طريق من الطين.. عن تلاميذ الأرياف والمسافات الوعرة نحو المدارس
17 ديسمبر 2025
تحوّلت مسالك الطريق الجبلي مع المطر إلى شريطٍ طينيٍّ زلِق، بالكاد تشعر بثبات خطوتك فيه، فكلّ حركة هي بمثابة مغامرة صغيرة بين ارتكاز القدم والحذر من الانزلاق في طريق وعرة. فالتضاريس قاسية، كأنّها تختبر عزيمة أيّ شخص في كلّ منعطف.
يحيى طفل يبلغ من العمر تسع سنوات، كان يجرّ قدميه فوق الأرض الزلِقة حتى لا يقع. يشدّ أطراف معطفه البالي، ليضمّه إلى صدره كمن يحاول حفظ ما تبقّى من دفء في جسد صغير لم يتعلّم بعد كيف يساوم الطبيعة. ورغم أنّ البرد يلسع خدّيه، ظلّ يواصل السير بعنادٍ صامت، يُلاحق الوقت والساعات الأولى للدرس في مدرسة تنتظره في أسفل الجبل.
هو تلميذ كغيره من مئات التلاميذ في الأرياف يعيش رحلة شاقة للوصول إلى المدارس، يسلك طرقات من طين تحفّها من الجانبين مُنحدرات خطرة تجعل الخطى فيها تُحسب بالمليمترات. يقاومون الطبيعة وبُعد المسافات وغياب وسائل النقل، ليحافظوا على حقّ بسيط يُفترض أن يكون حقًّا مكتسبًا للجميع هو الدراسة. ففي الأرياف بالشمال الغربي، يبدأ التلاميذ رحلتهم قبل حتى خروج الشمس من غمد الأرض. يقطعون مسافات تمتدّ لثلاثة أو أربعة كيلومترات، وأحيانًا أكثر ليصلوا إلى مدارس تقف على مسافات تُقاس هناك بالصبر لا بالكيلومترات.
والدة تلميذ بريف عين دراهم لـ"الترا تونس": ابني (9 سنوات) يقطع أكثر من كيلومترين للوصول إلى مدرسة أسفل الجبل. والبعض من سكان جبال عين دراهم يقطع مسافات أكثر للوصول ويُصبح الطريق خطرًا خلال المطر والثلج
تقول والدة يحيى إنّ "ابنها البالغ من العمر تسع سنوات يقطع أكثر من كيلومترين كغيره من سكان الجهة في جبال عين دراهم للوصول إلى مدرسة "دار فاطمة" أسفل الجبل. والبعض يقطع مسافات أكثر للوصول إلى تلك المدرسة. ويُصبح الطريق خطرًا خلال المطر والثلج. لكن جميعنا تعوّد السير في طرقات ظلّت خارج مخطّطات وزارة التجهيز. فالطريق المُعبّدة انهارت بسبب سوء الأحوال الجوية في الجهة. فحتى العربات فيها تسير بحذر شديد".
واقع التنقّل المدرسي في المناطق الريفية بعين دراهم
خلال التجوّل في أرياف عين دراهم ساعة الفجر تلحظ عشرات التلاميذ متّجهين فرادى أو جماعة نحو مدارسهم التي تبعد غالبًا عن منازلهم مسافة سير أكثر من كيلومترين. خطواتهم الصغيرة تروي ما لا تقوله الأرقام والتقارير الرسمية ولا حتى تلك التي تنشرها بعض الجمعيات والمنظمات. فكلّ صباح يُمثّل بالنسبة لهؤلاء الأطفال امتحانًا قبل الامتحان، ومعركة تُخاض قبل الجلوس على مقاعد الدراسة. وبينما يقطع العالم أشواطًا نحو التعليم الرقمي، ما زال أطفال الأرياف هناك يخوضون رحلة يومية، مهما كلّفهم الطريق.

ففي هذه المناطق المنسيّة، يُصبح الوصول إلى المدرسة تحدّيًا يوميًا، يواجهون المطر الغزير الذي يُحوّل الطرقات إلى مجارٍ موحلة، تزيد من صعوبة الوصول. ورغم ذلك، لا تزال هذه الرحلة تتكرّر كلّ صباح، كواجب غير مُعلن يفرضه غياب بدائل حقيقية للنقل المدرسي. ترى في أعين التلاميذ رغبة في النجاح أكبر من المسافة، وأعمق من العزلة.
اقرأ/ي أيضًا: يحملن أثقال الماء.. عن رحلة شقاء نساء الأرياف في تونس
أمير يبلغ من العمر 25 سنة انقطع عن الدراسة منذ كان عمره 11 سنة بسبب بعد المدرسة ومعاناة الطريق والبرد. يقول "كنت أتمنّى لو أنّني واصلت تعليمي وتحدّيت كلّ الظروف القاسية وكلّ تلك الرحلات القاسية نحو المدرسة ثمّ نحو المعهد. وتمنّيت لو تحدّيت كلّ ظروف الإقامة في مبيت يفتقر إلى أبسط مقوّمات الحياة من دفء وأكل يصلح للبشر".
أمير (شاب تونسي منقطع عن الدراسة) لـ"الترا تونس": كان الطريق إلى المدرسة طويلًا وكان علينا أن نتحدّى البرد والوحل والطين والانزلاق والرياح للوصول إلى المدرسة
يسند أمير ظهره على كرسيّه أمام المدفأة ثمّ يسكت قليلًا ليفتّش في ذاكرته عن حكاية معاناة لم ينس تفاصيلها. يقول "كان الطريق إلى المدرسة طويلًا وكان علينا أن نتحدّى البرد والوحل والطين والانزلاق والرياح للوصول إلى المدرسة. وحتى سكني في المبيت بعد التحاقي بالمعهد لم يحلّ مشكل البرد الذي يسكن أطرافنا بسبب غياب أيّ تدفئة أو حتى وجبة طعام ساخنة". يضيف "تركت الدراسة منذ كان عمري 12 سنة. وانتقلت مباشرة للعمل في الحضائر وفي جبال عين دراهم أجمع الفطر وأقطع الفلين وأقصّ بعض الأعشاب لبيعها. بل انتقلت حتى إلى العاصمة للعمل في أشغال البناء. ولكن لم أتحمّل العيش في المدينة ولا ظروف العمل، وأنا الذي هجرت المبيت في قريتي بسبب البرد لأجد نفسي نائمًا على قطعة من الكرتون على الأرض. لم تكن الحياة في المدينة أقلّ بؤسًا وبردًا وحاجة بل حتى طريقها "كان من طين". فخيّرت العودة إلى هنا، إلى الريف لأعمل وفق ما تسمحه لي فرص العمل البائسة هنا".
اقرأ أيضًا: المدارس في الأرياف.. حيوانات مفترسة وجدران آيلة للسقوط
يختم أمير حديثه، "لو تقرّر إحدى أخواتي الانقطاع عن الدراسة لنفس الظروف والأسباب التي دفعتني للانقطاع عن الدراسة لن أسمح بذلك أبدًا، فأنا أعمل لأوفّر لهم كلّ الحاجيات والضروريات اللازمة. فانقطاع الأنثى عن الدراسة في هذه القرية أو في هذه المناطق الريفية يعني عملها في البيوت فقط. وأنا لن أقبل بذلك".
3.5 بالمائة من التلاميذ منقطعون عن الدراسة
العديد من الدراسات الجمعياتية أكّدت أنّ من بين أسباب الانقطاع المدرسي هو الفقر والخصاصة وبعد المدارس في العديد من المناطق الريفية. وبحسب وزارة التربية فإنّ أكثر من 100 ألف تلميذ ينقطعون عن الدراسة سنويًا. فيما أشار المعهد الوطني للإحصاء خلال نشر النتائج التفصيلية للتعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2024 حول وضع الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و16، أنّ 95.5 بالمائة من الأطفال إجمالًا ما زالوا مندمجين في المنظومة التعليمية، في حين 3.5 بالمائة منقطعون عن الدراسة و1 بالمائة لم يلتحقوا بالتعليم مطلقًا.
معهد الإحصاء: 95.5 بالمائة من الأطفال إجمالًا ما زالوا مندمجين في المنظومة التعليمية، في حين 3.5 بالمائة منقطعون عن الدراسة و1 بالمائة لم يلتحقوا بالتعليم مطلقًا

كما تُبيّن الإحصاءات وجود فوارق طفيفة بين الجنسين، إذ بلغت نسبة الأطفال الذكور الذين لم يلتحقوا بالتعليم مطلقًا 1.1 بالمائة مقابل 0.9 بالمائة لدى الإناث، بينما سجّلت نسبة الانقطاع عن الدراسة 4.8 بالمائة لدى الذكور مقابل 2.1 بالمائة لدى الإناث.
وترتفع نسب الانقطاع والخروج من المسار التعليمي بحسب المعهد بشكل ملحوظ مع تقدّم الفئة العمرية، إذ لا تتجاوز 0.5 بالمائة في الفئة من 6 إلى 11 سنة، لترتفع إلى 3.2 بالمائة في الفئة من 6 إلى 16 سنة، وتبلغ 6.5 بالمائة في الفئة المتراوحة بين 12 و16 سنة خارج التعليم أو التكوين أو الرعاية المتخصّصة.
بين المسكن والمدرسة في الأرياف لا تُقاس المسافة هناك بالكيلومترات فحسب، بل بغياب البنية الأساسية، وبتفاوت الفرص، وبإصرار أطفال على مواصلة السير رغم كلّ الظروف التي يعيشونها في أرياف منسيّة.
الكلمات المفتاحية

نقص الأدوية في تونس.. منظمات: الأزمة هيكلية وفئات هشة تواجه خطر الموت
الكاتبة العامة للمجلس الوطني لهيئة الصيادلة ثريا النيفر قد أكدت في تصريح لـ"الترا تونس"، يوم الاثنين 12 جانفي/يناير 2026، أن "الصيدليات الخاصة تفتقر لعدة أدوية، لعدم إمكانية التزود بها خلال الفترة الأخيرة نتيجة أزمة السيولة المالية لدى الصيدلية المركزية"

جيل زد في تونس.. جيل مجازف يبحث عن خلاصه الفردي
سوسن درين (مختصة في علم الاجتماع) لـ"الترا تونس": العائلة التونسية تعيش أزمتها مع جيل زد الذي يبدو غير مفهوم وغامض ولا يحسن التعبير عن دواخله الضاجة وهواجسه المتلاطمة وأحلامه المختلفة.. هو جيل لا يمكن إغراؤه بسهولة، نظرته يغيب منها الانبهار والدهشة، لا يقيم طويلًا في لذة الأشياء..

من تجربة رائدة إلى قضية استعجالية.. واحات جمنة تُهدَّد بالإخلاء
تترقّب جمعية حماية واحات جمنة، مصير قضيتيْن تنظر فيهما الجهات القضائية نهاية هذا العام وبداية العام المقبل: الأولى استعجالية تتعلّق بإخلاء "الضيعة" التي تُعدّ مصدر رزق لمئات الأسر، والثانية تتعلّق بتقييم محاصيل نخيل الواحة منذ عام 2011.

وفاة ممرضة في الرديف متأثرة بحروقها أثناء العمل يثير الغضب في تونس
أثارت وفاة الممرضة التونسية أزهار بن حميدة، التي فارقت الحياة متأثرة بالحروق التي تعرضت لها أثناء تأديتها لحصة الاستمرار الليلية بالمستشفى المحلي في الرديف، وفق ما صرح به الناطق باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، رمضان بن عمر، في وقت سابق لـ"الترا تونس"، موجة غضب واسعة في تونس. وأدت الحادثة إلى سلسلة من ردود الفعل من نقابات القطاع الصحي، المنظمات الحقوقية، والناشطين…

تأجيل جميع مقابلات كرة اليد المبرمجة نهاية الأسبوع في تونس
أعلن المكتب الجامعي للجامعة التونسية لكرة اليد، يوم الأربعاء 21 جانفي/يناير 2026 عن تأجيل جميع المقابلات التي كانت مبرمجة نهاية هذا الأسبوع، بمختلف الأصناف والاختصاصات، وذلك نظرًا لتواصل التقلبات الجوية وما نتج عنها من أضرار، فضلًا عن تعذّر استغلال عدد من القاعات الرياضية. وأكدت الجامعة أنه سيتم لاحقًا تحديد المواعيد الجديدة لإجراء هذه المقابلات

جبهة الخلاص: عدم استباق التقلبات المناخية وغياب الاستعداد لها يعدّ تقصيرًا غير مبرّر
جبهة الخلاص الوطني: "التقلّبات المناخية ولئن كانت قوّة قاهرة لا يمكن دفعها، فإنّ تطوّر وسائل الرّصد وتبادل المعلومات يجعلان عدم الاستباق وغياب الاستعداد النّاجز والملائم تقصيرًا غير قابل للتّبرير".

تعليق الجلسات القضائية في عدة محاكم تونسية بسبب سوء الأحوال الجوية
قرر عدد من الفروع الجهوية للمحامين في تونس تعليق جميع الجلسات بمحاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية على مستوى عدة ولايات، وذلك يوم الأربعاء 21 جانفي 2026، نظرًا لسوء الأحوال الجوية التي تشهدها البلاد، وفقهم

تعرّف على الطرق المقطوعة بسبب الأمطار في تونس
أصدرت الإدارة العامة للحرس الوطني، يوم الأربعاء 21 جانفي 2026، بلاغًا تحذيريًا محينًا، دعت من خلاله كافة مستعملي الطريق إلى توخي الحذر، على خلفية تسجيل انقطاعات في حركة المرور بعدد من الطرقات، وذلك نتيجة التقلبات الجوية الأخيرة وما نجم عنها من تراكم لمياه الأمطار وفيضان بعض الأودية
