ultracheck
مجتمع

شواطئ تونس.. مخاوف من التلوث البحري مع انطلاق موسم الاصطياف

6 يونيو 2026
تلوث البحر في تونس
تحذيرات متصاعدة من منظمات المجتمع المدني التي تدق ناقوس الخطر أمام كارثة بيئية تزحف نحو خط لا عودة (صورة توضيحية/ getty)
مريم الناصري
مريم الناصري صحفية من تونس

هنا، في شاطئ قصيبة المديوني بولاية المنستير حيث كان الشاطئ يتنفس زرقة وحياة، لم يعد للموج سوى أنين الكارثة. وتلاشى النسيم العليل، وتحوّلت زرقة البحر الفيروزية إلى لوحة كئيبة تطغى عليها ألوان الموت. والمياه كَدِرة مائلة للخضرة العفنة والرماد الداكن، تطفو على سطحها رغوة لزجة ملوثة بالنفايات والبلاستيك.

والرائحة هناك خانقة، فغازات الكبريت المنبعثة من التحلل تحجب نقاء الهواء، بينما تحجب العكارة الشديدة أشعة الشمس عن أعماق تحولت إلى مقبرة صامتة للأحياء البحرية. ولم تسلم حتى الرمال الناصعة، فقد تشرّبت بالزيوت والمواد الفاسدة، وتناثرت فوقها جثث السلاحف النافقة والطيور البحرية الملطخة بالزبد اللزج.

تحت أشعة الشمس الحارقة التي من المفترض أن تعلن عن بدء موسم الاستجمام والاصطياف، ينبعث من الساحل التونسي الممتد على أكثر من 1300 كيلومتر صرخة فزع بيئية صامتة

مشهد جنائزي صامت، لا يعيشه فقط ذلك الشاطئ دونًا عن سواه، فتحت أشعة الشمس الحارقة التي من المفترض أن تعلن عن بدء موسم الاستجمام والاصطياف، ينبعث من الساحل التونسي الممتد على أكثر من 1300 كيلومتر صرخة فزع بيئية صامتة. فالعديد من الشواطئ التي كانت يومًا وجهة سياحية عالمية ومهدًا للثروة السمكية، تحوّلت اليوم بفعل التمدد الصناعي وقصور شبكات التطهير إلى مساحات عائمة من المياه الآسنة والمخلفات السامة، وسط تحذيرات متصاعدة من منظمات المجتمع المدني التي تدق ناقوس الخطر أمام كارثة بيئية تزحف نحو خط لا عودة.

فعلى طول هذه الخطوط الساحلية المنكوبة، يروي البحر مأساته عبر ما يقذفه في عدّة شواطئ، جثث سلاحف بحرية قذفت بها الأمواج لتستقر هامدة فوق الرمال الملوثة بعد أن قتلتها سموم المياه، وبجوارها تتناثر أجساد طيور بحرية غارقة في رغوة كيميائية لزجة، انطفأ بريق ريشها بعد أن علقت بمخلفات السوائل الصناعية الفاسدة والزبد الأصفر الطافي. الهواء هناك ثقيل وخانق، تمتزج فيه غازات الكبريت الكريهة المنبعثة من مصبات الأودية برائحة العفن والتحلل الكيميائي، حتى غدا التنفس على الشاطئ عبئًا صحيًا.

اقرأ/ي أيضًا: تكرر حوادث الغرق في شواطئ تونس.. أسباب عديدة ونقائص واضحة

مشهد يوثقه وينشر صوره سكان العديد من المناطق خصوصًا في الضاحية الجنوبية لتونس العاصمة على غرار رادس وحمام الأنف وبرج السدرية، وبعض شواطئ المناطق الساحلية بالمنستير وسوسة بالإضافة إلى الجنوب على غرار خليج قابس. حيث يتجلى التلوث العضوي بأبشع صوره نتيجة التدفق العشوائي لمياه الصرف الصحي غير المعالجة كليًا، إضافة إلى مخلفات المصانع، حتى فقدت مياه البحر زرقتها الطبيعية، مما جعل السلطات تدرج عدة نقاط منها دوريًا ضمن الشواطئ الممنوعة من السباحة. 

  • خليج قابس الشاهد الأكبر على مأساة الشواطئ

ويمثّل خليج قابس الشاهد الأكبر على التلوث الكيميائي الصناعي في تونس، حيث تتدفق مخلفات مصانع الفوسفاط مباشرة في البحر، مما أدى إلى القضاء على التنوع البيولوجي الفريد، وتحول لون المياه والرمال القريبة إلى صبغة مُغبرة داكنة تلاشت معها الحياة البحرية تمامًا.

عديد الشواطئ التونسية التي كانت يومًا وجهة سياحية عالمية ومهدًا للثروة السمكية، تحوّلت اليوم بفعل التمدد الصناعي وقصور شبكات التطهير إلى مساحات عائمة من المياه الآسنة والمخلفات السامة

إذ يقول محمد أحد الصيادين من خليج قابس: "نعاني منذ عقود من سكب الفوسفوجيبس في البحر. في الماضي، كنا نخرج شباكنا مليئة بالخيرات من أسماك ومنتجات بحرية، أما اليوم فلا نجد إلا شباكًا سوداء ممزقة بسبب المواد الكيميائية، أو أسماكًا نافقة. البحر مات، ومعه ماتت مصادر رزقنا، والروائح المقززة أصبحت تخنق أطفالنا في البيوت القريبة". مضيفًا: "لم يعد هذا البحر الذي عرفناه، لقد تحوّل بفعل المقذوفات المستمرة للفوسفوجيبس من مهد للسمك والخيرات إلى صحراء مائية ميتة". 

وتابع: "كنا في الماضي نلقي شباكنا على بعد أميال قليلة من الشاطئ فنعود محملين بكميات كبيرة، أما اليوم، فالمياه القريبة أصبحت مسمومة ولزجة وتكسوها عكارة داكنة تقتل كل شيء في القاع. لقد أجبرنا هذا السمّ الرمادي على خوض رحلات مضنية ومحفوفة بالمخاطر لمسافات بعيدة جدًا في عمق البحر، نستهلك فيها أضعاف الوقود ونخاطر بأرواحنا في قواربنا الصغيرة، فقط لنبحث عن بضع كيلوغرامات من الأسماك تسد رمق عائلاتنا. التلوث لم يقتل الأحياء البحرية فحسب، بل قتل معها أرزاقنا وأجبر أولادنا على هجرة مهنة الأجداد بعد أن أصبح البحر يلفظ أمواجه الملوثة وموته الصامت على شواطئنا المنكوبة" وفق تعبيره.

اقرأ/ي أيضًا: متساكنو الضاحية الجنوبية لتونس يحتجّون على حالة الشواطئ عبر تكوين سلسلة بشرية

  • كوارث بيئية ناتجة عن سكب النفايات السائلة دون معالجة 

وقد سبق ورصد المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في تقاريره المتواترة حول "العدالة البيئية" تعاظم الكوارث البيئية الناتجة عن سكب النفايات السائلة والمائية دون معالجة مسبقة. ويؤكد المنتدى أنّ التلوث البحري لم يعد ترفًا بيئيًا بل بات يتسبب في خسائر مادية فادحة تتعلق بالصحة العامة، وتراجع إنتاج الثروة السمكية، وضرب منظومة الصيد التقليدي، مُحذرًا من غياب الرقابة الصارمة على المصانع الملوثة التي تفضل دفع غرامات مالية زهيدة على استثمار أموال في محطات التطهير الذاتي.

كما ذكر قسم العدالة البيئية بالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية سنة 2021 أنّه "تلقى اتصالًا من مواطنين عبروا عن استيائهم مما آلت إليه حالة شواطئ وبحر الضاحية الجنوبية لتونس رادس وحمام الانف والزهراء وحمام الشط من تلوث وتغير لون المياه مع انبعاث روائح كريهة، هذا بالإضافة إلى تسمم المياه وتردي التنوع البيولوجي ونفوق الأسماك مما أثر سلبًا على صحة المصطافين وعلى الحركية الاقتصادية ككل بشواطئ الضاحية الجنوبية والقائمة على السياحة والصيد البحري".

محمد (صياد من خليج قابس) لـ"الترا تونس": كنا نخرج شباكنا مليئة بالخيرات من أسماك ومنتجات بحرية، أما اليوم فلا نجد إلا شباكًا سوداء ممزقة بسبب المواد الكيميائية، أو أسماكًا نافقة. البحر مات، ومعه ماتت مصادر رزقنا

مؤكدًا أنّه "من السهل ملاحظة تراجع عدد المقبلين على هذه الشواطئ، التي كانت تمثل المتنفس الوحيد لمتساكني المنطقة وللزائرين الذين لا يتاح لهم ارتياد مناطق ساحلية أخرى نظرًا لبعد المسافة وغلاء تكلفة التنقل والإقامة. ويعاني بحر الضاحية الجنوبية من تلوث مركب تتسبب فيه مياه الصرف الصحي التي تسكب مباشرة دون معالجة بالإضافة إلى المياه المستعملة المتأتية من المناطق الصناعية بولاية بن عروس وخاصة منها معمل الطماطم برادس ومصنع الجلد والتي يتم تصريفها بواد مليان الذي تصب مياهه مباشرة بشاطئ رادس".

وتجدر الإشارة إلى أن "عديد الإيرادات خصصت لمشاريع تأهيل محطات معالجة المياه المستعملة وتنقية مياه الصرف الصحي وإنقاذ بحر الضاحية الجنوبية، والتي كانت أعلنت عنها المجالس البلدية بالجهة خلال حملاتها الانتخابية وآخرها سنة 2018، إلا أنّ أيًا من هذه المشاريع لم ير النور ولم تعد أن تكون إلا شعارات انتخابية من أجل حصد الأصوات".

إنّ "ما يتعرض له بحر الضاحية الجنوبية من تلوث، يعدّ إرهابًا بيئيًا بأتم معنى الكلمة، الفاعل الرئيسي فيه هو الديوان الوطني للتطهير، وتساهم فيه بصمتها وتواطئها مؤسسات أخرى على غرار الوكالة الوطنية لحماية المحيط ووكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي".

ولا تزال حالة تلك الشواطئ على الرغم من تنديد المنظمات البيئية وتعهد الوزارات المعنية بإيجاد حلول، على ما هي عليه منذ سنوات.

وقد تمّ تصنيف ما يقارب 15 إلى 16 نقطة في شواطئ ولاية بن عروس على غرار رادس والزهراء وحمام الأنف كشواطئ ملوثة وغير صالحة تمامًا للسباحة. من أبرزها المنطقة المقابلة للمحطة الحرارية برادس، والنقاط المحيطة بمصب "وادي مليان".

شواطئ ولاية أريانة رواد الشاطئ سُجلت بها أيضًا 6 نقاط ملوثة، أبرزها شاطئ قبالة مصب السبخة، حي القضاة، وقرب قناة الخليج.

ومازال العديد من المواطنين ينشرون فديوهات وصور عن تسرب مياه الصرف الصحي إلى عدّة شواطئ في عدّة مناطق دون معالجة. وتتكرّر تلك المشاهد خصوصًا في هذه الفترة نظرًا لارتفاع درجات الحرارة وتوجه الناس للشواطئ ليكتشفوا حجم الكارثة التي تتفاقم مع ارتفاع درجات الحرارة.

الكلمات المفتاحية

طلبة

ماذا نعرف عن التوجيه الجامعي في تونس لسنة 2026؟

تمثل عملية التوجيه الجامعي في تونس مرحلة أساسية في المسار الدراسي للناجحين في امتحان الباكالوريا..


النزل الاصطياف تونس فتحي بلعيد أ ف ب Getty

ارتفاع أسعار النزل والاصطياف في تونس سنة 2026 يثقل كاهل الأسر

تتواصل خلال صائفة 2026 موجة ارتفاع أسعار خدمات النزل والاصطياف في تونس، وسط شكاوى من غلاء تكلفة العطلة الصيفية مقارنة بالموسم الماضي..


المراحيض العمومية Getty

عن أزمة المراحيض العموميّة في تونس

ما الذي يجعل كاتبًا أو صحفيًّا أو مدوّنًا يهتمّ بمشغل سفليّ بسيط في ظنّ الكثيرين لا يرقى عمقًا ودقّة وخطورة إلى القضايا السياسيّة والأمنيّة والفنيّة؟


النوفيام

بين الدراسة والرياضة.. قصة التوائم الثلاث المتفوقات في "النوفيام"

عاشت عائلة الشتيوي قصة نجاحٍ استثنائية توّجت بتفوق الشقيقات التوائم الثلاث في مناظرة ختم التعليم الأساسي العام دورة 2026 "النوفيام".. تعرّف عليها

منجي مرزوق.jpg
مجتمع

كيف علّق وزير طاقة سابق على إجراء القطع المتعمَّد للكهرباء في تونس؟

منجي مرزوق: تونس تُعد نموذجًا جيدًا لدولة حققت وصولاً شبه شامل للكهرباء، لكنها ما زالت تلجأ إلى تخفيف (تقنين) موسمي ومحدد النطاق للكهرباء

محمد بالحاج محمود
منوعات

محمد بالحاج محمود رسميًا في الترجي الرياضي

أعلن الترجي الرياضي التونسي، اليوم الأربعاء 15 جويلية/يوليو 2026، عن إتمام كافة الإجراءات المُتعلّقة بالتعاقد مع..


طلبة
مجتمع

ماذا نعرف عن التوجيه الجامعي في تونس لسنة 2026؟

تمثل عملية التوجيه الجامعي في تونس مرحلة أساسية في المسار الدراسي للناجحين في امتحان الباكالوريا..

هيثم المكي وإلياس الغربي بلعيد.jpg
میدیا

تنديد بالحكم الصادر ضد الإعلامي هيثم المكي ودعوات لنقضه

نقابة الصحفيين التونسيين: ندعو السلطات إلى احترام المعايير الدستورية والدولية الضامنة لحرية التعبير، ووضع حد للملاحقات القضائية التي تستهدف الصحفيين والإعلاميين خارج الضمانات التي يقرّها القانون

الأكثر قراءة

1
سیاسة

وزير خارجية تونس يقدّم التعازي لأمير قطر في قصر لوسيل


2
منوعات

صبري اللموشي يكشف كواليس نهاية تجربته مع المنتخب التونسي


3
مجتمع

رفض مطلب الإفراج عن الناشط عبد الله السعيد وتأجيل القضية


4
منوعات

12 ولاية تونسية ضمن مستوى إنذار مرتفع.. ما القصة؟


5
مجتمع

انقطاعات واسعة ومتكررة للكهرباء بتونس.. استياء كبير و"الستاغ" توضّح الأسباب