ultracheck
مجتمع

رزق شحيح.. يوميات "البرباشة" في زمن أزمة المياه المعدنية

3 سبتمبر 2026
البرباشة في تونس
تُظهر هذه الأزمة المزدوجة كيف تتسرب الآثار الجانبية للتغيرات المناخية وأزمات السلع الأساسية إلى الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع (مريم الناصري/الترا تونس)
مريم الناصري
مريم الناصري صحفية من تونس

على أطراف الطرقات وأمام الحاويات الكبرى في جلّ المدن، كنا نلحظ تلك الحركة الدؤوب التي لا تتوقف في الظروف العادية. رجال ونساء وحتى أطفال يتنقلون منذ ساعات الصباح الأولى يجولون بحثًا عن قوتهم. هم "البرباشة"، جامعو القوارير البلاستيكية وإعادة التدوير الذين اتخذوا من نفايات المدينة مصدرًا للقمة العيش. لكن هذا المشهد اليوم أصابه شحٌّ غير مسبوق، أفرغ أكياسهم وجعل رحلتهم اليومية أشبه بالقبض على السراب، على خلفية أزمة العطش ونقص القوارير البلاستيكية نتيجة ندرة توزيع المياه المعدنية.

وتحت أشعة الشمس الحارقة، كان العم صالح يجرّ كيسه الكبير مستندًا على دراجته المتهالكة. يطوف بين حاويات الأزقة والشوارع، يجول بنظراته التي اعتادت مسح الركام بلمح البصر بحثًا عن البريق الشفاف المألوف لديه. لكنّه يصطدم اليوم بفراغ لم يعتده من قبل. القوارير البلاستيكية الفارغة التي كانت تملأ كيسه وتباع بالكيلوغرامات لتضمن له وعائلته قوت يومه البسيط أصبحت صيدًا نادرًا.

وتزامنًا مع السنوات الأخيرة التي شهدت فيها البلاد شحًا مائيًا وتراجعًا حادًا في مخزونات السدود، واجه الشارع التونسي اضطرابات متكررة في تزود المياه الصالحة للشرب. لكن شهدت هذه الصائفة أزمة مضاعفة بفقدان المياه المعدنية من السوق. وفي الوقت الذي تشغل فيه تلك الأزمة التجار والمواطنين، امتدت تبعاتها لتخنق شريان الحياة لأضعف حلقات سلسلة التدوير الموازي. ولم تعد القصة مجرّد رحلة بحث عن قارورة ماء يروي بها المواطن عطشه، بل غدت حكاية تعب مهدور لفئة هشة وجدت نفسها فجأة في مواجهة مباشرة مع شح الرزق. وفي نقطة التقاء غير متوقعة بين أزمة المياه المعيشية واقتصاد الهامش، وجد جامعو البلاستيك أنفسهم الضحية الأولى للغياب الأبرز للمادة التي طالما مثلت شريان حياتهم اليومي.

أزمة فقدان المياه المعدنية من السوق لم تعد مجرّد رحلة بحث عن قارورة ماء يروي بها المواطن عطشه، بل غدت حكاية تعب مهدور لفئة هشة وهم "البرباشة" الذين وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة مباشرة مع شح الرزق

قبل اندلاع الأزمة، كانت الحاويات القريبة من المقاهي والمطاعم والأحياء السكنية تشهد تدفقًا كبيرًا من القوارير البلاستيكية الفارغة. وكان العثور على مئات القوارير يوميًا أمرًا متاحًا، يوفر لجامعي البلاستيك في جل المدن والقرى وعلى كامل محافظات الجمهورية دخلاً أدنى يُغطي قُوت يومهم ومستلزمات عائلاتهم. فكانت القارورة البلاستيكية بمثابة "الذهب الشفاف" الذي يُوزن بالكيلوغرامات في مراكز التجميع نهاية كل نهار.

اقرأ/ي أيضًا: "البرباشة" في تونس.. نحو 8 آلاف امرأة يمارسن نشاط تجميع وفرز النفايات

أما اليوم، فقد تغيّر المشهد تمامًا. وتحولت رحلة البحث من جمع اعتيادي إلى مسحٍ شاقٍ ومضنٍ لعدة كيلومترات دون جدوى تُذكر. فنقص توزيع المياه المعدنية، وإعادة استخدام القوارير القليلة المتاحة لمرّات متكررة داخل البيوت نتيجة الانقطاعات المائية، أدّى إلى انحسار ما يُلقى في القمامة إلى مستويات قياسية.

  • أصوات تجر أكياسها الخاوية

يقف العم الطاهر (58 عامًا)، وهو يمسك بغربال خشبي وكيس مجعد نصف فارغ، يقول "في السابق، كنت أملأ ثلاثة أكياس كبيرة قبل منتصف النهار. كانت القوارير البلاستيكية تُلقى بالعشرات أمام العمارات والمقاهي والمطاعم. اليوم، أمشي من الفجر حتى المساء ولا أجمع حتى ربع كيس. الناس أصبحت تحتفظ بكل قارورة فارغة في بيوتها لملئها من الحنفية عند عودة المياه ليلًا. فيما أدى نقص المياه المعلبة إلى فقدان القوارير البلاستيكية من أغلب الشوارع، لقد جفّ الشارع بالنسبة لنا تمامًا كما جفت الحنفيات." مضيًفا "كنت أجمع في السابق قرابة 30 كيلوغراًما في اليوم أما اليوم أضطر إلى جمع ما أجده طيلة يومين من البحث حتى أستطيع بيعه فأغلب مجمعي البلاستيك لا يشترون منا إلا إذا جمعنا ما يتجاوز العشرين كيلوغرامًا من المادة البلاستيكية".

العم الطاهر (58 عامًا) لـ"الترا تونس": في السابق، كنت أملأ ثلاثة أكياس كبيرة قبل منتصف النهار. كانت القوارير البلاستيكية تُلقى بالعشرات.. اليوم، أمشي من الفجر حتى المساء ولا أجمع حتى ربع كيس.. لقد جفّ الشارع بالنسبة لنا تمامًا كما جفت الحنفيات

وفي سياق متصل، تُعبر الخالة مبروكة (47 عامًا)، وهي أم لثلاثة أطفال تعيلهم من جمع المواد القابلة للتدوير، عن حسرتها قائلة، "لم أكن أتخيل أنّ أزمة المياه في المغازات ستصل إلى طعام أطفالي. البلاستيك هو مورد رزقنا الوحيد، وعندما اختفت القوارير المعلبة من الأسواق، خف وزنه في أكياسنا وقل مدخولنا إلى النصف. صرنا ننافس بعضنا على القارورة الواحدة، وأحيانًا نعود بجيوب خاوية لا تكفي لشراء خُبز العشاء."

  • 8 آلاف امرأة تعملن في جمع تلك النفايات

سبق وكشفت نتائج دراسة ميدانية لـ"واقع النساء البرباشة في تونس الكبرى" سنة 2024، أنّ نحو 8 آلاف امرأة يمارسن نشاط تجميع وفرز النفايات أو ما يعرف بالبرباشة في تونس، و79 بالمائة منهن يتجاوز عمرهن الأربعين عامًا. وذلك استنادًا لتقديرات الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات الصلبة.

وكشفت هذه الدراسة الصادرة عن اتحاد المرأة التونسية أنّ 62 بالمائة من النساء "البرباشة" يمارسن هذا النشاط كامل الوقت، وأنّ جمع وفرز ورسكلة النفايات هو مورد الرزق الوحيد لقرابة 77 بالمائة منهن، فضلاً عن أنّ 39 بالمائة من النساء المستجوبات يمارسن هذا النشاط يوميًا لأكثر من 7 ساعات، ونحو 44 بالمائة منهن ينقلن ما يجمعنه على ظهورهن.

الخالة مبروكة (47 عامًا) لـ"الترا تونس": لم أكن أتخيل أنّ أزمة المياه في المغازات ستصل إلى طعام أطفالي. البلاستيك هو مورد رزقنا الوحيد، وعندما اختفت القوارير المعلبة من الأسواق، خف وزنه في أكياسنا وقل مدخولنا إلى النصف

من جهته كشف المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعي في دراسة أصدها سنة 2025 أنّ "ما يُصطلح على تسميتهم برباشة أي جامعو القمامة يعيشون على الهامش ولا يحظون بأيّ شكل من أشكال الاعتراف المؤسّساتي". ويُعدّ جامعو القمامة في المكبّات المراقبة، الحلقة الأساسية للعمل في قطاع فرز وتدوير النفايات، إذ يصل عدد ساعات العمل اليومي لديهم إلى 12 ساعة، وسط بيئة محاطة بكلّ أشكال التلوث ومخاطر السموم. وبحسب أرقام الدراسة، يشكّل الذكور "أكثر من 77 بالمائة من مجتمع البرباشة في تونس، وتتراوح أعمارهم ما بين 35 و49 عامًا، وأكثر من نصفهم لا يتعدى مستواه التعليمي المرحلة الابتدائية".

  • قسوة الهامش أمام التغير المناخي

تُظهر هذه الأزمة المزدوجة كيف تتسرب الآثار الجانبية للتغيرات المناخية وأزمات السلع الأساسية إلى الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع. فبينما يبحث المواطن العادي عن قارورة ماء ليروي عطشه، يخوض جامعو البلاستيك معركة أخرى لأجل تحصيل الكيلوغرامات القليلة التي تقيهم مرارة الفقر. فالقارورة الفارغة التي يراها المستهلك مجرّد نفايات، تشكل للبرباشة شريان حياة ومصدر القوت الوحيد.

ويظل هؤلاء العمال غير النظاميين يتنقلون خلال هذه الفترة بصمت بين الشوارع، ينتظرون انفراجة تُعيد الحركة إلى المصانع، ليعود نشاطهم من جديد في الشوارع كما تعودناهم.

الكلمات المفتاحية

حرائق تونس 2026

ما بعد الرماد.. قصص عائلات منكوبة وحياة معلقة على أطراف الجبال المحترقة

بسبب الحرائق التي نشبت في عدّة مناطق في تونس صائفة هذا العام تغيّر المشهد وتغيرت معها الحركة في تلك المناطق المحترقة، وبات السكان هناك يتحدّثون عما بعد الرماد


الملاسين اغتصاب قاصر

فاجعة اغتصاب قاصر بالملاسين.. صدمة واسعة في تونس ودعوات لمحاسبة المعتدين

خلّفت حادثة احتجاز قاصر واغتصابها في جهة الملاسين بضواحي العاصمة، وفق المعطيات الأولية، صدمة كبيرة في الشارع التونسي، ودعت عدة جهات حقوقية ومدنية إلى تطبيق القانون ومحاسبة المعتدين


المعطلين عن العمل تونس

أولياء يحتجون من أجل تشغيل أبنائهم.. حين يحمل الآباء مطالب جيل عاطل

الكاتب العام الجهوي لاتحاد أصحاب الشهادات المعطلين وسيم جدي لـ"الترا تونس": آمال المعطلين عن العمل معلّقة على القانون عدد 18


المبيت الجامعي

أول ليلة في المبيت الجامعي.. كيف يعيش الطلبة بداية تجربة جديدة؟

الإحصائيات الرسمية، مهما بلغت دقتها في إحصاء الأسرة والمبيتات ونسب الإيواء، تظل قاصرة عن قياس حجم التحولات النفسية والاجتماعية التي يعيشها الطلبة

طقس تونس.. أمطار متفرقة مع استقرار في درجات الحرارة
منوعات

طقس تونس.. سحب كثيفة مع أمطار وانخفاض في درجات الحرارة

معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تشهد انخفاضًا نسبيًا، وتصل أقصاها إلى 31 درجة بأقصى الجنوب

مطر طقس غيتي.jpg
منوعات

معهد الرصد الجوي يكشف الولايات المعنيّة بنزول أمطار غزيرة يوم الجمعة

معهد الرصد الجوي: يتواصل نزول أمطار متفرقة ومؤقتًا رعدية يوم الغد السبت 10 أكتوبر 2026 بالمناطق الساحلية الشمالية


إلزامية تقديم بطاقة عدد 3 عند طلب تأشيرات عمل جديدة للتونسيين بالإمارات
سیاسة

الإمارات تفرض البطاقة عدد 3 على التونسيين الراغبين في العمل بها

بالنسبة إلى المواطنين التونسيين الموجودين بدولة الإمارات بتأشيرات زيارة، الذين تحصلوا على فرص عمل ويرغبون في تسوية وضعياتهم القانونية واستكمال إجراءات الحصول على تأشيرات عمل، أفادت القنصلية بأنهم يتمتعون بمهلة قدرها 45 يومًا من تاريخ دخول القرار حيز التنفيذ.

طقس مطر غيتي_0.jpg
منوعات

طقس تونس.. الحرارة في انخفاض ملحوظ مع أمطار غزيرة بعدد من الجهات

معهد الرصد الجوي: الريح تكون قوية نسبيًا فتدريجيًا قوية قرب السواحل الشرقية وبالجنوب حيث تثير محليًا الرمال والأتربة وضعيفة فمعتدلة ببقية الجهات

الأكثر قراءة

1
منوعات

جوائز "إندا العالم العربي".. تتويج 3 مبادرات بيئية تونسية


2
سیاسة

حزب تونسي يستنكر ما رافق محاكمة رياض بن فضل ويطالب بالإفراج الفوري عنه


3
مجتمع

الكراء المملك في تونس.. كل ما يجب أن تعرفه لاقتناء مسكن


4
منوعات

البطولة التونسية..الترجي يتألّق بثلاثية والإفريقي والصفاقسي يتعرضان للهزيمة


5
مجتمع

وقفة احتجاجية رابعة أمام وزارة التربية.. متظلّمو مناظرة "الكاباس" يوضحون مطالبهم لـ"الترا تونس"