ultracheck
رأي

سؤال "ما البديل؟".. بين التّعجيز والعجز

7 سبتمبر 2026
حقوق حريات حزب المسار شبكة الحقوق
"لم يعد السّؤال عن البديل مجرّد ترف فكريّ.. والأهمّ من ذلك، أنه لم يعد من المُحرّمات في الشّارع التّونسيّ. " (صورة أرشيفية)
بسام بونني
بسام بونني صحفي وكاتب تونسي

مقال رأي

 

لم تشهد تونس، منذ استقلالها، أزمة مركّبة بالحدّة والكثافة الّتي تشهدها حاليًا، بشكل أصبح عدد لا يُستهان به من التّونسيّين يرون أنّ الوضع الحالي لم يعد قابلًا للاستمرار، يُعبّرون عن ذلك بطرق شتّى، لعلّ أقلّها جلبًا للاهتمام – على أهمّيتها – توجّهات الرّأي العامّ نحو النّيّة للهجرة – 46 بالمائة، بالمُجمَل، وتقفز إلى 71 بالمائة بين الشّباب ما بين 18 عامًا و29 عامًا، حسب آخر موجة للباروميتر العربيّ -.

لم تعد التّبريرات الرّسميّة الدّائرة أساسًا حول تهمة "التّآمر" مقنعة، خاصّة حين تعلّقت الأزمة بحاجيات حيويّة، كالماء والكهرباء والدّواء. لكن، لا تحظى طروحات المعارضة - بشتّى تعبيراتها - بدورها، بقَبول شعبيٍّ واسع. فالتّظاهرات لا تعرف زَخمًا كبيرًا رغم انتظامها، إذ لا يتجاوز عدد المشاركين فيها 3 آلاف متظاهر في أحسن الأحوال، ناهيك عن اقتصار معظمها على المطلبيّة الحقوقيّة – في علاقة بالمعتقلين السّياسيّين -، على أهمّيتها، بينما باتت المبادرات – سواء من أجل التّغيير أو الضّغط من أجل حصول انفراجة – شحيحة.

حتّى إعلان الاتّحاد العامّ التّونسيّ للشّغل والرّابطة التّونسيّة للدّفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الوطنيّة للمحامين بتونس إطلاق تنسيقيّة لمواجهة أزمات البلاد لم يُقابَل بتجاوبٍ كبير، خاصّة بعد تصريح مساعد أمين عامّ الاتّحاد، عثمان الجلّولي، بأنّ الإطار الجديد سيبقى بعيدًا عن الأحزاب السّياسيّة.

لم تشهد تونس، منذ استقلالها، أزمة مركّبة بالحدّة والكثافة الّتي تشهدها حاليًا، بشكل أصبح عدد لا يُستهان به من التّونسيّين يرون أنّ الوضع الحالي لم يعد قابلًا للاستمرار

في هذا السّياق المتّسم بالغموض، من جهة، والرّداءة، من جهة أخرى، أصبح سؤال "ما البديل؟" بديهيًّا، بيد أنّ مجرّد طرحه تحوّل سريعًا إلى مصدر إضافيّ للاستقطاب. فمن جهة، يستعمله البعض للتّعجيز بهدف إغلاق باب النّقاش، مع افتراض غياب البديل كمبرّر لاستمرار الوضع القائم مهما كان مأزومًا. ومن جهة أخرى، يطرحه آخرون بصدق، كتعبيرِ عن عجزهم أمام تراكم الأزمات وعن خوفهم من مستقبل غامضٍ لا يلوح فيه أفق واضح للخروج من الانسداد الحالي.

الفريق الأوّل لا يزال غارقًا في إنكاره بشاعة الوضع الّذي بلغته تونس، أمّا الفريق الثّاني فانتهى إلى أنّ تجربة الخامس والعشرين من جويلة/يوليو 2021 – بوعودها والآمال الّتي علّقها عليها كثير من التّونسيّين، قبل فشلها الذّريع في إدارة شؤون البلاد - قد بلغت حدودها.

وجاءت أزمة الحرّ الأخيرة وما رافقها من فشل الدّولة في توفير أبسط حاجات مواطنيها لتُرسّخ هاته المعادلة، إذ تواصلت حالة الإنكار، مقابل ارتفاع منسوب الغضب الشّعبيّ، الّذي تجسّد في عدد من التّحرّكات الشّعبيّة المطالبة بالماء والكهرباء.

اجتازت سلطة الأمر الواقع هذه العَقَبة. ومع ذلك، فإنّ الخوف من المستقبل والمجهول يظلّ العاملَ الأكثر تأثيرًا في المزاج العامّ. تُعوّل المنظومة الحاكمة على التردّد الشّعبيّ – النّابع من حالة قلق جماعيّ - في المطالبة بالتّغيير خوفًا من الفراغ أو من سيناريوهات الفوضى، إذ تؤكّد معظم المؤشّرات المادّيّة وخاصّة اللّامادّيّة على أنّ أغلبيّة التّونسيّين مازالوا يُفضّلون تحمّل الأزمات على خوض مغامرة مجهولة العواقب.

وهنا يُوَظَّف سؤال "ما البديل؟"، كسلاحٍ نفسيٍّ يُجمّد الإرادة الشّعبيّة ويكرّس الاستسلام والخضوع لواقع شديد الخطورة. فتراجع الثّقة في المَجمَع السّياسيّ لا تقتصر على مؤسّسات الدّولة، بل تمتدّ إلى الأحزاب السّياسيّة وحتّى لمنظّمات المجتمع المدنيّ والإعلام – بصفتها أفرعًا للسّلطة -.

في هذا السّياق المتّسم بالغموض والرّداءة، أصبح سؤال "ما البديل؟" بديهيًّا، بيد أنّ مجرّد طرحه تحوّل سريعًا إلى مصدر إضافيّ للاستقطاب. فيستعمله البعض للتّعجيز بهدف إغلاق باب النّقاش، فيما يطرحه آخرون كتعبيرِ عن عجزهم 

وبعد نحو عامين من انقلاب الرّئيس، قيس سعيّد، على السّلطة، أشارت موجة استطلاع للباروميتر العربيّ أنّ 8 من كلّ 10 تونسيّين شدّدوا على أنّه "رغم مشاكل الدّيموقراطيّة، فهي لا تزال نظامهم السّياسيّ المفضّل"، فيما ربط 7 من كلّ 10 تونسيّين بين الدّيمقراطية والنّتائج الاقتصاديّة الهزيلة وانعدام الاستقرار وعدم الحسم وهو ما ميّز بالفعل عشريّة 2011-2021، فالاستياء من فشل الحكومات المتعاقبة في معالجة الأزمة الاقتصاديّة واحتواء جائحة كورونا بشكل فعّال وتقديم خدمات أساسيّة جيّدة والقضاء على الفساد هي الأرضيّة الصّلبة التّي وقف عليها سعيّد، في صائفة 2021.

وفشلت القوى الرّافضة للانقلاب في قراءة المشهد، لأسباب عدّة من بينها استنزافها بالملاحقات القضائيّة والتّضييقات. فباستثناء عدد محتشم من الفاعلين الّذين بادروا بنقد ذاتيّ شجاع، مثل القياديّين السّابقين بحزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة، عماد الدّائمي وعدنان منصر، والقياديّ السّابق بحزب نداء تونس، محسن مرزوق، - جاء في شكل كُتبٍ هامّة تبقى قابلة للنّقاش، بل وحتّى التّدقيق والتّمحيص بشكل علميٍّ صارم -، لم ير آخرون بُدًّا من التّراجع ولو خطوة إلى الوراء ليطرحوا على أنفسهم سؤالًا لا يقلّ أهمّيّة عن سؤال "ما البديل؟"، وهو سؤال "لماذا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟" وقد فتح المعتقَل السّياسيّ، المحامي والنّاشط الحقوقيّ العيّاشي الهمّامي، مكتبه، بالفعل، بعد أن خطّط لوثيقة جامعة لجرد شامل يبحث أجوبة عن ذلك السّؤال، إلّا أنّ مبادرته وُلدت ميّتة لسوء تقدير معظم من دعاهم للمشاركة.

وليس خافيًا على أحد أنّ سلطة الأمر الواقع لا تزال تستثمر في كلّ ذلك التّردّد من قوى الرّفض التّي مزّقتها الانقسامات والنّرجسيّات، ناهيك عن تململ قطاع واسع من الرّأي العامّ حيالها، مُشتّتًا، في ذلك بين ما تأكّد من وقائع بشأن الأحزاب وقادتها وبين ما استهلكه من قراءات مؤامراتيّة وإشاعات وقصص من نسج الخيال.

لم يعد السّؤال عن البديل مجرّد ترف فكريّ.. والأهمّ من ذلك، أنه لم يعد من المُحرّمات في الشّارع التّونسيّ. ولعلّ الإجابة تستوجب، إعادة صياغة السّؤال ذاتِه، من "ما البديل؟" إلى "كيف نبني هذا البديل؟" 

وبالرّغم من كلّ ذلك، لم يعد السّؤال عن البديل مجرّد ترف فكريّ أو محلّ جدل نظريّ. والأهمّ من ذلك، ومهما كان شكل توظيفه – سواء من باب التّعجيز أو كتعبير عن العجز -، فإنّه لم يعد من المُحرّمات في الشّارع التّونسيّ. ولعلّ الإجابة تستوجب، في هذا التّوقيت بالذّات، إعادة صياغة السّؤال ذاتِه، من "ما البديل؟" إلى "كيف نبني هذا البديل؟" فإخراج السّؤال من الجمود إلى الفعل من شأنه أن يفتح الباب أمام الخروج من الأزمة، على الأقلّ من بوّابة النّقاش كإقرار أوّليّ – وضروريّ – بوجود أزمة خطيرة في البلاد.

فالبديل لا يُقدَّم جاهزًا، بل يُشكَّل شيئًا فشيئًا بالإجابة على أسئلة فرعيّة بشأن القضايا الوطنيّة الكبرى، من قبيل: كيف نواجه البطالة؟ كيف نعيد الثّقة في الاقتصاد؟ كيف نوفّر الماء والكهرباء والدّواء؟ كيف نُحسّن الخدمات الأساسيّة؟ كيف ننهض بالتّعليم؟ كيف نُصلح مُدوّنتنا القانونيّة والحقوقيّة؟ كيف نتعامل مع الأزمات الإقليميّة والدّوليّة؟ وقبل ذلك، كيف نعود إلى الوراء، إلى ما قبل العودة للقمع؟

الإجابة، على العموم، لن تكون باقتراح اسم أو حزب. الإجابة هي مشروع وطنيّ يعيد الاعتبار لمؤسّسات الدّولة ويضع المواطن في قلب المعادلة. من دون ذلك، ستظلّ السّجون ملأى والحقوق مهدورةً والأزمات متراكمةً، فيما يظلّ الشّعب أسير سؤال يقيّده بدل أن يحرّره، مقابل تراكم المزيد من الأزمات.

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت" 

الكلمات المفتاحية

حرية التعبير حرية الصحافة المرسوم 54.jpg

10 ملاحظات حول تنقيح المرسوم 54.. وميض خافت لا يبدّد الظلام

"إن تنقيح المرسوم على محدوديته.. هو إقرار من السلطة السياسية صاحبة المرسوم أي رئيس الجمهورية بخطيئة إصداره بالصيغة الأصلية عام 2022، وما سبّبته من محاكمات وعقوبات سجنية شملت عديد التونسيين"


المرسوم 54 الشاذلي بن إبراهيم  Getty NurPhoto

المرسوم 54 ليس أصل الدّاء

بالعقيدة الزّجريّة ذاتِها، لنظام زين العابدين بن عليّ بادر الرّئيس، قيس سعيّد، في خريف عام 2022، بإصدار المرسوم 54.. وسرعان ما تحوّل هذا النّصّ إلى سيف مسلّط على رقاب كلّ نَفَسٍ نقديٍّ في البلاد


شرف هذا الطفل التونسي السجن من أجل فلسطين

شرف هذا الطفل التونسي السجن من أجل فلسطين

تلفيق التهم بتعلّة الفساد المالي وسوء التصرف في التبرعات، فهذا النوع من التهم قد يصدق في مسائل الشأن العام الداخلي والمحلي، لكنه لا يصلح في التعامل مع موجات التطوع والتبرع بالدم والمال لأجل فلسطين


شارع الحبيب بورقيبة LIONEL BONAVENTURE AFP.jpg

السلطة في مواجهة نفسها.. تحديات العام السياسي القادم في تونس

يربط خيط واحد بين هذه النقاط، ويكشف أن السلطة، في كل واحدة منها، تصنع بيدها الأسباب التي تُضعفها. فلا يوجد خصم يمنعها من حل أزمة الكهرباء، ولا مؤامرة تفرض عليها ملاحقة مناضلي الأسطول ومسانديهم..

طقس تونس.. أمطار متفرقة مع استقرار في درجات الحرارة
منوعات

طقس تونس.. سحب كثيفة مع أمطار وانخفاض في درجات الحرارة

معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تشهد انخفاضًا نسبيًا، وتصل أقصاها إلى 31 درجة بأقصى الجنوب

مطر طقس غيتي.jpg
منوعات

معهد الرصد الجوي يكشف الولايات المعنيّة بنزول أمطار غزيرة يوم الجمعة

معهد الرصد الجوي: يتواصل نزول أمطار متفرقة ومؤقتًا رعدية يوم الغد السبت 10 أكتوبر 2026 بالمناطق الساحلية الشمالية


إلزامية تقديم بطاقة عدد 3 عند طلب تأشيرات عمل جديدة للتونسيين بالإمارات
سیاسة

الإمارات تفرض البطاقة عدد 3 على التونسيين الراغبين في العمل بها

بالنسبة إلى المواطنين التونسيين الموجودين بدولة الإمارات بتأشيرات زيارة، الذين تحصلوا على فرص عمل ويرغبون في تسوية وضعياتهم القانونية واستكمال إجراءات الحصول على تأشيرات عمل، أفادت القنصلية بأنهم يتمتعون بمهلة قدرها 45 يومًا من تاريخ دخول القرار حيز التنفيذ.

طقس مطر غيتي_0.jpg
منوعات

طقس تونس.. الحرارة في انخفاض ملحوظ مع أمطار غزيرة بعدد من الجهات

معهد الرصد الجوي: الريح تكون قوية نسبيًا فتدريجيًا قوية قرب السواحل الشرقية وبالجنوب حيث تثير محليًا الرمال والأتربة وضعيفة فمعتدلة ببقية الجهات

الأكثر قراءة

1
منوعات

جوائز "إندا العالم العربي".. تتويج 3 مبادرات بيئية تونسية


2
سیاسة

حزب تونسي يستنكر ما رافق محاكمة رياض بن فضل ويطالب بالإفراج الفوري عنه


3
مجتمع

الكراء المملك في تونس.. كل ما يجب أن تعرفه لاقتناء مسكن


4
منوعات

البطولة التونسية..الترجي يتألّق بثلاثية والإفريقي والصفاقسي يتعرضان للهزيمة


5
مجتمع

وقفة احتجاجية رابعة أمام وزارة التربية.. متظلّمو مناظرة "الكاباس" يوضحون مطالبهم لـ"الترا تونس"