ultracheck
منوعات

سوسة في الذكرى 30 لإدراجها في لائحة اليونسكو.. معالم أثرية ومخاطر جديّة

8 ديسمبر 2018
20181206_144353.jpg
الجامع الكبير بسوسة يعود للقرن التاسع ميلادي (ماهر جعيدان/الترا تونس)
ماهر جعيدان
ماهر جعيدان صحفي من تونس

في تونس مدن تروي التاريخ وتحتفي بالحضارة، وفي سوسة مر الإنسان فترك أثارًا في العيش المشترك، وزرع بذور المدنية والحياة الاجتماعية، وخلد سلطته على المكان وسطوته على الزمان. كل من مر بسوسة، اجتمع على أكل، واحتفل في عرس، واحتمى بسور، وتعبد في مسجد، واحتمى برباط، وتصدى لعدو، وابتاع من سوق، وتغسّل في حمام وأشعل شمعة عند ولي صالح.

تحتفل مدينة سوسة الساحلية بتاريخ 9 ديسمبر 2018 بالذكرى الثلاثين لترسيمها ضمن التراث العالمي على لائحة اليونسكو سنة 1988

وتحتفل مدينة سوسة الساحلية بتاريخ 9 ديسمبر/كانون الأول 2018 بالذكرى الثلاثين لترسيمها ضمن التراث العالمي على لائحة اليونسكو سنة 1988، وهي ذكرى تحتفل بها بلدية سوسة مع مكونات المجتمع المدني، وهي أيضًا مناسبة لطرح التحديات التي تواجهها هذه المدينة الحضارة.

"جواهر" متعدّدة في جوهرة الساحل

تتمتع سوسة بعمق ثقافي وتراثي يتجاوز 3000 سنة، فهي أدريم، وأدريمتيوم، وسوسة المحروسة، هي واحدة وإن اختلفت الأسماء وتعددت الحضارات. وقد صُنفت كتراث عالمي لعدة اعتبارات أهمها أنها نموذج للمدينة العربية في أول الحقبة الإسلامية الأغلبية وقد حافظت على معالمها دون تشويه.

لوحة منحوت عليها تاريخ إدراج مدينة سوسة ضمن لائحة التراث العالمي (ماهر جعيدان/الترا تونس)

وتتمثل أهم معالمها العسكرية في الأسوار الممتدة على كيلومترين حول المدينة العتيقة، والأبواب السبعة المحيطة بها التي تعتبر مداخل رئيسية وبوابات حصينة كما الثكنات. وبها تحصينات مشيدة أهمها القصبة وهي القلعة التاريخية التي يعود تشييدها إلى القرن التاسع ميلادي إذ تضم أجزاءً مخصصة لكل من السلطان، والوالي، والجند إضافة للأجزاء المخصصة للدواوين الإدارية. فيما يُعتبر رباط سوسة من الحصون المنيعة، وهو مقر لتدريب الجند ومركز لحماية السواحل الشرقية.

فيما تتمثل أهم المعالم الدينية في سوسة في الجامع الكبير، وهو جامع شيد في الحقبة الأغلبية وأدخلت عليه عدة تحسينات، يتميز بطابعه الإسلامي المغربي من شرفات وكتابات. ومن معالمها أيضًا جامع بوفتاتة ومدرسة الزقاق الصنهاجية ذات الصومعة التركية، وذلك بالإضافة للعديد من المساجد والزوايا والمقامات والمزارات والمدافن العائلية والأضرحة. ولعل من ميزات مدينة سوسة كذلك المعالم الإدارية القديمة والتي لا تزال قائمة مثل دار الشرع، ودار الباي التي تمثل جزءًا من مقرات الحكم وتحصيل الجباية.

تتمثل أهم المعالم الدينية في سوسة في الجامع الكبير وهو جامع شيد في الحقبة الأغلبية يتميز بطابعه الإسلامي المغربي

وتوجد بالمدينة كذلك معالم مائية مثل "السفرة" وهي عبارة عن خزان تتجمع فيها المياه، ولازالت تحافظ على أعمدتها وأقبيتها، إضافة إلى "المسنى" وغيرها من البناءات الاقتصادية والحرفية. وما يميز الحياة الاقتصادية في سوسة أسواقها المتميزة أهمها "الربط"، و"سوق الحوكة"، و"الصاغة"، و"سوق القايد" وهو مركز الحرفيين في المدينة وحامل ذاكرتها وذاكرة سكانها وحرفييها وفلاحيها.

ولئن ذكرنا بعض المعالم على سبيل الذكر لا الحصر، فإن العديد من المعالم الأخرى تحمل في ذاتها عمقًا تاريخيًا وحضاريًا ثمينًا مثل فضاء "القبة" ذات التضلعات المتقطعة المتميزة، والفنادق، والدور، والمنازل العتيقة التي تروي تاريخ الأسر والعائلات وسكان الأزقة والأنهج.

ولا تخفى في المدينة العتيقة بسوسة المعالم تحت أرضية من أنفاق، ومسالك شيدت للتحصن عند الحروب وهي ممرات آمنة للسكان والجند عند الشدة. وقد تشابكت هذه الممرات مع الدواميس التي تعتبر إرثًا حضاريًا رومانيًا قديمًا وهي مدافن تعود للقرون الثلاثة الأولى ميلادية.

اقرأ/ي أيضًا: "سوق القايد" في المدينة العتيقة بسوسة.. حفر في ذاكرة الحرف والفنون

تراث مهدّد ودعوات لليقظة

اتصلنا برئيس لجنة السياحة والتراث ببلدية سوسة مراد البحري الذي أكد على "جسامة المهمة في المحافظة على التراث المادي واللامادي وعدم التفريط في المكاسب الحضارية والحفاظ على وجاهة المدينة". وأفاد أن الغاية الأساسية من الاحتفال بثلاثينية ترسيم مدينة سوسة ضمن التراث العالمي على لائحة اليونسكو هو رسم تمشي واضح في الحفاظ على جزء من تاريخ الوطن وهويته، وأيضًا رسم خطط واضحة لمجابهة التحديات التي تهدد هذه المعالم.

سوسة هي نموذج للمدينة العربية في أول الحقبة الإسلامية الأغلبية (ماهر جعيدان/الترا تونس)

وتحدث المستشار البلدي لـ"الترا تونس" عن خطة البلدية في صيانة التراث المادي واللامادي للمدينة العىتيقة بسوسة، متحدثًا عن غياب المعهد الوطني للتراث وإهمال لصيانة التراث رغم التشريعات الثورية في هذا المجال حسب تأكيده.

ودعا محدثنا لتكاتف الجهود لجرد المعالم الأثرية في مرحلة أولى، ثم حمايتها واستعادة بعضها وترميم ما اهترأ منها وما أوشك على الانهيار في مرحلة ثانية، وذلك قبل تثمين دورها وإدماجها ضمن الدورة السياحية.

وتتهدّد المعالم التراثية في سوسة مخاطر جديّة خلال العقود الماضية، ما جعل المجتمع المدني يطلق صيحة فزع. ومن بين هذه المخاطر ما حف بأسوار المدينة من ضرر نتيجة تفاقم الانتصاب الفوضوي الملاصق للسور، والاستغلال العشوائي للأكشاك الملاصقة له في منطقة "باب بحر" و"الباب القبلي" و"باب الجديد".

مراد البحري (مستشار بلدي في سوسة): يجب إعداد كراس شروط ترتيبي ينظم عدة مجالات تهم المعالم التراثية المادية واللامادية في سوسة

اقرأ/ي أيضًا: دواميس سوسة.. أسرار سراديب الموتى ورحلة البحث عن "الراعي الطيب"

كما أدى تفاقم ظاهرة البناء الفوضوي داخل المدينة العتيقة للإضرار بالطابع التراثي والعمراني خاصة مع استعمال ألوان وأشكال دخيلة في واجهات المحلات والمساكن ما أفقد المدينة خصوصيتها. وقد أجمع المجتمع المدني على غياب رؤية استراتيجية على المستوى الوطني للتعامل مع التراث الحي.

وفي هذا الجانب، دعا محدثنا مراد البحري، رئيس لجنة السياحة والتراث ببلدية سوسة، إلى إنشاء لجنة متخصصة تضم أعضاء من المجلس البلدي وخاصة من لجنة السياحة والتراث، ولجنة جمالية المدينة، ولجنة الثقافة والتعليم إضافة لمختصين في الهندسة المعمارية والتراث بهدف إعداد كراس شروط ترتيبي ينظم عدة مجالات تهم المعالم التراثية المادية واللامادية خاصة في البناءات والترميمات اللازمة والاستغلال الجمعياتي.

دعوات لصيانة وتثمين المعالم التراثية في مدينة سوسة (ماهر جعيدان/الترا تونس)

ويُعتبر تهيئة "سوق القايد" و"نهج الأغالبة" في المدينة العتيقة من المشاريع النموذجية التي تكفلت بها وكالة التهذيب العمراني بتأهيل من المجتمع المدني وتمويل فرنسي، وقد مكن هذا المشروع من تهيئة الأرضية وواجهات المنازل والمحلات التجارية، وإعادة ترتيب قنوات الصرف الصحي والأسلاك الكهربائية والاتصالات.

ورغم هذا الوعي بالمخاطر الواقعة بمدينة سوسة، لاتزال المخاطر المحتملة بدورها قائمة رغم عدم إدراج مدينة سوسة ضمن "قائمة مواقع التراث العالمي المعرضة للخطر" من طرف اليونسكو. وهي قائمة أعددتها المنظمة الدولية سنة 2012 تستهدف 38 موقعًا مهدّدًا في مناطق مختلفة من العالم من بينها 17 موقعًا طبيعيًا و21 موقعًا ثقافيًا، وتقع معظم هذه المواقع في العالم النامي، ويُعتبر إدراج بلد ما ضمن هذه "القائمة السوداء" وسيلة ضغط من أجل العناية بهذه المواقع التراثية.

مراسل الترا تونس خلال جولته في مدينة سوسة (ماهر جعيدان/الترا تونس)

 

اقرأ/ي أيضًا:

"قفة العروس" في سوسة.. سلة الاحتفالية والجمال والتحصين من الشرور

التاكسي الجماعي في سوسة.. فوضى وبلطجة وتحميل متبادل للمسؤولية

الكلمات المفتاحية

تونسيون منفيون

تونسيون نفتهم فرنسا إلى كاليدونيا الجديدة... جدارية خالدة رغم النسيان

الباحث الجزائري "صدّيق تاوتي": تحمل السفن أقبيتها السفلية المنفيين وهم مقيدين بواسطة سلاسل أو داخل أقفاص حديدية وعلى طول الرحلة كان المرحّلون يأكلون وجبة واحدة في اليوم


بئر لافيات بالعاصمة تونس.. مَعلمٌ يقاوم النسيان

بئر "لافيات" بالعاصمة تونس.. مَعلمٌ يقاوم النسيان

الآبار القديمة بالعاصمة تونس لم تكن كثيرة، لكنها قديمة وشاهدة على التاريخ الاجتماعي للتونسيين إذ توجد بئر مماثلة لبئر لافيات بنهج الملاحة مباشرة قبالة محل المرطبات الشهير "خرزة" وليس بعيدًا عن ساحة العملة وساحة روما، وأخرى بسيدي البحري بباب الخضراء قرب محطة الحافلات حاليًا.


رجة أرضية_غيتي.jpg

مناطق ذات خطر مرتفع.. أين يتركز النشاط الزلزالي في تونس؟

قسم الباحثون البلاد وتحديد 13 منطقة لنشاط زلزالي محتمل، استنادًا إلى سجل الهزات التاريخية والأنشطة الزلزالية، وتحديد خصائص الصدوع النشطة وميكانيكية البؤر الزلزالية في كل منطقة.


مشموم الأقواس.. علامة تراثية مميّزة سافرت من الأندلس إلى تستور

مشموم الأقواس.. علامة تراثية مميّزة سافرت من الأندلس إلى تستور

عضو جمعية تراث تستور: مشموم الأقواس التستوري هو علامة تراثية وثقافية من علامات تستور وعادة جلبها معهم أهل الأندلس، هذا المشموم هو مكون من مكونات الأناقة لدى التستوري ودلالة على الانسجام والسعادة والإقبال على حب الحياة، وهذه العادة توارثتها الأجيال وحافظت عليها كذكرى طيبة عن الديار في شبه الجزيرة الإيبيرية

تونس تحيي الذكرى 63 لعيد الجلاء وسط تحضيرات لمسيرة شعبية مرتقبة
مجتمع

تونس تحيي الذكرى 63 لعيد الجلاء وسط تحضيرات لمسيرة شعبية مرتقبة

يأتي إحياء الذكرى الثالثة والستين لعيد الجلاء في تونس هذا العام، وسط مناخ سياسي واقتصادي دقيق، يتزامن مع تصاعد المطالب السياسية والحقوقية بالحسم في ملف الموقوفين السياسيين والمحاكمات الجارية.

الذباب الأسود في منزل بوزلفة.. هل يهدد البيئة وحقول البرتقال؟
مجتمع

"الذباب الأسود" في منزل بوزلفة.. هل يهدد البيئة وحقول البرتقال؟

المنظمات المحلية والبيئية بمنزل بوزلفة، رفعت صوتها اعتراضًا على إقامة مشروع تربية الذباب الأسود وسط التجمعات السكانية، لما قد يشكله من مخاطر على صحة السكان، فضلًا عن الأضرار المحتملة التي قد تلحق بالحقول الزراعية المحيطة به، بحسب ما أكده البعض منهم في تصريحات لـ"الترا تونس".


طقس ريح غيتي.jpg
منوعات

طقس تونس.. سحب عابرة مع ريح قوية نسبيًا قرب السواحل

معهد الرصد الجوي: الريح فتكون من القطاع الشمالي بالشمال والوسط ومن القطاع الشرقي بالجنوب قوية نسبيًا إلى قوية قرب السواحل الشرقية وضعيفة فمعتدلة ببقية الجهات

تأخر رحلة الخطوط التونسية في مطار فيينا يتسبّب في تأجيل دفن مهاجر تونسي عدة مرات
مجتمع

بسبب تأخير قارب الـ30 ساعة.. عائلة تونسية وجثمان فقيدها يعلقون في مطار فيينا

كانت العائلة، التي تضم ثلاثة من أبناء الفقيد البالغين وبصحبتهم طفلان صغيران (بعمر سنة وسنتين ورضيع)، تعتزم مرافقة جثمان والدها البالغ من العمر 70 عامًا، والذي وافته المنية في 7 أكتوبر الجاري، لدفنه في تونس

الأكثر قراءة

1
اقتصاد

تمديد فترة تحجير صيد الأخطبوط في تونس.. ما السبب؟


2
مجتمع

النزلة الموسمية في تونس.. موعد انطلاق حملة التلقيح وتفاصيل الأسعار


3
منوعات

تسليط عقوبات مالية على عدة أندية في البطولة التونسية


4
مجتمع

جريمة قتل مروعة بجندوبة تهز الرأي العام في تونس


5
منوعات

ملعب الطيب المهيري في صفاقس يستعيد جاهزيته القارية بصفة رسمية