ultracheck
ثقافة وفنون

رواية "قبو الحفصية" لمحمد أمين بن هلال.. سرد شجاع يرسم الألم بلغة سينمائية

13 مايو 2026
رواية قبو الحفصية لمحمد أمين بن هلال
رواية "قبو الحفصية" الصادرة مؤخرًا للكاتب الصحفي محمد أمين بن هلال قُدّت من فكرة "الألم".. (تصميم الترا تونس)
رمزي العياري
رمزي العياري صحفي من تونس

الألم يحيط بنا كحتمية، كضرورة وجود، كملكوت غامض يحاصرنا ويتربص بنا، بل هو يرغب في سكنانا إلى الأبد ليكسر فينا القنديل الزاهر ذي الشعلة النقية التي نستدل بها على "الطريق"، لننجو من الحياة وننشد الأبدية السعيدة، وكما يقول الروائي نجيب محفوظ فإن الطريق طرق وطرقات ورحلة صعود شاقة وإرادة صلبة من صخر، لكن الألم الذي يداهمنا من جهات غير متوقعة ونخوض معاركه عن جدارة يعمق تجربتنا الإنسانية ويستنبت لنا أجنحة بريش قوي فنحلّق من جديد بعتو وصمود ونخاتل العزلة التي يريد أن يدفعنا "الألم" إلى أتونها.

واستنبات الأجنحة بعد الألم تدبر عظيم يتطلب تضحية ومقدرة وفيضًا عاطفيًا عارمًا ومهارات إنسانية كبيرة، وقفزًا بقصبة خشب الزان فوق دخان المعارك الطاحنة التي نخوضها أحيانًا "فنكون أول القتلى وآخر من يموت"، أما الاستكانة للهزيمة فإنها موت قبل الموت. 

وهنا يتسنى لنا القول إن "الكتابة الابداعية" هي واحدة من المهارات والقفزات التي بها نواجه مخلفات الألم وندوبه الغائرة لننجو بأنفسنا، فتحويل "الألم" إلى سرد قصصي أو روائي أو حكائي هو أهم فعل أتاه الإنسان على مرّ تاريخه الثقافي، فالكتابة نجاة من الحياة نفسها أثناء وبعد.

رواية "قبو الحفصية" الصادرة مؤخرًا للكاتب الصحفي محمد أمين بن هلال قُدّت من فكرة "الألم".. الرواية تحفر عميقًا في الجانب النفسي وخاصة علاقة الإنسان بالذاكرة

أما ما حدا بنا لهذه الزاوية فهو متن رواية "قبو الحفصية" الصادرة منذ أيام قليلة للكاتب الصحفي محمد أمين بن هلال عن واحدة من أهم وأعرق دور النشر التونسية وهي "دار سيراس للنشر".

"قبو الحفصية" تقف على جغرافيا تربتها الخصبة وأشجارها الباسقة وأوديتها قُدّت من فكرة "ألم": معالمها، وأزمنتها، وشخوصها، ولغتها، وشوارعها، وحركتها، وحكمتها، ومعمارها. كل شيء فيها علامة سيميائية دالة على نُدب في الروح وفي الجسد حيث يقف الأبطال عزّل، في عراء الحياة يبحثون لهم عن سند ما، عن ملجأ قصي، عن سكينة في ذرى الجبال وقد يكون هذا السند قلبًا عطوفًا قادرًا على استيعاب البوح الحزين، أو ظل كلمة طيبة أو شعلة قنديل منير، يبحثون لهم عن السكينة بعد ضنى الطريق. لقد جمعهم الكاتب شتاتًا سواءً أكانوا حقيقيين أو هم من بنات الخيال وأنصفهم بالكتابة، وقدمهم للقارئ ضمن تمشٍ سردي مشوّق وآسر.

عتبة شعرية راقية وموحية للشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السياب (في المقهى المزدحم النائي في ذات مساء، وعيوني تنظر في تعب، في الوجوه، والأيدي، والأرجل واللهب، والساعة تزأر بالصخب..) وثمانية فصول قصيرة بعناوين وجيزة (غالب ـ سعيد وقمر ـ إيقاف ـ نونو ـ عودة ـ القبو ـ سائق التاكسي ـ عبير)، مع فصل أخير يتيم مستقل بذاته هي كل الهندسة السردية الداخلية التي حددها الكاتب ليبني الخيط الجمالي لروايته "قبو الحفصية".

اقرأ/ي أيضًا: شفيق الطارقي لـ"الترا تونس": التتويج بالكومار الذهبي 2025 يقرّب الرواية من القارئ


الرواية تحفر عميقًا في الجانب النفسي وخاصة علاقة الإنسان بالذاكرة سواءً ذاكرته هو أو ذاكرة الآخرين أو ذاكرة الأمكنة أو ذاكرة المدينة جمعاء. هذا الرصيد العالق من الذاكرات قد يحدد مسارات مستقبل الشخصيات التي قد تكون نحن في بعض النسخ، هي ذاكرات مكثفة قد تعطب الروح أحيانًا دون أن ننتبه لذلك فتحد من توثبها وامتشاقها إلى الأبد، فتورق بذور الحزن على الأديم ورد المحبطين، كما ترتب هذه الذاكرات سلوكات الأبطال، نحن ومدى عمقها على نحو غير متوقع. فنواصل الطريق حذرين، خائفين، مهتزين، نبحث لنا عن العزلة القصية فلا نرومها، حينها نموت تحت الشمس وتحوّم فوق جثثنا أكاسير الطيور.

كل شخصيات رواية "قبو الحفصية" هم أبطال من ورق وفي مقدمتهم "غالب"، شخصيات درامية، معطوبة، وقلقة، ومشدودة كسهم في قوس القدر، هم كائنات أخف من الريش تتقاذفهم رياح الهشاشة ولا يعلمون. وقد تكون هذه الشخصيات حقيقية في مكان ما وفي زمان ما "فكل شيء حدث وكل شيء يصلح للكاتب" على حد عبارة الكاتب الكولمبي غابريال غارسيا ماركيز "فليس هناك أغرب من الواقع". فهل كان الكاتب يعلم بذلك؟ هل صادف تلك الشخصيات وجلس إليها؟ أم أن الراوي هو من صنع كل شيء؟     

رواية "قبو الحفصية"، هي نص سردي شجاع توخى رسم بورتريهات حزينة ومألومة.. اعتمد فيها الكاتل محمد أمين بن هلال على الوصف البسيط "السهل الممتنع"، البعيد عن التكلف البلاغي واللغوي تمامًا 

لم يكن الكاتب محمد أمين بن هلال ليكتب هذا الدفق من الألم، ويقدم هذه الشخصيات المركبة لو لا الامتحان الذي عاشه في السنوات الأخيرة والتقاطع الذي حصل مع رغبته الدفينة في الكتابة الإبداعية، فنحن لم ننس بعد محاولاته الشعرية وهو بعد في البدايات الصحفية. لقد كان مسكونًا بالكتابة وها قد تجلت المكاشفات في روايته هذه.

"قبو الحفصية"، نص سردي شجاع توخى رسم بورتريهات حزينة ومألومة على غرار تلك التي يرسمها الرسام الأميركي "وليام أوترمولن"، لكن ألوان محمد أمين بن هلال لم تكن بفرشاة مغمّسة في الزيت أو الأكريليك، بل اعتمدت على الوصف البسيط "السهل الممتنع"، البعيد عن التكلف البلاغي واللغوي تمامًا كوصف أجداده من السرّاد: علي الدوعاجي، والبشير خريف.

تأتي الجملة محملة بمعانيها كزهرة في مرج فسيح تقول حكمتها وتمر آخذة برقاب بعضها البعض إلى فصل آخر: "تعلمنا الصمت من الماء" (ص27)، "كأن هذه الأجساد لا تكفيها لغتها"، "قمر لم تأت. المطر كان كافيًا، الغياب كان كافيًا" (ص43).

اقرأ/ي أيضًا: حوار| صحبي كرعاني: "دفاتر الجيلاني ولد حمد" رواية لصون ذكرى المكان من الاندثار

الشخصيات/الأشباح التي استعادها الراوي من غياهب أزمنة لا نعرف خطيتها بدقة، لكننا نستدل عليها حدسيًا وسيميائيًا ببعض العلامات: قاعة الملاكمة، قبو القاعة/حي الحفصية بمدينة تونس العتيقة/الكنيسة القديمة/الحارة/شوارع العاصمة تونس. تروي قصصها وحضورها العاطفي وهول أحزانها وكبواتها بفائق الشعرية: "سعيد أحب في نونو عقلها وطريقتها في الكلام، تلك السهولة التي تجعل الأمور العسيرة قريبة. أحب ضحكتها أيضًا وقبلاتها وحتى اندفاعها الذي لا يخلو من جنون (..) صورة قمر، لا صورة مكتملة، بل إحساس بالحركة وبذلك الرنين المعدني الخفيف الذي كان يسبقها أو يتبعها. شعر أن ما يحبه هنا لا ينفصل عمّا يحبه هناك، وأن هذا الصوت على خفّته لا يتركه يمضي." (ص 71).

هذه الشعرية من الخيوط الرفيقة للرواية، بل هي من عناصر الجاذبية فيها خاصة في لحظات انكسار الشخصيات أمام "الحب" تلك الفضيلة الجامعة بين البشر. وبن هلال لم يتكلف هذه القيمة في روايته، بل كان حضورها الطاغي طبيعيًا وشرعيًا حتى يتحرك راوي "قبو الحفصية" بين الأزمنة بأريحية.

رواية محمد أمين بن هلال تتمتع بانسيابية سردية مخصوصة ولذيذة على حد عبارة "رولان بارط" وهي انسيابية نجدها دائمًا في السينما على اعتبار أن هذا الفن هو كتابة إبداعية بالكاميرا، ويبدو أن الكاتب قد توخى هذه التقنية من فرط انشغاله بالسينما: متابعة وكتابة نقدية حولها وقربًا لعالمها وصناعها سواء مخرجين أو ممثلين أو تقنيين. فهذا الرصيد من المعارف والإطلالات علة مدارات السينما نجد له صدًى واضحًا في رواية "قبو الحفصية"، على مستوى بناء الشخصيات والأحداث والأزمنة والتركيز على "الفلاش باك"، والتقطيع وإعادة التركيب.

رواية "قبو الحفصية" الصادرة مؤخرًا لصاحبها الكاتب والصحفي محمد أمين بن هلال هي عتبة لمشروع إبداعي في الكتابة السردية، نجح من خلالها الكاتب في تخير شخصياته وما أحيط بها من قصص إنسانية وبنائها دراميًا بأسلوب سينمائي آسر

ولتأكيد التشبه بعالم السينما في هذه الرواية، نجد تلك الصور الفونتازمية أو السوريالية التي تطالعنا في بعض الفصول والتي تتطلب خياليًا مكثفًا حتى نحسن رسمها. ومن تجول في عوالم لوحات الرسام الإسباني "سلفادور دالي" يتسنى له تركيب الصور السينمائية التي أرادها صاحب "قبو الحفصية".

إن كل عمل أدبي يقف على فكرة أسّ يروم لها الخلود والبقاء، ورواية "قبو الحفصية" لمحمد أمين بن هلال تقدّم الألم (نفسي أو جسدي، فردي أو جماعي..) وتبحث في أسبابه (مرضية، سياسية، أيديولوجية، اقتصادية..) وترفع راية إنصاف الإنسان من الظلم، بل من المظالم (العدالة الشريدة) وهو ما يشير إليه بوضوح في الفصل الثامن أثناء سرد قصة "عبير" التي يقول لسانها أثناء حواراتها: "ألا يمكن لأحد أن يقف في وجه الظلم؟".

رواية "قبو الحفصية" الصادرة مؤخرًا عن "سيراس للنشر" لصاحبها الكاتب والصحفي محمد أمين بن هلال هي عتبة لمشروع إبداعي في الكتابة السردية، نجح من خلالها الكاتب في تخير شخصياته وما أحيط بها من قصص إنسانية وبنائها دراميًا بأسلوب سينمائي آسر.   

الكلمات المفتاحية

مسلسل المطبعة تونس رمضان 2026.

مسلسل المطبعة.. "الفشل" الناجح

يقوم مسلسل "المطبعة" الذي بث خلال شهر رمضان 2026 في جانب منه أو أغلبه على ثيمة الفشل.. فلا يكاد يخلو مشهد في المسلسل من شخصيات مجبولة، أو تكاد، على الفشل


فلسطين 36 فتحي بلعيد أ ف ب    Getty

فلسطين 36.. فيلم مضاد للزهايمر السياسي

يعرض فيلم "فلسطين 36" جذور المأساة الفلسطينية، ويكشف الدور الذي لعبته القوى الاستعمارية، وعلى رأسها بريطانيا، في صياغة واقع جيوسياسي خانق للفلسطينيين


دريسينغ روم.. سطور من التجاعيد تروي ذكريات النساء

"دريسينغ روم".. سطور من التجاعيد تروي ذكريات النساء

"دريسينغ روم" أو غرفة تبديل الملابس، هو عمل فني لا يتعلق بتغيير قطعة قماش تغطي جسدًا ما كما يبدو العنوان، بل يغوص نحو الأعمق، عن التغيير الجسدي الذي يحصل للمرأة عند وصولها لما يسمى "سن اليأس"


"كل حاجة حلوة" في دريم سيتي.. أن تصبح الطفلة طوق نجاة أمها

"كل حاجة حلوة" في دريم سيتي.. أن تصبح الطفلة طوق نجاة أمها

مسرحية "كل حاجة حلوة" وإن كانت من فئة الممثل الواحد، فقد شارك فيها الجمهور كله تقريبًا، ففريق العمل يوزع على الداخلين للفرجة، قصاصات كتبت عليها بعض الكلمات والجمل التي لا يفهم المغزى منها في البداية

هيثم المكي وإلياس الغربي بلعيد.jpg
مجتمع

منظمة تندد بالحكم ضد الصحفي هيثم المكي والمحامي عبد الناصر العويني

أعلن المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية عن متابعته ببالغ انشغال تواصل إصدار أحكام سالبة للحرية ضد..

نقابة الصحفيين التونسيين ندعو إلى تحرك وطني بالعاصمة والجهات أمام انتهاكات السلطة
میدیا

نقابة الصحفيين تطالب بمراجعة الحكم في حق الصحفيين حمزة البلومي وإنصاف البوغديري

كان قد صدر حكم عن محكمة الاستئناف بتونس يقضي غيابيًا بسجن حمزة البلومي وإنصاف البوغديري لمدة سنة لكل منهما، وبخطية مالية في حقهما، على خلفية الشكاية التي تقدم بها الرئيس الأسبق للجمهورية التونسية المنصف المرزوقي


حمزة البلومي
سیاسة

حكم بسنة سجنًا في حق حمزة البلومي والمنصف المرزوقي يعلّق.. ما القصة؟

علق الرئيس السابق، المنصف المرزوقي، على حكم السجن الصادر ضدّ عدد من الصحفيين بسبب فيديو..

ماذا يحدث بالسجن المدني بالمسعدين من ولاية سوسة؟
مجتمع

ما حقيقة اندلاع حريق بالسجن المدني بالمسعدين من ولاية سوسة؟

معطيات تؤكد أنّ سجينيْن بالسجن المدني بالمسعدين، تعرضا لتوّعك صحي استوجب نقلهما إلى المستشفى الجامعي فرحات حشاد، لتلقي الفحوصات اللازمة

الأكثر قراءة

1
مجتمع

اتحاد الشغل يعلّق على أزمة الانقطاعات المتكررة في التزويد بالماء والكهرباء في تونس


2
سیاسة

فوزي بن عبد الرحمان: منظومة حكم سعيّد بقتلها السياسة حكمت على نفسها بالعزلة التامة


3
سیاسة

وزير خارجية تونس يقدّم التعازي لأمير قطر في قصر لوسيل


4
منوعات

صبري اللموشي يكشف كواليس نهاية تجربته مع المنتخب التونسي


5
مجتمع

رفض مطلب الإفراج عن الناشط عبد الله السعيد وتأجيل القضية