ultracheck
رأي

ضرورة التقييم الما بعدي للأنشطة الثقافية في تونس

28 أغسطس 2025
ضرورة التقييم الما بعدي للأنشطة الثقافية في تونس
التقييم من شأنه أن يقف على الهنات والضعف الذي قد يصيب البرمجة أو التنظيم أو الجانب المالي أو اللوجستي (صورة توضيحية من دورة مهرجان قرطاج 2025/ فتحي بلعيد/ أ ف ب)
رمزي العياري
رمزي العياريصحفي من تونس

مقال رأي 

 

ورثت تونس ما بعد 2011، سياسة ثقافية متقادمة ظلت تمتح من سرديات التأسيس الأول إثر الاستقلال عن المستعمر الفرنسي سنة 1956 ولم تذهب إلى تغيير المبادئ وتجديد نفسها بما يتماشى والتغيرات الكبرى في الداخل والخارج ومسايرة حركة التاريخ وتطور المجتمع التونسي، بل أصيبت بالعطالة وأوغلت في حقول الصدأ الثقافي والتخشب الإداري والتصلب السياسي طيلة الفترة النوفمبرية.

وقد بقيت هذه السياسة الثقافية، بعيدة كل البعد عن أحلام النخب الثقافية والفكرية والفنية التي لازمها شعور الإقصاء والتهميش والغبن، إلى درجة تحوله إلى متلازمة مورثة عنوانها "عاش يتمنى في عنبة مات جابولو عنقود.. ما يسعد فنان الغلبة إلا من تحت اللحود" والتي كتبها بصدق نادر، الكاتب المنشق المقيم في الهامش الثقافي علي الدوعاجي، في أربعينيات القرن العشرين ضمن سياق ما يعرف بـ"جماعة تحت السور" والتي أعتبر انشقاقها عن الرسمي، أول معارضة ثقافية عرفتها تونس.

لن يتغير حال السياسة الثقافية في تونس، حين تغيب المشاريع الإستراتيجية وعندما تبقى ترسانة القوانين القديمة سارية المفعول، وهي المعمول بها منذ عقود، ولم يُدفع بها للتنقيح أو التغيير الجذري

واقع الثقافة في تونس ما قبل 2011، لبوسه الأوحد هو خدمة نظام الحكم القائم والتقاطع والانسجام مع سياساته وحساباته ورؤاه ومشاريعه وعلاقاته الخارجية.. وما عدا ذلك فإن أيّ مكوّن آخر يتم تصنيفه في الضفة الأخرى معارضًا منبوذًا، مقصيًا تُدبّر له كل الأمور في الليل، ويكال له ما يكال.. ومع الانفراجة المضيئة التي حصلت في جدار التاريخ السياسي والاجتماعي التونسي بعد 2011، كانت الثقافة هي الفرصة الأولى المتاحة لتغيير كل الجداول القديمة، بل هي الأرض الأولى التي ستغوص فيها محاريث الأمل في التغيير حتى يسطع الضوء وتنمو غابات القيم الجديدة والذوق السليم وتُكسر كل جدران الانغلاق حتى يدخل النور خيوطًا خيوطًا إلى السرائر فيعمّرها. 

بيد أنّ تونس الجديدة انشغلت عن الثقافة والمثقفين بأحابيل السياسة ومتاهاتها المضنية فأضنتها وأتعبتها، وتتالت السنوات ورفرفت ألوية المشاريع مع كل وزير جديد للثقافة، فمنهم من قدم من الخارج ومنهم من ترك درسه الجامعي ونزل إلى القصبة مهمومًا بالثقافة ومنهم من كان في حقل السياسة والأيدولوجيا ومنهم الفنان الذي كان منشغلا بالإبداع والخلق الفني.. ولم تتغير الأمور رغم تغيّر الوجوه الوزارية والإدارية ورحيلها إلى الحياة الواسعة، بل وظل النول الخشبي يعمل بطريقته القديمة، واصطدمت أحلام النخب الثقافية والفنية مجددًا بالآليات القديمة وأنماط التفكير والتدبير الإداري الثقافي القديم.

اقرأ/ي أيضًا: هل كانت فلسطين بوصلة المهرجانات الصيفية في تونس؟

فعندما تبقى ترسانة القوانين القديمة سارية المفعول، وهي المعمول بها منذ عقود، ولم يُدفع بها للتنقيح أو التغيير الجذري فلن يتغير الحال، وعندما تغيب المشاريع الاستراتيجية لن يتغير الحال. وبعد النقاشات الكثيرة التي أثيرت في الأسابيع الأخيرة في الساحة الثقافية التونسية سواء تلك التي طرحتها الصحافة الثقافية الجادة في المواقع والصحف الإلكترونية أو التي أثيرت عبر صفحات شبكات التواصل الاجتماعي من خلال تدوينات دقيقة ورشيقة لمثقفين وصحفيين وكتاب تشير إلى ضرورة التفكير الجدي في تغيير إستراتيجيات الثقافة الترفيهية في فصل الصيف والتي تعمّ طول البلاد وعرضها من خلال ما يقارب 400 مهرجان وتظاهرة صيفية بين محلي وجهوي ووطني ودولي.

واعتبروا هذه المهرجانات، بذلًا للمال العمومي بدون متابعة جادة وأيضًا لا تفي بما من أجله بُعثت، مطالبين بتغيير القوانين والتصورات لثقافة الصيف والترفيه وللآليات والوسائل والطرق التي بها تتم البرمجات ومحتواها، وفسح أوسع الحظوظ للمبادرات والمشاريع الثقافية الجديدة والخلاقة التي تتماشى والخصوصيات الاجتماعية والثقافية المحلية.

اقرأ/ي أيضًا: المهرجانات الصيفية في تونس.. وأسئلة الترفيه

وبعد انقضاء عاصفة المهرجانات وما رافقها من تدوينات وكتابات وانتقادات اتسمت بالقسوة أحيانًا، سارعت وزارة الشؤون الثقافية إلى عقد لقاء نهاية شهر أوت/أغسطس 2025 مع ممثلي الصحافة التونسية بالمركز الثقافي الدولي بالحمامات (دار سيباستيان) بحضور مسؤولين من الوزارة ومندوبين جهويين للشؤون الثقافية ومدير مهرجان الحمامات الدولي.

هذا اللقاء كانت الطريق المؤدية إلى فكرته الأساسية مبلطة بالنوايا الحسنة، وهي تجسير العلاقة بين الصحافة التونسية ووزارة الشؤون الثقافية وردم كل الخنادق التي اندلعت هنا وهناك وبالخصوص فيما تعلق بمختلف أنشطتها الفنية والفكرية وتظاهراتها الكبرى التي تعتبر واجهة الثقافة التونسية أمام الثقافات العالمية الأخرى. وخلق صلات صحية جوهرها الحصول على المعلومة من مصدرها والتأني قبل إصدار الأحكام الحاسمة.

من الضروري عقد "لقاءات ما بعدية" أو "لقاءات تقييمية" بعد انتهاء كل تظاهرة أو نشاط أو مهرجان مهما كان حجمه ومكانه على خريطة البلاد، وذلك بحضور الصحفيين والمتابعين المهتمين وممثلين عن المتلقين

هذه اللقاءات قد تكون ذات أهمية ومفيدة، ولها جدوى إذا ما قنّنت واستمرت وفق رزنامة ورسمت لها منهجية عمل واضحة وجعلها عادة دائمة لا يمكن التخلي عنها مهما تغيرت أحوال الإدارة في أروقة الوزارة.

لكن ورغم أهمية هذه الخطوة التواصلية الشجاعة، فإن الأهم من ذلك هو "اللقاءات الما بعدية" أو "اللقاءات التقييمية" بعد انتهاء كل تظاهرة أو نشاط أو مهرجان مهما كان حجمه ومكانه على خريطة البلاد، وذلك بحضور الصحفيين والمتابعين المهتمين وممثلين عن المتلقين. على أن يشمل الجوانب الفنية والإدارية والمالية والمحتوى، وأن يكون مدونًا وفق تمشٍّ علمي واضح وإلزام المعنيين بالمخرجات في قادم الدورات، فهذا التقييم من شأنه أن يقف على الهنات والضعف الذي قد يصيب البرمجة أو التنظيم أو الجانب المالي أو اللوجستي.

لقد حان الوقت لرسم خطط اتصالية علمية سليمة وخطط إستراتيجية تهم الحياة الثقافية برمتها، والتخلي عن السياسات الثقافية القديمة والذهاب إلى مرحلة "المراجعات العميقة" الدافعة إلى التطوير، وتشريك كل صناع الثقافة والفكر والفن والإبداع في تونس والبحث عنهم في الداخل والخارج والتخلي عن فكرة "مركزة الأشياء" والمتمثلة في تركيز الأنشطة الكبرى في العاصمة والمدن الكبرى، والعودة إلى القيم الثقافية والفكرية والذوقية لكل تظاهرة من خلال قوانينها الأساسية أو مدونات أخلاقية ملزمة، وذلك من أجل حياة ثقافية تونسية مغيرة للعقول نحو الأفضل لأن "الثقافة هي ما يبقى بعد أن يفنى كل شي".

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت" 

الكلمات المفتاحية

شارع الحبيب بورقيبة تونس John Wreford SOPA Images LightRocket Getty

لم نكتب التّاريخ بعد!

إنّ تُهمة "العمالة للخارج" ليست بالجديدة، في الوقت الّذي يُصرّ فيه الرّئيس، قيس سعيّد، وأنصاره إلصاقها بخصومهم كافّة. وتأريخ تُهمة "الاستقواء بالخارج" ليس استثناء، في الحالة التّونسيّة


العلاقات التونسية الأوروبية

العلاقات التونسية الأوروبية.. في الديمقراطية والسيادة


قضية التآمر في تونس.. محكمة التاريخ أدانت والبقية تنفيذ!

قضية التآمر في تونس.. "محكمة التاريخ" أدانت والبقية تنفيذ!

قبيل صدور الحكم النهائي في القضية، نشر بلاغ رئاسي بمناسبة استقبال رئيس الدولة لرئيسة الحكومة أن "محكمة التاريخ أصدرت قراراتها النهائي وهو لا عزاء للخونة ولا رجوع للوراء"


الخيط الرفيع لأيام قرطاج المسرحية

الخيط الرفيع لأيام قرطاج المسرحية

تتالت الدورات وراكمت تظاهرة أيام قرطاج المسرحية مدونتها وتاريخها ورصيدها الجمالي والفكري، فأصبحت منارًا مضيئًا راسخًا في جغرافيا المسرح العالمي

الناطق باسم الديوانة تونس تحولت إلى مركز لاستهلاك المخدرات بعد أن كانت بلد عبور.jpg
مجتمع

تفكيك شبكة دولية للمخدرات تُدار من خارج تونس

أعلنت الإدارة العامة للحرس الوطني، يوم الخميس 4 ديسمبر 2025، أنّ وحداتها تمكنت، إثر عمل استخباراتي، من الكشف عن شبكة دولية مختصة في توريد وترويج المواد المخدرة. وتندرج هذه العملية في إطار الجهود المتواصلة لمكافحة مسك واستهلاك وترويج المخدرات وتعقّب العناصر الضالعة في هذا النشاط

عبير موسي الحزب الدستوري الحر محمد مسرة epa.jpg
سیاسة

محامٍ لـ"الترا تونس": تأجيل النظر في قضيتين ضد عبير موسي

شهدت المحكمة الابتدائية ومحكمة الاستئناف بتونس، اليوم الجمعة، انعقاد جلستين منفصلتين لرئيسة الحزب الحر الدستوري عبير موسي، في قضيتين منشورتين ضدها، قبل أن يُقرَّر تأجيلهما إلى مواعيد لاحقة


العياشي الهمامي_0.jpg
سیاسة

جمعية القضاة: نستنكر بشدة إيقاف العياشي الهمامي وهيمنة السلطة السياسية على القضاء

جمعية القضاة التونسيين: هذه الأحكام "تصدر في سياق جُرِّد فيه القضاء من كل مقومات الاستقلالية وأصبح يرزح تحت الهيمنة الكاملة للسلطة التنفيذية بعد حل المجلس الأعلى للقضاء وإعفاء القضاة وتولي السلطة التنفيذية الإدارة المباشرة للمسارات المهنية للقضاة.."

السفارة الأميركية بتونس تعلن الحدّ من أعمالها تبعًا لقانون الشغل المنقّح
سیاسة

السفارة الأميركية بتونس تعلن الحدّ من أعمالها تبعًا لقانون الشغل المنقّح

سفارة الولايات المتّحدة الأميركية بتونس: "السفارة ستحدّ من أعمالها ابتداءً من يوم 8 ديسمبر 2025، تبعًا للأثر الناجم عن تغيّرات طرأت على قانون الشغل التونسي"

الأكثر قراءة

1
اقتصاد

حوار| مستشار جبائي: ضغط جبائي مرتفع وتشجيع الاستثمار غائب في مشروع قانون المالية 2026


2
سیاسة

رابطة حقوق الإنسان تحذّر: منعنا من زيارة السجون يعدّ تضييقًا خطيرًا


3
منوعات

نتائج قرعة مونديال 2026.. تعرّف على مجموعة المنتخب التونسي


4
اقتصاد

ارتفاع الأسعار عند الاستهلاك في تونس خلال نوفمبر 2025


5
سیاسة

قدماء مسيّري رابطة حقوق الإنسان: نطالب بإطلاق سراح كل مساجين الرأي والسياسة