صدى الملاعب
26 أبريل 2025
مقال رأي
"حتّى بينوشيه لم يفعل هذا! حتّى بينوشيه لم يفعل هذا!" كانت تلك صرخة أطلقها ستّينيّ تونسيّ، في الثّاني والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني 2010، أثناء مغادرته استاد رادس، عقب دربي العاصمة بين التّرجّي الرّياضيّ التّونسيّ والنّادي الأفريقيّ. كانت صرخة الرّجل موجّهة إلى رجال أمن حاصروا عشرات الجماهير وانهالوا عليهم ضربًا، دون مقدّمات.
كنتُ، يومها شاهدًا، على تلك الصّرخة وقد رأيت فيها منعرجًا هامًّا للأوضاع في تونس، حتّى أنّي بدأتُ كتابي "أيّام قلقة: سجّلات عشر سنوات من الثّورات العربيّة" – باللّغة الفرنسيّة – بهذا المشهد، تحديدًا. لم يكن اختياري اعتباطيًّا. ففي المجتمعات الّتي تضيق فيها منابر التّعبير تحت وطأة قمع الأنظمة السّياسيّة للجماهير، تُصبح فضاءات عامّة واسعة كالاستادات، بطقوسها وثقافتها وإمكانيّاتها للتنظّم بل وقدرتها على بلورة جُمل سياسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة، أهمّ مصدر لقياس الرأي العامّ ومزاجه وسلوكه.
في ذاك السّياق التّاريخيّ المتّسم بالتّوتّر، كان نظام الرّئيس الرّاحل، زين العابدين بن عليّ، يحسب للملاعب ألف حساب. فقُبيل الثّورة بأسابيع قليلة، أصدرت إحدى رابطات مشجّعي النّادي الأفريقيّ "وصيّتها"، وهو عنوان لنشيد، جاء في كلماته – وهي بالعامّيّة التّونسيّة - أنّ "السّلطة للجماهير (..) الّتي ترفض أن تكون مجرّد دمى".
انتشر النّشيد كالنّار في الهشيم، حتّى بين مشجعّي أندية أخرى اكتوت بقرارات السّلطة الحاكمة القاضية بحلّ معظم رابطات المشجّعين وحظر الرّموز الثّوريّة من الملاعب، مثل صور أرنستو تشي غيفارا.
في المجتمعات الّتي تضيق فيها منابر التّعبير تحت وطأة قمع الأنظمة السّياسيّة للجماهير، تُصبح فضاءات عامّة واسعة كالاستادات، بطقوسها وثقافتها وإمكانيّاتها للتنظّم بل وقدرتها على بلورة جُمل سياسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة، أهمّ مصدر لقياس الرأي العامّ ومزاجه وسلوكه
ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال عدم استحضار "وصيّة" النّادي الأفريقيّ وأنت تستمع إلى "كابوس رجال الأمن"، الّتي أطلقتها مجموعة "ساحليانو"، إحدى رابطات مشجّعي النّجم الرّياضيّ السّاحليّ، في الحادي والعشرين من الشّهر الجاري، إذ تقول كلمات النّشيد – وهي بالعامّيّة التّونسيّة، أيضًا -: " حُرمنا من الحرّيّة ووجدنا أنفسنا مساجين. نعيش كمدنيّين في سجن كبير. نحن من جئنا بالحرّيّة".
ويفتح النصّ الباب أمام وحدة رابطات المشجّعين، من حيث التّشخيص أولاً، إذ يصف المنظومة بـ"الفاشية"، قبل أن يشكرها لـ"تجميعها للجماهير"، مشدّدًا على أنّ "شوارع البلاد في أيدينا"، بل ويذهب إلى حدّ الّتلويح بـ"ثورة جديدة".
تزامن إصدار هذا النّشيد مع احتجاج معظم رابطات مشجّعي النّادي الأفريقيّ على تكريم إدارة فريقهم للجهاز الأمنيّ، قُبيل انطلاق مباراة الدّربي، أمام غريمهم التّقليديّ، التّرجّي الرّياضي التّونسيّ. واتّهمت صفحة رابطة "نورث فندالز" الرّسميّة على شبكة التّواصل الاجتماعيّ، فيسبوك، رئيسَ النّادي بـ"بيع القضيّة"، في إشارة إلى قضيّة المشّجع الشّاب، عمر العبيدي، الّذي قضى غرقًا بعد قفزه في بركة مياه، أثناء ملاحقته وأنصار آخرين من رجال أمن، في الحادي والثّلاثين من مارس/آذار 2018. وذكر بيان "نورث فندالز" أنّ "هذا التّكريم لا يُمثّلنا ولا يُلزمنا في شيء والماضي القريب يُذكّرنا بمغبّة من صادَق على رواية وزارة الدّاخليّة على حساب جماهيرنا".
وقضت محكمة تونسيّة، في جويلية/يوليو الماضي، بخفض العقوبة ضدّ 12 رجل أمن وُجّهت لهم تهمة القتل غير العمد إلى السّجن سنة واحدة مع تأجيل التّنفيذ وعدم سماع الدّعوى في تُهمة عدم إنقاذ شخص في حالة خطر وتبرئة رجال أمن آخرين. وغذّت هذه الأحكام حالة غضب وسخط كبيرين بين الجماهير الرّياضيّة في تونس.
وفي سابقة لافتة، عبّرت مجموعة "باردو بويز 02"، إحدى أهمّ رابطات مشجّعي الملعب التّونسيّ، ثالث أهمّ أندية العاصمة التّونسيّة، عن تضامنها مع القاضي المتقاعد والمحامي، أحمد صواب، بعد اعتقاله على خلفيّة انتقاده القُضاة الّذين بتّوا فيما يُعرف بملفّ "التآمر".
بات واضحًا تسارعُ وتيرة القمع.. ليشمل، وفي وقت وجيز للغاية، مواطنين عاديّين يُشبهون أيّ مواطن آخر، من حيث الفئة الاجتماعيّة والابتعاد، بالفعل، عمّا يُمكن أن يُزعج سلطة الأمر الواقع، بل ولا تتوفّر فيهم الصّورة النّمطية للنّاشط السّياسيّ التّي تحظى محنته بـ"بهرج" إعلاميّ ودعم قانونيّ وحقوقيّ واسِعَيْن
وبالتّزامن مع مواقف رابطات مشّجعي النّجم الرّياضي السّاحلي والنّادي الأفريقي والملعب التّونسيّ، الّتي يدور رحاها بشكل أساسيّ حول كيفيّة التّعامل مع التّعاطي الأمنيّ الخشن مع الجماهير الرّياضيّة، بات واضحًا تسارعُ وتيرة القمع بعيدًا عن الفاعلين السّياسيّين الّذين لا يجدون آذانًا صاغية للظّلم الواقع عليهم، في كثير من الأحيان، ليشمل، وفي وقت وجيز للغاية، مواطنين عاديّين يُشبهون أيّ مواطن آخر، من حيث الفئة الاجتماعيّة والابتعاد، بالفعل، عمّا يُمكن أن يُزعج سلطة الأمر الواقع، بل ولا تتوفّر فيهم الصّورة النّمطية للنّاشط السّياسيّ التّي تحظى محنته بـ"بهرج" إعلاميّ ودعم قانونيّ وحقوقيّ واسِعَيْن.
ولعلّ فيديو سائق حافلة الشّركة الجهويّة بنابل أخطر دليل على ذلك، إذ أظهر تعرّض الموظَّف للعنف الشّديد على أيدي رجال أمن أنّ القمع لا يستهدف النّخبة السّياسيّة دون غيرها. كما لا يمكن وضع الضّحيّة، في هذه الحالة، في خانة "المرتزقة والعملاء"، كما يُردّد كثيرون، تحت تأثّرهم أو/و تبنّيهم للخطاب الرّسميّ.
وفي الفيديو ذاته صراخ وعويل من المسافرات ودعوات منهنّ لرجال الأمن التوقّف عن الاعتداء على السّائق وتركه في حال سبيله.
"لم نستسلم رغم قمعهم لنا"، يقول نشيد رابطة "ساحليانو"، مستهزئًا "بمن لم يفهمنا". وتلك أقوى رسالة من الممكن أن تتلقّاها أيّ سلطة. ولاحظوا أنّ العبارة المستخدَمة هي "الفهم" وليست "التفّهم". وشتّان ما بين العبارتين.
المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية
تثبيت حكم قضية التآمر في تونس.. هل من جديد؟
قرار رفض التعقيب، في الأثناء، يسدل الستار على مسار التقاضي ولكنه يؤشر على بدء مرحلة جديدة لقضية "التآمر" وهي حصره كملف سياسي في إطار النضال الحقوقي والديمقراطي لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين
سؤال "ما البديل؟".. بين التّعجيز والعجز
لم يعد السّؤال عن البديل مجرّد ترف فكريّ.. والأهمّ من ذلك، أنه لم يعد من المُحرّمات في الشّارع التّونسيّ. ولعلّ الإجابة تستوجب، إعادة صياغة السّؤال ذاتِه، من "ما البديل؟" إلى "كيف نبني هذا البديل؟"
جحيم السّجون في تونس
من التّهم الموجّهة من أنصار الرئيس سعيّد، لكلّ من يُثير مسألة الوفيّات الأخيرة، هي عدم حيازة تقرير طبّيّ يُؤكّد الحرّ سببًا للوفاة، والحال أنّه على الدّولة أن تُقدِم على تلك الإجراءات، من باب الشّفافيّة
طقس تونس.. حرارة مستقرة وأمطار منتظرة في بعض المناطق
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تتراوح بين 30 و39 درجة والبحر هادئ إلى قليل الاضطراب
خبير بيئي: 62% من شبكة "الصوناد" قديمة ومهترئة
قال الخبير الدُّولي في البيئة والتّنمية المُستدامة، محمّد عادل الهنتاتي، إن "نحو 62% من شبكة توزيع مياه الشرب التابعة لـ..