلية الآداب بمنوبة وله إسهامات هامة في مهرجانات ثقافية وشعرية تونسية.
بيّن الشاعر محمد عادل الهمامي أن التطور المذهل الذي بات يشهده المجال الرقمي والتكنولوجي ألقى بظلاله على المجال الإبداعي عمومًا وفن الشعر خصوصًا وأمسى الحديث عن شعرية الذكاء الاصطناعي موضوعًا جادًا يشغل أهل الأدب، وأضاف أن هذه الآلة التي ابتكرها الإنسان لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون بديلًا عنه، خاصة في ميدان الشعر الذي يظل فنًا ساميًا يستوجب التميّز فيه إلى جانب تملّك اللغة والإيقاع وفنون التخييل والإيحاء زادًا وجدانيًا خصبًا.
الشاعر محمد عادل الهمامي: الذكاء الاصطناعيأراه يعيد رسكلة بضاعة تم إمداده بها فيقترح على المتوسل به نماذج شعرية باهتة وشاحبة تقرؤها العيون ولا تلامس الوجدان
إضافة إلى تجربة حياتية عميقة وثرية واطلاعًا واسعًا واعيًا على الموروث الشعري العربي والإنساني وامتلاك رؤية متفردة لحضور الإنسان في الكون ونحت ذائقة جمالية تمتح من المشترك وتستقل ببصمتها الابداعية المائزة.. وهي معطيات يراها الشاعر محمد عادل الهمامي تتوفر في الذكاء الاصطناعي الذي أراه يعيد رسكلة بضاعة تم إمداده بها فيقترح على المتوسل به نماذج شعرية باهتة وشاحبة تقرؤها العيون ولا تلامس الوجدان.
تبقى علاقة الذكاء الاصطناعي بالشعر غامضة وفيها من اللبس الكثير والهواجس المستقبلية الكثير.. علاقة غريبة التبست بفن الشعر، يتقاطع فيها الخوارزمي والأداتي بحرارة الفن الإنساني. هذه العلاقة أو هذا التماس يبدو أنها مازالت تحت النقاش العام ولم تضبط بعد ليس في تونس فحسب بل العالم بأسره.
الذكاء الاصطناعي آلة عجيبة نراها كالجرافة التي داهمت كل حقول الفنون وتريد إعادة ترتيب قوانينها ومنتجها الجمالي على النحو الذي تريد.
الموضوع مازال مفتوحًا ولم يحسم وعلى النخب في تونس وفي الوطن العربي وفي العالم أن تنتبه لذلك وتحاول ضبط الآلة بالمواثيق الأخلاقية وبالقوانين حماية للثقافة الإنسانية التي باتت مهددة بالزوال.
الكلمات المفتاحية
تحت شعار "في أمل".. مهرجان "بعيونهن" ينتصر لقضايا السينما النسائية العربية
يعدّ مهرجان فيلم المرأة "بعيونهن" أول مهرجان تونسي وعربي، يوجّه توجيهًا كاملًا لدعم السينما النسائية ويشجع الأفلام الحاملة لقضايا المرأة ومشاغلها بمساعدة النساء العاملات في المجال السنيمائي بالمرافقة والتكوين والتشبيك المهني لتطوير مشاريعهن والتعريف بإنتاجهنّ حتى يتمكنّ من ولوج المجال السينمائي التنافسي.
حين يتجاوز الإعجاب بالفنانين حدود المسرح.. ماذا يحدث خلف هوس المعجبين؟
ماذا يحدث عندما لا يعود الفنان مجرد شخص نسمع أغانيه ونستمتع بأعماله، بل يصبح حاضرًا في عالمنا العاطفي والنفسي؟ أين ينتهي الإعجاب الطبيعي؟ ومتى يبدأ التعلق؟ ولماذا قد يصبح شخص لا يعرفنا أصلاً محورًا لمشاعرنا واهتماماتنا وحياتنا؟
10 مواقع تونسية مصنفة على لائحة التراث العالمي لليونسكو.. ماذا نعرف عنها؟
تحوز تونس الترتيب العربي الأول في قائمة اليونسكو العالمية بـ 10 مواقع هامة من رصيدها الكبير. وهذه المواقع والمعالم التاريخية هي..
طقس تونس.. سحب كثيفة مع أمطار وانخفاض في درجات الحرارة
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تشهد انخفاضًا نسبيًا، وتصل أقصاها إلى 31 درجة بأقصى الجنوب
معهد الرصد الجوي يكشف الولايات المعنيّة بنزول أمطار غزيرة يوم الجمعة
معهد الرصد الجوي: يتواصل نزول أمطار متفرقة ومؤقتًا رعدية يوم الغد السبت 10 أكتوبر 2026 بالمناطق الساحلية الشمالية
الإمارات تفرض البطاقة عدد 3 على التونسيين الراغبين في العمل بها
بالنسبة إلى المواطنين التونسيين الموجودين بدولة الإمارات بتأشيرات زيارة، الذين تحصلوا على فرص عمل ويرغبون في تسوية وضعياتهم القانونية واستكمال إجراءات الحصول على تأشيرات عمل، أفادت القنصلية بأنهم يتمتعون بمهلة قدرها 45 يومًا من تاريخ دخول القرار حيز التنفيذ.
طقس تونس.. الحرارة في انخفاض ملحوظ مع أمطار غزيرة بعدد من الجهات
معهد الرصد الجوي: الريح تكون قوية نسبيًا فتدريجيًا قوية قرب السواحل الشرقية وبالجنوب حيث تثير محليًا الرمال والأتربة وضعيفة فمعتدلة ببقية الجهات