ultracheck
رأي

دعوات للقتل.. ماذا بعد؟

15 يوليو 2026
حمة الهمامي فيسبوك.jpg
"لا يبني التّخوين – وقبله التّكفير – أوطانًا، بل يُمزّقها.." (صورة أرشيفية لأمين عام حزب العمال حمة الهمامي)
بسام بونني
بسام بونني صحفي وكاتب تونسي

مقال رأي 
 

التّسجيل واضح. صاحبه يتحدّث بكلّ اطمئنان. الرّسالة صريحة: "دعوني أقتل حمّة الهمّامي". الأمر ليس من قبيل الفانتازيا. هذا تسجيل، صوتًا وصورةً، لمواطن تونسيّ يتطوّع بكلّ ثقة في النّفس لقتل مواطن تونسيّ آخر. الإشكال ليس في التّسجيل فحسب، بل في تحوّل التّحريض إلى تيّار واسع بات مُقتنعًا بضرورة ممارسة العنف ضدّ كلّ من يجرؤ على المعارضة والنّقد.

صاحب التّسجيل لا يزلّ لسانه، بل يبدو واعيًا بما يقول، متحمّسًا لما يعرضه من خدمات، في ظلّ حالة الإفلات من العقاب الّتي لا يمكن إلّا أن تُشجّعه على ذلك وأكثر. 

ليس سرًّا أنّ الرّئيس، قيس سعيّد، هو نفسه من فتح الباب أمام هذا الخطاب العنيف، فاستخدم كلّ العبارات التّخوينيّة، وبنى سرديّة كاملة يكون فيها "الآخر" هو السّبب وراء كلّ ما تعيشه البلاد من أزمات. أيّ فشل يراه الرّجل مؤامرةً تُحاك ضدّه ونظامه في غرف مغلقة. أيّ كبوة تقف وراءها جهة "معلومة" – منه هو وحده، على ما يبدو – يدفعها الدّاخل والخارج وما بينهما. يُصبح النّقد المشروع – بل والضّروريّ – خيانةً وفعل المعارضة عِداء للوطن.

ليس سرًّا أنّ الرّئيس، قيس سعيّد، هو نفسه من فتح الباب أمام هذا الخطاب العنيف، فاستخدم كلّ العبارات التّخوينيّة، وبنى سرديّة كاملة يكون فيها "الآخر" هو السّبب وراء كلّ ما تعيشه البلاد من أزمات

هذه السّياسة هي الّتي حضّت تونسيًّا للخروج في تسجيل للتّعبير عن استعداده لقتل تونسيّ آخر. وفي هذا المستوى، تحديدًا، لسنا إزاء مجرّد انفعال عابر أو خطاب متشنّج، بل نحن إزاء نمط خَطابيّ خطير، ساهم بشكل كبير في حصر المجال العامّ وترهيب الخائضين في شؤون البلاد.

لن أعود إلى ماض بعيد لتعداد حالات التّحريض والمستهدَفين به، بل سأتوقّف عند الأسابيع القليلة الماضية. المحصّلة موثّقة: التّحريض لم يتقصر على الفاعلين السّياسيّين، بل طال المنظّمات الحقوقيّة والنّقابات والمهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصّحراء، بل وامتدّ إلى متظاهرين خرجوا في مناطق عدّة للمطالبة بحقّهم في الماء وآخرين احتجّوا على تدهور الأوضاع البيئيّة، والأمثلة أكثر من أن تُحصر.

اقرأ/ي أيضًا: "فيديو خطير تضمّن دعوة صريحة لاغتيال حمّة الهمامي.." كيف علّق حزب العمال؟

هذه الأجواء تُذكّرنا بسنوات 2011 و2012 و2013، حين انتشرت خطابات التّكفير على شبكات التّواصل الاجتماعيّ وفي عدد من وسائل الإعلام بل وعلى منابر المساجد، خطابات لم تبق مجرّد كلمات، بل انتهت، عقب اغتيال شكري بلعيد ومحمّد البراهمي، بالتّشفّي فيهما وتبرير جريمتين بشعتين.

ما تغيّر هو تحويل الخصوم السّياسيّين من "أعداء الدّين" إلى "أعداء الوطن"، لكن بغطاء رسميّ، هذه المرّة، على الأقلّ فيما يتعلّق بما يرد في بيان الرّئاسة.

مهما كانت أرضيّة -أو ذريعة- التّحريض، فإنّه يضرب وحدة المجتمع، لأنّ تصنيف جزء من المواطنين كأعداء، يعني تقسيمَ المجتمع إلى "موالين" و"خونة.. التّحريض هو أيضًا أداة قمعيّة لا مادّيّة، تُرهب المواطن العاديّ

ومهما كانت أرضيّة – أو ذريعة – التّحريض، فإنّه يضرب وحدة المجتمع، لأنّ تصنيف جزء من المواطنين كأعداء، يعني تقسيمَ المجتمع إلى "موالين" و"خونة" – أو "كُفّار" -. هذا الانقسام يُضعف الثّقة بين الناس ويُحوّل الخلافاتِ السّياسيّةَ إلى صراعات وجوديّة، الهدف منها إلغاء جزء من الشّعب. في مناخ كهذا، يُصبح الحوار مستحيلًا، والأمل معدومًا والطّمأنينة في علاقة المواطنين ببعضهم البعض مفقودة.

التّحريض هو أيضًا أداة قمعيّة لا مادّيّة، تُرهب المواطن العاديّ، فتدفعه إلى الصّمت والخضوع إلى قوانين اللّعبة، كما تُحدّدها أيّ سلطة حاكمة، حتّى وإن تعلّق الأمر بالمطالبة بالأكل أو الشّراب أو الدّواء.

في سنة 2018، نشر الكاتب، شكري المبخوث، بحثًا هامًّا عن "تاريخ التّكفير في تونس". وأظنّ أنّ الوقت قد حان لتأريخ التّخوين. فنحن لسنا إزاء أوّل حالة، ضمن هذه الخانة، إذ لم تسلم معظم القوى السّياسيّة والمدنيّة والنّقابيّة من هذه الآفة، من المعارضين لعدد من توجّهات الحزب الدّستوريّ، قبل الاستقلال، مرورًا باليوسفيّين واليساريّين والقوميّين والإسلاميّين. ولا ننسى اكتواء الأصوات المنفردة الدّاعية إلى التّغيير بالنّيران ذاتها، على غرار الزّعيم الوطنيّ، أحمد التّليلي، صاحب رسالة شهيرة دعا فيها الرّئيس الرّاحل، الحبيب بورقيبة، إلى ضرورة الانفتاح السّياسيّ.

سواء كان الأمر ولاءً للسّلطة أو بحثًا للإثارة، فإنّ الأمر يتعلّق باغتيال معنويّ للمستهدَف، من المفترض أنّ المدوّنة القانونيّة التّونسيّة تُجرّمه، أي أنّ الكرة بملعب القضاء دون غيره -من حيث المبدأ- على الأقلّ

ومن المفارقات أنّ كثيرين يستشهدون، إلى يوم النّاس هذا، بهذه الرّسالة، لكنّهم يُخوّنون، في الوقت ذاته، أيّ صوت معارض لسعيّد لمجرّد توجيه انتقاداته من خارج حدود الوطن، والحال أنّ التّليلي نشر رسالته تلك في الخارج.

لا يبني التّخوين – وقبله التّكفير – أوطانًا، بل يُمزّقها. سواء كان الأمر ولاءً للسّلطة أو بحثًا للإثارة، فإنّ الأمر يتعلّق باغتيال معنويّ للمستهدَف، من المفترض أنّ المدوّنة القانونيّة التّونسيّة تُجرّمه، أي أنّ الكرة بملعب القضاء دون غيره – من حيث المبدأ، على الأقلّ -. ومن نافلة القول إنّ الصّمت أمام التّحريض بجميع أشكاله يُعتبر مشاركة ضمنيّة فيه، بل وصكًّا على بياض للمُضيّ قُدمًا في هذا الخطاب العنيف.

لا للتّحريض! ذاك أضعف الإيمان! لكن، من يُوقف هذه الآفة الّتي تُحاصرنا من كلّ جهة؟

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت" 

الكلمات المفتاحية

الرّكود الدّيبلوماسيّ التّونسيّ.. عزلة مقصودة أم عجز مؤسّسيّ؟

الرّكود الدّيبلوماسيّ التّونسيّ.. عزلة مقصودة أم عجز مؤسّسيّ؟

في باب التّناقض الصّارخ بين الفعل والخطاب، اختار الرّئيس التّونسيّ الانكفاء على الذّات، رغم مطالبته، في مناسبات عدّة، بـ"إرساء نظام إنسانيّ جديد متقدّم على النّظام الدّوليّ الحالي". هذا الانكماش الخارجيّ لا يخرج، في المجمل، عن الانكماش الدّاخليّ


قيس سعيّد يشارك كضيف شرف في القمة السابعة لمنتدى البلدان المصدّرة للغاز بالجزائر.jpg

تونس والجزائر.. المقبول وغير المقبول

"من يهدّد تونس نخلولو الخيمة تاع والديه".. هل من المقبول أن يدلي الرئيس الجزائري بتصريح بتلك الصيغة؟


الثقافة هي ما يبقى بعد أن يفنى كل شيء

الثقافة هي ما يبقى بعد أن يفنى كل شيء

لماذا الفعل الثقافي مستهدف بالتهميش والإقصاء وقت الأزمة؟ لماذا يغير التونسي ترتيب الثقافة وقت الأزمة ويجعلها بل ويجعلها خارج أولوياته؟ لماذا لا تعتبر الثقافة في تونس معيشًا ضروريًا وقت الأزمة وخارجها؟


حين يصبح انقطاع الكهرباء جريمة.. في خطاب المؤامرة والملاحقة بالاشتباه

حين يصبح انقطاع الكهرباء جريمة.. في خطاب المؤامرة والملاحقة بالاشتباه

ما دامت السلطة تفضّل أن تبحث عن مشتبه به بدل أن تبحث عن سبب فني وتقني، وأن تتحرّك بعد الأزمة بدل أن تستبقها، فسيعود الظلام كل صيف — ومعه الأبحاث، والبلاغات، والمتهم الجديد

القضاء حكم pexels
سیاسة

"أنا يقظ": وعود سعيّد المتعلّقة باستقلالية القضاء تم تنفيذها في اتجاه معاكس

أعلنت منظمة أنا يقظ في منشور أن "استقلالية الوظيفة القضائية..

المجلس المحلي بكسرى يعلّق نشاطه إلى فترة غير محدّدة
سیاسة

المجلس المحلي بكسرى يعلّق نشاطه إلى فترة غير محدّدة

المجلس المحلي بكسرى من ولاية سليانة: تمّ بتاريخ 15 جويلية المنقضي، إعلام السلط المحلية والجهوية بإمكانية تعليق نشاط المجلس في حال عدم الاستجابة للمطالب الواردة في محضر جلسة


منتدى الحقوق: نستنكر الانقطاع المتكرر للماء بالمتلوي ونساند تصعيد الأهالي السلمي
مجتمع

لوّحت بالتصعيد.. منظمة: أهالي المهدية يعيشون تدهورًا متواصلًا في عديد القطاعات

أعلنت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان أن أهالي ولاية المهدية يعيشون منذ سنوات على..

القيروان.. مندوب حماية الطفولة يتعهد بطفلة هدد والدها بحرقها رفقة والدتها.jpg
مجتمع

مسابقة اختيار "ملكة جمال قليبية" تشعل الجدل في تونس.. ما القصة؟

شددت وزارة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن على ضرورة الامتناع عن..

الأكثر قراءة

1
مجتمع

تفاصيل التسجيل في مناظرة شركة نقل تونس الخارجية لانتداب 580 عونًا


2
مجتمع

الرائد الرسمي: الترفيع في المنحة المسندة للفئات الفقيرة إلى 280 دينارًا


3
اقتصاد

فاتورة الظلام.. عندما يدفع الفلاحون وصغار المهنيّين ضريبة العجز الطاقي


4
منوعات

ألعاب البحر الأبيض المتوسط 2026.. تونس تشارك بـ181 رياضيًا في 28 اختصاصًا


5
مجتمع

ما حقيقة احتواء مياه محطة تحلية مياه البحر بسوسة على مواد خطرة؟