صيف المهاجر التونسي.. بين صورة الثراء وواقع الضغط النفسي
30 يونيو 2025
مطارات مزدحمة، حقائب ممتلئة، وقلوب ترجف فرحًا وقلقًا في آنٍ واحد.. هي مشاهد تتكرّر مع كلّ عطلة صيفيّة لمهاجرين ينتظرون بشوق هذه المواعيد للقاء الأحبّة وشحن الأرواح. ولكن خلف الابتسامات التي تعلو وجوههم، لا أحد يسمع الأسئلة التي تدور في أذهانهم ولا المواقف التي قد تؤرّقهم.
أن تعود إلى وطنك مهاجرًا، لا يعني فقط أن تحمل معك أكثر من الهدايا والتذكارات. تعود لتُسعد من تحب، لتثبت أنك بخير، حتى وإن كنت مرهقًا من العمل أو القلق أو الغربة.
فالعودة ليست دائمًا راحة، وليست دائمًا خيارًا خالصًا من الضغط. أحيانًا، تكون عبئًا مغطّى بالمجاملات. بين الحنين والواجب، كيف يعيش المهاجرون التونسيون عطلهم الصيفية؟
كيف يعيش المهاجرون التونسيون عطلهم الصيفية؟ "الترا تونس" رصد تجارب بعض التونسيين المقيمين بالخارج ومشاغلهم التي تتكرّر مع كلّ عطلة صيفيّة
"الترا تونس" رصد تجارب بعض المهاجرين ومشاغلهم تجدون تفاصيلها في هذا التقرير.
هدى العبيدي: "لا يهمّ كم أنفقنا.. الأهم أن نسعد عائلاتنا "
منذ انتقالها إلى كندا، اعتادت هدى أن تشتري الهدايا لعائلتها وأحبّائها مسبقًا، دون انتظار تحديد تاريخ العودة حيث تقول لـ"الترا تونس": " كلما وجدت شيئًا مناسبًا أشتريه. أفكّر في الجميع سواء عائلتي أو عائلة زوجي، رغم أنّهم لا يطلبون شيئًا ولا ينتظرون هدايا. ما نحضره يفرحهم، والمهم عندهم أن نكون بخير. والمرة الوحيدة التي لم أتبضّع للعودة كانت خلال فترة كوفيد 19، وقد شعرت بالحرج والانزعاج حينها".

وتتابع محدّثتنا: "لكنني أعرف أن هذا ليس حال الجميع. كثيرًا ما تتعرض الأمّ لأسئلة محرجة من الجيران. يسألونها مباشرة: "ماذا أحضرت لك ابنتك؟" أو "لماذا لم تجلب لك شيئًا؟"، مضيفة أن الأمور أصبحت أكثر تعقيدًا اليوم، في ظل انفتاح الجميع على مواقع التواصل الاجتماعي، لم تعد الهدايا مجرّد لفتة رمزية، بل صارت محل مقارنة وتقييم.
وعن ميزانيّة العودة تؤكّد العبيدي أنّها تخصّص ما لا يقل عن 13 ألف دولار، أي ما يعادل 27 ألف دينار تونسي، مضيفة أنّ إسعادها لعائلتها وتعويد بناتها على أجواء الوطن لا يقدّر بثمن، وفقها.
تونسية مقيمة بالخارج لـ"الترا تونس": الجيل الجديد من المهاجرين بات يفضّل حياة مستقرة ومتوازنة، حتى إن كانت مكلفة، على الدخول في سباق المظاهر وإثبات النجاح أثناء الزيارة إلى تونس
وتشرح هدى أن الجيل الجديد من المهاجرين يرفض العيش في ظروف صعبة فقط ليظهر بمظهر جيّد عند العودة، قائلة: "كثيرون ممّن هاجروا منذ عقود عاشوا ظروفًا قاسية في الغربة، ضيّقوا على أنفسهم واختزلوا حاجاتهم، فقط ليتمكنوا من شراء سيارة أو ادخار مبلغ يُنفق خلال زيارتهم إلى تونس، في محاولة لإظهار الرفاه. أما اليوم، فقد تغيّر الأمر. الجيل الجديد من المهاجرين بات يفضّل حياة مستقرة ومتوازنة، حتى إن كانت مكلفة، على الدخول في سباق المظاهر وإثبات النجاح أمام الناس".
وتختم هدى حديثها بابتسامة تفيض شوقًا: "سألتني ابنتي ذات يوم: لماذا نعود دائمًا بحقائب كثيرة؟ فأجبتها: يا ابنتي، نتمنّى أن نعود إلى الوطن محمّلين بالهدايا، وأن تظلّ لدينا القدرة على إسعاد من نحب".
مهاجر تونسي: الكلّ يعتبرنا "صرّافًا آليًّا" والعودة أصبحت واجبًا عائليًّا مرهقًا
في حديثه لـ"الترا تونس"، يروي (ح.ب)، مهاجر تونسي مقيم بفرنسا، تفاصيل زيارته السنوية إلى تونس، رحلة يقول إنها لم تكن يومًا عطلة حقيقية بقدر ما أصبحت واجبًا عائليًا مثقلًا بالطلبات والضغوط.
عند سؤاله عن الميزانية التي يخصصها عادة لهذه الزيارة، يقول إن المبلغ يتراوح عادة بين عشرة آلاف وخمسة عشر ألف يورو، وهي مصاريف تتوزع على حاجيات العائلة والهدايا والمناسبات المختلفة.

لكن أكثر ما يثقل كاهله، هي نفقات زوجته التي لا تتوقف عن الشراء: "ثلاثة أشهر من التسوّق المتواصل، كأننا في موسم هدايا لا ينتهي"، مضيفًا أنّه يشعر أحيانًا أن الجميع في محيطه العائلي يعتبره مصدرًا لا ينضب للمال وكأنّه "صرّاف آليّ"، وفقه.
بالنسبة له، العودة إلى تونس ليست استراحة أو عطلة، بل أصبحت مرهقة نفسيًا وماديًا، ولا تحمل في طياتها أي لحظة استجمام حقيقية، مؤكّدًا أن الزيارة أصبحت أشبه بواجب عائلي يتخلله التعب والطلبات.
كما يؤكد محدّثنا أن الأزمة الاقتصادية أثّرت على نمط عيشه، سواء في فرنسا أو في تونس، حيث لاحظ ارتفاعًا كبيرًا في الأسعار جعله يشتري بعض الحاجيات في أوروبا بأسعار أرخص مما هي عليه في تونس، رغم فرق العملة.
مهاجر تونسي مقيم بفرنسا لـ"الترا تونس": الزيارة السنوية إلى تونس لم تكن يومًا عطلة حقيقية بقدر ما أصبحت واجبًا عائليًا مثقلًا بالطلبات والضغوط
عندما تحدث (ح.ب) عن نظرة المجتمع له كمهاجر، بدت المرارة واضحة في صوته حيث عبّر عن شعوره بأنه لا ينتمي إلى أي مكان، غريب في المهجر وغريب في بلده، مضيفًا أن نظرة بعض أقاربه تحوّلت إلى رغبة في استغلاله، وكأن مجرد وجوده بينهم كفيل بإراحة الجميع من أي عبء.
ورغم ذلك، لا يرى محدّثنا أن إنفاقه مردّه الرغبة في التفاخر أو إثبات النجاح، بل فقط للحفاظ على العلاقات العائلية وتجنّب القطيعة، لأن مجرد قول "لا أستطيع" كفيل، حسب رأيه، بإخراجه من "ملّة العائلة".
في النهاية، يقول بنبرة تجمع بين السخرية والواقعية: "الهوية الوحيدة التي بقيت لنا ونتشبث بها هي هوية النادي الإفريقي.. أما بقية الهويات، فقد ذابت بين هنا وهناك".
أبو عبد الرحمان: "نعمل ليلًا ونهارًا لنوفّر مصاريف العطلة أو لمساعدة أهلنا، ولسنا نعيش في ترف كما يعتقد البعض"
يحرص أبو عبد الرحمان على زيارة تونس هو وعائلته مرتين في السنة، موضّحًا أنّ التكاليف تكون منخفضة في فصل الشتاء كما أن زوجته تلجأ أحيانًا إلى شيكات العطلة التي يوفرها عملها لتغطية جزء من التكاليف، ما يُخفّف الضغط المالي.
وفيما يخصّ مسألة الهدايا، يعترف بصراحة أنّ الأمر بات حملاً ثقيلًا، لكنه لا يستطيع التخلّي عنه إذ يقول لـ"الترا تونس": "أنا لم أعد أؤمن بفكرة العودة محمّلاً بالهدايا كما في السابق، لأنني لست سائحًا فأنا مقيم في الخارج. لكن والدتي لا تزال حريصة على هذه العادة، وتوزّع الهدايا على الجميع، ولا أستطيع كسر خاطرها لهذا السبب، أشتري الشوكولاتة والهدايا الرمزية لكل الأفراد"، مضيفًا أنّه يشعر أحيانًا أنّه مطالب بإرضاء الجميع وإلا أصبح محل تندّر أو لوم صريح، وفقه.
تونسي مقيم بالخارج لـ"الترا تونس": مسألة الهدايا باتت حملاً ثقيلًا، لكن لا نستطيع التخلّي عنها، ونظرة بعض الناس لم تتغيّر، بل ظلّت الأحكام المسبقة تلاحقنا حتى من أقرب المقرّبين
ويضيف محدّثنا أن الناس في تونس يظنون أن الأموال تُجنى بسهولة في الخارج، وأن كل مهاجر يجب أن يعود بسيارة، أو على الأقل بملابس جديدة وهدايا كثيرة وهذا التصور، الذي يبدو راسخًا في المخيلة الجماعية، يجعله يشعر أحيانًا بالغربة المزدوجة: غريب في بلد الإقامة، وغريب أيضًا حين يعود إلى وطنه.
يقرّ أبو عبد الرحمان أن عادات الإنفاق لديه تغيّرت منذ مغادرته تونس، لكنّه يؤكد أن ذلك لا علاقة له بالترف، بل هو انعكاس مباشر لنمط حياة مختلف، مضيفًا: "حين كنت أعمل في تونس، كنت أكتفي باستئجار منزل بسيط للمصيف ولا أفكّر أبدًا في النزل. أما اليوم، فقد أصبح بمقدوري أن أصطحب عائلتي لأماكن فخمة، وأوفّر لابنتي أنشطة ترفيهية لم يكن الوصول إليها ممكنًا سابقًا. العمل في المهجر يتيح لك الوصول إلى أشياء لم تكن في المتناول من قبل".
ورغم ذلك، لم تتغيّر نظرة بعض الناس، بل ظلّت الأحكام المسبقة تلاحقه حتى من أقرب المقرّبين. يضحك مسترجعًا مواقفًا لا ينساها: "أحدهم سألني مرة إن كنت سأشتري بيتًا، وآخر استغرب أن أعود بنفس القميص الذي ارتديته العام الماضي. كأننا نملك البنك المركزي ونغرف منه كما نشاء! لكنّ الحقيقة أننا نعمل ليلًا ونهارًا لنوفر مصاريف العطلة أو نساعد أهلنا، ولسنا نعيش حياة الترف كما يعتقد البعض".

الكلمات المفتاحية

من تجربة رائدة إلى قضية استعجالية.. واحات جمنة تُهدَّد بالإخلاء
تترقّب جمعية حماية واحات جمنة، مصير قضيتيْن تنظر فيهما الجهات القضائية نهاية هذا العام وبداية العام المقبل: الأولى استعجالية تتعلّق بإخلاء "الضيعة" التي تُعدّ مصدر رزق لمئات الأسر، والثانية تتعلّق بتقييم محاصيل نخيل الواحة منذ عام 2011.

وفاة ممرضة في الرديف متأثرة بحروقها أثناء العمل يثير الغضب في تونس
أثارت وفاة الممرضة التونسية أزهار بن حميدة، التي فارقت الحياة متأثرة بالحروق التي تعرضت لها أثناء تأديتها لحصة الاستمرار الليلية بالمستشفى المحلي في الرديف، وفق ما صرح به الناطق باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، رمضان بن عمر، في وقت سابق لـ"الترا تونس"، موجة غضب واسعة في تونس. وأدت الحادثة إلى سلسلة من ردود الفعل من نقابات القطاع الصحي، المنظمات الحقوقية، والناشطين…

مرضى الهيموفيليا في تونس وخطر فقدان الأدوية.. العيش على حافة النزف الدائم
رئيسة جميعة مرضى الهيموفيليا لـ"الترا تونس": يعيش مرضى الهيموفيليا على حافة النزيف الدائم، خصوصًا في حال فقدان الأدوية اللازمة، فعامل التخثّر يجب أن يُوجد في جسدهم لذا لا بدّ أن يتوفر الدواء بطريقة لا يجب أن تنقطع، وبطريقة عادلة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب. ولكن هذا غير موجود حاليًا

الدستوري الحر يعلن تمسّكه بوثيقة "التزام وطني" وتنظيمه لمسيرة يوم 18 جانفي 2026
الحزب الدستوري الحر: نهيب بكافة القوى الحيّة في المجتمع لمساندة مسار توحيد جهود ورص صفوف الفاعلين السياسيين والمدنيين المؤمنين بالجمهوريّة والحكم المدني الديمقراطي بهدف إخراج البلاد من الأزمة الخانقة متعدّدة الأبعاد التي تتخبّط فيها

اتحاد الشغل: زيادة في أجور أعوان المساحات التجارية الكبرى بعنوان سنة 2025
تم الاتفاق على تسوية هذه التسبقة على الأجر لاحقاً عند صدور الأمر المتعلق بالزيادة في الأجور طبقًا لأحكام الفصل 15 من قانون المالية لسنة 2026، وذلك وفقًا لصيغ محددة

رابطة حقوق الإنسان: نقص حاد في أدوية الأمراض المزمنة في انتهاك صارخ للحق في الصحة
رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان: تونس تعيش اليوم انهيارًا متسارعًا ومقلقًا للمنظومة الصحية العمومية، في ظل عجز الدولة الواضح عن الإيفاء بالتزاماتها الدستورية والقانونية في ضمان الحق في الصحة و العلاج

العجز التجاري لتونس يناهز 22 مليار دينار موفّى ديسمبر 2025
المعهد الوطني للإحصاء: بلغت الصادرات التونسية مع الاتحاد الأوروبي خلال سنة 2025 (69,9% من جملة الصادرات) ما قيمته 44527,8 مليون دينار مقابل 42862,3 مليون دينار خلال سنة 2024.

