ذوو الاحتياجات الخاصة في الانتخابات البلدية.. حطب بلا دخان

ذوو الاحتياجات الخاصة في الانتخابات البلدية.. حطب بلا دخان

536 مشاهدة
هل باتوا مجرّد ورقة تجميلية للانتخابات؟ (ياسين القايدي/وكالة الأناضول)

ذوو الاحتياجات الخصوصية هم مكوّن من مكوّنات أي مجتمع، ويندرجون في إطار التنوّع الشرائحيّ داخله، وبحكم خصوصية وضعهم، يُتجه عادة نحو تعزيز دورهم في الحياة المجتمعية. ولكن من المألوف أيضًا أن يسعى أهل السياسة لاستغلال هذه الشريحة خاصة في المحطات الانتخابية قصد التأثير في الناس وابتزاز مشاعرهم.

يسعى ذوو الاحتياجات الخاصة إلى تعزيز دورهم في الحياة المجتمعية ولكن قد يرتبط ذلك بمحاولات استغلالهم في المحطات الانتخابية مثلًا

يصل في تونس عدد ذوي الاحتياجات الخصوصية، وفق معطيات وزارة الشؤون الاجتماعية، لنحو 300 ألف شخص يحملون بطاقة "ذو إعاقة"، بل ويرتفع هذا العدد إلى 900 ألف شخص وفق تقديرات المنظمات غير الحكومية المختصّة. ويرجع اختلاف التقديرات إلى الحاجز النفسي والمجتمعي الذي يجعل العائلة التونسية لا تزال تستحي من تقديم أحد أفرادها كذي إعاقة تجاه المجتمع الذي في غالبيته لا يتقبّل وجود حقوق وقوانين تحمي "ذي الإعاقة"، وليس أدل على ذلك من الجدل الذي رافق طلب عديد الجمعيات دسترة حقوق هذه الفئة إبان كتابة دستور الجمهورية الثانية وهو ما تمّ بموجب الفصل 48 الذي لا يزال النقاش محتدًا حوله وحول مدى تطبيقه. يُذكر أن تونس صادقت على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص "ذوي الإعاقة" منذ 2003.

اقرأ/ي أيضًا: جدل التغطية الإعلامية للحملة الانتخابية.. الإشهار السياسي هو الغاية؟

وإجمالاً، تغري الأرقام والمؤشرات السابق ذكرها السياسيين السّاعين لاستغلال ذوي الاحتياجات الخاصة في حملاتهم الانتخابية، وهو إغراء ربّما زاد رهانه بالنظر لما أورده الدستور وكذلك القانون الانتخابي الجديد بجعل هؤلاء رقمًا صعبًا في العمليّة الانتخابية، وتحديدًا حاليًا في الانتخابات البلدية. إذ يُلاحظ، في هذا الإطار، تهافت الأحزاب المترشحة والقائمات المستقلّة بهدف استقطابهم ضمن القائمات المترشحة خاصة بعد التحفيز المادي الذي أقره القانون الانتخابي للقائمة التي تدرج فردًا من ذوي الاحتياجات الخاصة ضمنها ويكون ترتيبه ضمن العشر الأوائل.

وإن يبدو هذا التهافت على ذوي الاحتياجات الخاصة محفزّا باتجاه تشريك هذه الفئة في إدارة الشأن العام، فهو في حقيقة الأمر قد لا يعكس قناعة من أهل السياسة، بل لا يعدو أن يكون إلا لعبة من ألاعيب السياسة، ونوعًا من التمويه يصبح بمقتضاه "ذو الإعاقة" ورقة تجميلية للمشهد الانتخابي لا غير.

إشراك ذوي الاحتياجات الخاصة... ممارسة إيجابية ولكن!

حمل "الترا تونس" التخوفات من أن يصبح ذوي الاحتياجات الخاصة مجرّد صورة شكلية لا غير في المعادلة الانتخابية إلى حسام علوي، وهو خبير في آليات الولوج والنّفاذ للأشخاص "ذوي الإعاقة" ومكوّن لدى الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات، وهو كذلك مختص دولي في لغة الإشارة، والذي أفادنا أن المنظّمة العالمية للصحة في تقاريرها ومؤشراتها تربط نسب ذوي الاحتياجات الخاصة بنسب الفقر لوجود مشترك بينهما، وأشار إلى تسجيلها نسبة 15 في المائة لـ"ذوي إعاقة" من إجمالي عدد سكان العالم، مؤكدًا أن نسبتهم في تونس تتجاوز 9 في المائة وفق أرقام غير رسمية.

نسبة ذوي الاحتياجات الخاصة في العالم هي 15 في المائة وفي تونس تبلغ نسبتهم 9 في المائة من إجمالي عدد السكان وفق أرقام غير رسمية

وأشار حسام علوي إلى أنه رغم ترسانة القوانين المحلية والدّولية التي تحميهم، فإن ثقافة الاختلاف والإيمان بدور هؤلاء "هي التي تنقصنا"، وهذا ما يتطلّب وفق تقديره "وعيًا مجتمعيًا وليس وعي نخبة أو جزء من المجتمع المدني على غرار الحاصل الآن".

وبخصوص حضور ذوي الاحتياجات الخاصة في العملية الانتخابية وعلى وجه التحديد مشاركتهم في الانتخابات البلدية، أفاد الخبير الدولي، في تصريحه لنا، أنّه من جملة 2074 قائمة مترشحة للانتخابات البلدية توجد 1713 قائمة تضمّ "ذوي إعاقة"، مع تسجيل 17 منهم كرؤساء قائمات، وهي أرقام "مهمّة" بتوصيفه. وقال محدّثنا إنه تقريبًا لأول مرة في تونس تشارك هذه الفئة بهذه الكثافة، مضيفًا بأن الحضور الفعلي لهذه الشريحة المجتمعيّة في الشأن العام يتطلب الكثير من الوقت والجهد. كما أكد أنه بقدر ما تتطلب ثقافة القبول بالآخر المختلف وعيًا، فهي تتطلب أيضًا ممارسة، مشيرًا إلى أن دخول غمار الانتخابات البلدية "هو نوع من الممارسة الإيجابية التي نتشوّف من خلالها المستقبل بالرغم من الخشية من بعض الهنات".

توجد 1713 قائمة تضمّ ذوي احتياجات خاصة مع تسجيل 17 منهم كرؤساء قائمات وهي أرقام مشجعة حسب بعض المختصين

وحول الحديث عن ابتزاز السياسيين لذوي الاحتياجات الخاصة، ذكر الخبير حسام علوي لـ"الترا تونس" أن المجتمع المدني المختص في الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة والمراقبين للانتخابات البلدية سجلوا تهافتًا من قبل الأحزاب والشخصيات المستقلة على هذه الفئة من المواطنين، وهو "تهافت بقدر قانونيته، فإنه لا يعكس في جوهره روح القانون وما يتطلّبه المجتمع التونسي في هذه اللحظة التاريخية" وذلك وفق تعبيره.

من جهته، أكد نائب رئيس منظمة "عتيد" بسام معطر أن منظمته المختصّة في الشأن الانتخابي قامت بدورات تكوينية وأخرى تحسيسية خلال الأشهر الفارطة حول مشاركة "ذوي الإعاقة"، قائلًا إن "ديمقراطيتنا الناشئة معرّضة لإشكاليات في ملف تشريك هذه الفئة"، وأشار أن المجتمع المدني كقوة ضغط واقتراح يسعى للقيام بواجبه، ومضيفًا أن "المسألة هي أخلاقية بالمعنى الكانطي للكلمة، لكن يبقى القانون هو الفيصل لمعالجة التجاوزات في هذا الملف".

اقرأ/ي أيضًا: هل تتلاعب مؤسسات سبر الآراء بالرأي العام التونسي؟

بين الحاجة للاندماج ونوايا الاستغلال

توجّه "الترا تونس" بهذا الملفّ للفئة المعنية، وتحديدًا لرئيس جمعية "إبصار" التي تُعنى بالمكفوفين محمد المنصوري الذي أكد لنا أن الانتخابات البلدية أو غيرها من المحطات الانتخابية "هي استحقاق لكلّ التونسيين بما في ذلك "ذوي الإعاقة" مشاركةً وتصويتًا، وبالتالي على الدولة توفير الظروف المواتية لهذه الفئة من المواطنين وفق ما تنص عليها القوانين التونسية والاتفاقيات الدولية المصادق عليها". وأضاف المنصوري أن ذلك من شأنه أن يحمي المجتمع من الاختلال، فالاندماج الكامل لشريحة ذوي الاحتياجات الخاصة هو ضمانة لتوازنات مجتمعيّة، وفق تعبيره.

رئيس جمعية "إبصار" للمكفوفين لـ"الترا تونس": لدينا معطيات وشهادات حول استغلال السياسيين لذوي الاحتياجات الخاصة وسندرج ذلك في تقاريرنا

وعن استغلال السياسيين وغيرهم للمكفوفين و"ذوي الإعاقة" عمومًا، أشار محدثنا إلى أنهم على بيّنة من ذلك ولديهم ما وصفها بمعطيات وقرائن وشهادات سيتم إدراجها في التقارير النهائية بخصوص الانتخابات ومعالجتها وفق القانون. وأوضح رئيس جمعية "إبصار" أنهم قاموا بتنظيم ندوة تحسيسية عنوانها "استحقاق الأشخاص ذوي الاعاقة في الانتخابات البلدية"، وذلك بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للديموقراطيّة، وأشار إلى تناول هذه الندوة لإمكانية حدوث مثل هذه الخروقات في العملية الانتخابية، و"أن يصبح الأشخاص أصحاب الإعاقة حطبًا بلا دخان"، وفق تصريحه لنا.

وختم المنصوري حديثه لـ"الترا تونس" أن "وصول ذوي الإعاقة إلى مواقع متقدمة في السلطة بطرق قانونية وسليمة "هو في حد ذاته إشارة على أن تونس في طريقها نحو الديمقراطية التي تحفظ حقوق مختلف الفئات والشرائح".

بالنهاية رغم القوانين والاتفاقيات المحلية والدولية، تبقى التخوّفات قائمة من استغلال ذوي الاحتياجات الخصوصية وابتزازهم من قبل السياسيين وغيرهم في الاستحقاقات الانتخابية التي ستقدم عليها بلادنا في المستقبل. وبقدر إمكانية معالجة التجاوزات المسجلة بالزجر القانوني، يجب معالجتها أيضًا بالتوعية والتحسيس من مخاطر هذا السلوك، وذلك بالنظر لهشاشة هذه الفئة من المجتمع، وكذلك بهدف الحيلولة دون تشويه مسار الانتقال الديمقراطي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

النساء في الانتخابات البلدية.. "ما هي إلا امرأة"؟

"بدون تونس".. محرومون من المشاركة في الانتخابات