ultracheck
رأي

سليم المحرزي أو حتى لا تكون ذاكرتنا للنسيان

24 فبراير 2026
سليم المحرزي أو حتى لا تكون ذاكرتنا للنسيان
"يقول مثل إفريقي إنّ وفاة حكماء القوم احتراق مكتبة بأكملها. واليوم بوفاة سليم المحرزي احترقت في بلادنا مكتبة أخرى في ظرف وجيز"
وليد بن عمران
وليد بن عمران ناشط مدني

مقال رأي

 

كم هو قاسٍ شهر فيفري من سنة 2026..

لم تمرّ أيام معدودات على الوفاة الفجئية لشقيقي الأكبر، دكتور التاريخ القديم للبلاد التونسية والمدافع بشدّة عن تراث جزيرة جربة المادي واللامادي، يوم 11 فيفري/شباط 2026، رحمه الله، حتى صُدمتُ بوفاة الدكتور محمد سليم المحرزي، الصديق العزيز الذي باغتته المنية صباح السبت 21 فيفري. رحمه الله ورزق عائلته جميل الصبر والسلوان.

يقول مثل إفريقي إنّ وفاة حكماء القوم احتراق مكتبة بأكملها. واليوم احترقت في بلادنا مكتبة أخرى في ظرف وجيز. وكان لزامًا عليّ أن أكتب هذا النص شهادةً في حقّ سليم، ولكلّ المجهودات التي قام بها صلب الجامعة الوطنية للبلديات التونسية لتأسيسها على قيم الديمقراطية والمواطنة والتشاركية.

لن يخلو هذا النص من جوانب لم تُذكر، على حدّ علمي، بشأن تجربة الفقيد داخل الجامعة. سأحاول أن أستجمع الذكريات.

  • رئيس بلدية فريد من نوعه

كان أول لقاء لي بسليم، كما يحلو لي أن أناديه دون ألقاب من قبيل "السيد الرئيس" أو "الدكتور"، غداة انتخابات 6 ماي/أيار 2018، للحديث معه ومع أعضاء المجلس البلدي بالمرسى حول مشروع دمقرطة الجامعة الوطنية للمدن التونسية، حتى تكون حصنًا مدافعًا عن السلطة المحلية في شكلها البلدي، وتترجم قيم الباب السابع من الدستور إلى ممارسات تخدم المواطنات والمواطنين.

لم يكن من السهل على طبيب أطفال متعوّد على التشخيص السريع والتدخّل لإنقاذ الرضّع والأطفال، أن يدير الزمن البطيء لأهل السياسة، ومع ذلك، كان دائمًا ما يتعامل بروح الرياضي الذي يسكنه وهو الذي مارس بشغف الكرة الطائرة مع جمعية مستقبل المرسى ومع المنتخب الوطني

كان رهان الإقناع صعبًا نظرًا للصورة القاتمة للجامعة، الملوّنة بإرث الحزب الواحد والنظام الواحد. أجلسنا سليم في قاعة مكتب صغير، وسرعان ما شدّني أسلوب حديثه الحماسي الذي لم يخلُ من لومٍ لمعاليم الانخراط المسلّطة على البلديات كالسيف، من قبل جامعة كانت تعمل في "المهموتة"، دون مراقبة أو مساءلة مالية من منخرطيها.

وأنت تستمع إليه وهو يتحدّث عن مدينة المرسى وعن التجربة التشاركية في اختيار قائمته الانتخابية وبرنامجها، تفهم الحافز الذي يسكن طبيب الأطفال الذي ترك عملًا طالما تألّق فيه ودرّ عليه الخير، ليخوض غمار الشأن العام المحلي، مواجهًا مشاكل متراكمة وانتظارات كثيرة، وربما لا متناهية.

 

كان سليم المحرزي شغوفًا بمدينته، ويرى فيها قدرة على أن تكون موحَّدة اجتماعيًا، تضمن الإدماج للفئات الهشّة، ويوحّدها الانتماء إلى المواطنة

 

كان شغوفًا بمدينته، ويرى فيها قدرة على أن تكون موحَّدة اجتماعيًا، تضمن الإدماج للفئات الهشّة، ويوحّدها الانتماء إلى المواطنة.

  • من رتابة الاستبداد إلى صخب الديمقراطية

تعمّقت علاقتي بسليم أثناء تنظيم المؤتمر الديمقراطي الأول للجامعة نهاية سنة 2018، الذي انعقدت أشغاله بالمهدية. تمّ اختيار سليم ليمثل ولاية تونس داخل "لجنة 24" (عدد الأعضاء الممثلين للولايات الأربع والعشرين)، وأسعفه السن ليكون رئيس اللجنة بعد تساوي الأصوات بينه وبين رئيس بلدية عقارب، فؤاد، إذ كان سليم أكبر سنًا.

كان على لجنة 24 صياغة قانون داخلي للجامعة يتناسق مع قانون الجمعيات وينسجم مع أهداف الباب السابع من الدستور، حتى تخرج من جلباب وزارة الداخلية (التي عادت إليه بمكر التاريخ)، وتطوي صفحة صورة "الصندوق الأسود" الذي ترأسه لعقود مقرّبون من رأس السلطة أو رؤساء بلدية تونس المنحدرون من أوساط اجتماعية معيّنة.

كان على سليم أن يُدخل إلى مؤسسة راكدة حداثة العصر بكل مخاطرها وجاذبيتها. تصفّحتُ أمس إحدى رسائله الإلكترونية، وكان يشير فيها إلى أنه دافع عن الجامعة بشراسة أمام محمد بوغلاب في برنامج تلفزيوني، وكأنه يقول: "سأتحمّل المسؤولية وأنا رئيس اللجنة، ولست هنا للتموقع".

  • روح الفريق أمام حراس المعبد

لم يكن من السهل على طبيب أطفال متعوّد على التشخيص السريع والتدخّل لإنقاذ الرضّع والأطفال، أن يدير الزمن البطيء لأهل السياسة، خاصة وأن لجنته انقسمت منذ البداية بين مستقلين ومنتمين إلى حركة النهضة. ومع ذلك، كان قريبًا من جميع أعضائها، وتعامل معهم بروح الفريق التي تسكن الرياضيين في الألعاب الجماعية، على غرار كرة الطائرة التي مارسها بشغف مع جمعية مستقبل المرسى ومع المنتخب الوطني.

على امتداد أشهر، نجح سليم في إخراج قانون داخلي يليق بجمعية ديمقراطية عصرية، قطعت مع الممارسات البالية التي كانت تمنح بلدية تونس رئاسة حصرية للجامعة، وأعادت النظر في حوكمة المؤسسة في سياق لامركزية ناشئة.

كان الاستماع لسليم المحرزي وهو يتحدّث عن مدينة المرسى وعن التجربة التشاركية في اختيار قائمته الانتخابية وبرنامجها، يُظهر الحافز الذي يسكن طبيب الأطفال الذي خاض غمار الشأن العام المحلي، مواجهًا مشاكل متراكمة وانتظارات كثيرة

لم يكن من السهل مناقشة مسائل التمثيلية في ظل هيمنة قديمة للمدن الكبرى، مقابل مطلبية متصاعدة لبلديات محدثة بلغ عددها 86. اقترح سليم أن تُنسب الجامعة إلى بلدياتها لا إلى مدنها، مستلهمًا نموذج "الكمونات" (communes)، حتى تحمل في تسميتها روح الثورة التونسية التي انطلقت من الهامش نحو المركز. فأصبحت FNCT بعد أن كانت FNVT.

مارس سليم حقوقه الدستورية ولم يكن ممن تمعّشوا من الدستور لنيل الجوائز، ثم نقضوا غزلهم من بعد قوة أنكاثًا. تشابك مع "حراس المعبد" الذين أرادوا الحفاظ على امتيازات الحكم الفردي في سياق انتقال ديمقراطي هشّ.

كانت لجنة 24 فرصة مارس فيها مواطنته دون تمييز، مع إقرار بالحيف الذي تعيشه بلديات عديدة بسبب سوء حظها الجغرافي وسياسات عمومية تمجّد منوالًا تنمويًا غير عادل. فتح بلدية المرسى للتعاون البيني بين البلديات، وكان كلما شاكسناه بشأن صفة "الإمارة" التي تُلصق بالمرسى، يستشيط غضبًا، لأن الواقع كان مغايرًا للصورة النمطية.

كان ميّالًا إلى النقاش الصاخب، لا يرى في الهويات المحلية تهديدًا للهوية الوطنية الجامعة، بل تجسيدًا لمواطنة تُوحّدنا حول قيم الديمقراطية والمساواة.

"Attends, je t’explique…"

كانت عبارته المتكرّرة كلما احتدّ النقاش. كنت أكرّرها أمامه مقلّدًا صوته الجهوري، فيبتسم ضاحكًا ويقول: "راهو جدّي عندو زاوية في جربة".

هذه المرة سيطول انتظار تفسيرك يا صديقي سليم…

وفي حضرة الغياب، أقول: رحمك الله رحمة واسعة، وأسكنك فراديس جنانه.

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

الكلمات المفتاحية

حقوق حريات حزب المسار شبكة الحقوق

سؤال "ما البديل؟".. بين التّعجيز والعجز

لم يعد السّؤال عن البديل مجرّد ترف فكريّ.. والأهمّ من ذلك، أنه لم يعد من المُحرّمات في الشّارع التّونسيّ. ولعلّ الإجابة تستوجب، إعادة صياغة السّؤال ذاتِه، من "ما البديل؟" إلى "كيف نبني هذا البديل؟"


جحيم السّجون

جحيم السّجون في تونس

من التّهم الموجّهة من أنصار الرئيس سعيّد، لكلّ من يُثير مسألة الوفيّات الأخيرة، هي عدم حيازة تقرير طبّيّ يُؤكّد الحرّ سببًا للوفاة، والحال أنّه على الدّولة أن تُقدِم على تلك الإجراءات، من باب الشّفافيّة


حين يتحوّل التشخيص نفسه إلى "أمر غير طبيعي"

حين يتحوّل التشخيص نفسه إلى "أمر غير طبيعي"

طارق الكحلاوي: السلطة، حين تتعامل مع كل عطب خدماتي بوصفه اعتداءً خارجيًا أو تخريبًا داخليًا منظمًا، تحرم نفسها من الأداة الوحيدة التي تمكّنها من حل المشكلة فعليًا أي التشخيص الموضوعي


مدرسة القايدي.jpg

المدرسة التونسية ومدى اشتباكها بالثقافي

كل التصورات الإصلاحية للتعليم والبدائل التي قدمت طيلة السنوات الفارطة والتي بقيت مجرد محاولات لا غير.. أغفلت عنوانًا كبيرًا ومهمًا.. هو "الثقافي في الوسط المدرسي"

شركة استغلال وتوزيع المياه
مجتمع

خبير بيئي: 62% من شبكة "الصوناد" قديمة ومهترئة

قال الخبير الدُّولي في البيئة والتّنمية المُستدامة، محمّد عادل الهنتاتي، إن "نحو 62% من شبكة توزيع مياه الشرب التابعة لـ..

طقس تونس Pexels
منوعات

طقس تونس.. أجواء صافية إلى قليلة السحب والحرارة مستقرة

معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تتراوح بين 30 و39 درجة والبحر قليل الاضطراب


طقس
منوعات

طقس تونس.. درجات الحرارة مستقرة والبحر قليل الاضطراب

معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تتراوح بين 30 و39 درجة والبحر قليل الاضطراب

النادي الإفريقي ينفرد بصدارة البطولة بعد تعثر الترجي
منوعات

كؤوس الأندية الإفريقية.. الإفريقي يضع قدمًا في الدور المقبل والصفاقسي ينهزم في نيجيريا

فاز فريق النادي الإفريقي اليوم على ضيفه دجوليبا المالي بنتيجة..

الأكثر قراءة

1
مجتمع

مرصد حقوقي: وفاة 22 سجينًا داخل السجون التونسية خلال جويلية وأوت 2026


2
منوعات

اقتراب منخفض جوي من الأجواء التونسية.. تقلبات وأمطار متوقعة


3
سیاسة

تونس تتضامن مع دول الخليج والأردن والعراق في مواجهة الاعتداءات على سيادتها


4
منوعات

لؤي بن فرحات يختار تمثيل ألمانيا عوضًا عن تونس


5
مجتمع

إطلاق دفتر متابعة الأطفال حاملي متلازمة داون لأول مرة في تونس