ultracheck
رأي

دعنا من بغلة العراق.. الشّعب جاع!

26 أبريل 2026
فقر شاذلي بن إبراهيم  Getty
"الإجابة على تقدير الواقع هذا ستكون، على الأرجح، بشعار "لا عودة للوراء" العقيم.. شعار لا يُسمن ولا يُغني من جوع، في قضيّة الحال. قولًا وفعلًا!" (صورة أرشيفية/الشاذلي بن إبراهيم/ NurPhoto)
بسام بونني
بسام بونني صحفي وكاتب تونسي

مقال رأي 

 

المتابع للمحتوى الغالب على صفحات التّواصل الاجتماعيّ التّونسيّة، في الآونة الأخيرة، سيلاحظ، سريعًا، تذمّرًا واسعًا، بلغ حالة السّخط، من الارتفاع الصّاروخيّ لأسعار الأغذية. وعلى عكس ما عهدناه من تندّر على فاتورة عالية في مطعم فخم أو كلفة أنواع بعينها من الأسماك الّتي لم يعد التّونسيّ قادرًا على مجرّد الاستمتاع بمشاهدتها – ناهيك عن شرائها -، تنتشر، الآن، صور الطّماطم والفلفل والبطاطس والتّفّاح وفواكه وخضروات أخرى يرفض الوجدان الشّعبّي تصديق أنّ دخولها لمنزله بات مُكلفًا، إن لم يكن مستحيلًا.

في شهر مارس/آذار المنقضي، أشارت أرقام المعهد الوطنيّ للإحصاء إلى أنّ التّضخّم عند الاستهلاك العائليّ بلغ 5 بالمائة، لكنّ النّسبة ترتفع بشكل مقلق، حين يتعلّق الأمر بالموادّ الغذائيّة، إذ تبلغ 17.1 بالمائة في أسعار الغلال الطّازجة و16.7 بالمائة في أسعار الدّواجن و14.3 بالمائة في أسعار لحم الضّأن و12.3 بالمائة في أسعار الأسماك الطّازجة و10.8 بالمائة في أسعار لحم البقر.

بدأت بوادر سوء التّغذية تلوح في تونس، مع سنوات الجفاف الماضية.. وأدّى ارتفاع كلفة الغذاء – بالتّزامن مع تغيّر العادات الغذائيّة – إلى كارثة أخرى لا تقلّ خطورة، خاصّة بين الأجيال الجديدة، وهي ارتفاع الكلفة الصّحّيّة

وفي الاكتواء بنار الأسعار، يستوي أنصار الرّئيس، قيس سعيّد، ومعارضوه، ومعهم أغلبيّة صامتة ترقب المشهد بكلّ خوف من حالة عدم اليقين الطّاغية على البلاد، مع النّزيف المستمرّ في شتّى المجالات. وهو ملفّ لا يمكن تجاهله، إذ يُكشّر بأنيابه على الأغلبيّة السّاحقة من العائلات التّونسيّة، ومن الصّعب تصنيفه ضمن الملفّات غير الآمنة ولا وصفه بالتّرف الفكريّ أو إدخاله في خانتي "السّياسة السّياسويّة" أو "التآمر"، العزيزتين على قلب سلطة الأمر الواقع ومريديها.

وتُظهر الموجة التّاسعة للباروميتر العربيّ، الّذي تُشرف عليه جامعتا برينستون وميشيغان الأميركيّتان إلى جانب شركاء في المنطقة، أنّ 62 بالمائة من التّونسيّيّن المستطلَعة آراؤهم يؤكدون أنّ "الغذاء الّذي اشتروه نفد دون أن يكون لديهم ما يكفي من المال لشراء المزيد". وتُضيف الدّراسة، التّي صدرت نتائجها الأسبوع الجاري، أنّ 84 بالمائة من العيّنة ذاتها اعتبرت أنّ توفير الغذاء ذي الكلفة المقبولة يمُثّل مشكلة "إلى حدّ كبير أو متوسّط".

اقرأ/ي أيضًا: مختصون: تآكل المقدرة الشرائية للتونسيين وتدهور حاد في مستوى العيش

وتتقاطع نتائج هذه الدّراسة مع تقرير نشرته منظّمة "انترناشيونال ألرت"، عام 2021، خلُص إلى أنّ الحدّ الأدنى لميزانيّة الكرامة لعائلة مكوّنة من أربعة أفراد تقطن بمنطقة تونس الكبرى بنحو 2400 دينار، استنادًا لسلّم أسعار عام 2019. واعتمد التّقرير، الذّي أشرفت على إنجازه مديرة مكتب المنظّمة البريطانيّة في بلادنا، ألفة لملوم، وعالم الاقتصاد بالمعهد الفرنسيّ للدّراسات الاقتصاديّة والاجتماعيّة، بيير كونسياليدي، منهجيّة تشمل مناحي الحياة كافّة، من سكن وغذاء وصحّة وتعليم ونقل وخدمات ضروريّة أخرى.

ولنا أن نتخيّل ميزانيّة الكرامة، اليوم، أي بعد زهاء خمس سنوات من صدور تقرير "انترناشيونال ألرت"، خاصة مع تحذير دراسة الموجة التّاسعة للباروميتر العربيّ من هشاشة دول المنطقة، ومن بينها تونس، أمام الصّدمات الخارجيّة، في إشارة إلى التّوتّرات في الشّرق الأوسط.

تُساهم سياسات التّقشّف، أو "التّعويل على الذّات"، كما تُسمّى في الخطاب الرّسميّ، في مزيد اضطراب الأمن الغذائيّ وتراجع السّيادة الغذائيّة. فتخلّي الدّولة عن دعم القطاع الزّراعيّ بشكل تدريجيّ، انطلاقًا من تسعينيّات القرن الماضي، أدّى إلى عزوف متصاعد عن الاستثمار

وممّا قد يزيد في الطّين بلّة توقّع منّظمة الأغذية والزّراعة، الفاو، بعرقلة خطوط الإمداد بشكل قد يؤدّي إلى شحّ مخزون الغذاء، خاصّة في الدّول التّي تعتمد على الاستيراد، في حال استمرار الحرب الأميركيّة الإسرائيليّة على إيران.

وبدأت بوادر سوء التّغذية تلوح في تونس، مع سنوات الجفاف الماضية. ففي عام 2018، ذكر المعهد الوطنيّ للاستهلاك أنّ 600 ألف تونسيّ "لا يتغذّون جيّدًا، ولا بالكيفيّة والكمّيّات المطلوبة". واستفحلت هذه الأزمة بشكل هائل. ولفتت وزارة الصّحّة، قبيل عامين، إلى أنّ 49 بالمائة من الأطفال إلى سنّ الخامسة "لا يتمتّعون بالحدّ الأدنى من النّظام الغذائيّ المطلوب"، موضحةً أنّ قلّة التّنوّع الغذائيّ تتفاوت حسب مستوى الوضع المادّيّ للأُسر، إذ تبلغ 34 بالمائة في الأُسر الغنيّة، بينما تقفز إلى 62 بالمائة في الأُسر الفقيرة.

ومن نافلة القول إنّ ارتفاع كلفة الغذاء – بالتّزامن مع تغيّر العادات الغذائيّة – أدّى إلى كارثة أخرى لا تقلّ خطورة، خاصّة بين الأجيال الجديدة، وهي ارتفاع الكلفة الصّحّيّة. فقد كشفت وزارة الصّحّة، نهاية عام 2024، أنّ أكثر من 17 بالمائة من الأطفال يُعانون من الزّيادة في الوزن في سنّ 5 سنوات. ونقلت صحيفة "العربي الجديد"، حينها، عن رئيس الجمعيّة التّونسيّة للدّفاع عن حقوق الطّفل، معز الشّريف، قوله إنّ "نقص الإمكانيّات المادّيّة يدفع نحو التّعويل أكثر فأكثر على المعجّنات والسّكّريّات لتأمين الوجبات، وهي منتجات تؤدّي إلى انتشار السّمنة المفرطة وتُخلّف الأمراض الّتي تنجم عن سوء التّغذية".

اقرأ/ي أيضًا: معركة الأمعاء في رمضان.. غلاء اللحوم يدفع التونسيين لـ"انتحار غذائي" بالمعجنات

ولا يختلف الحال ذاته لدى فئة الكهول، في الوقت الّذي تتوقّع فيه الفدراليّة الدّوليّة لمرضى السّكّريّ ارتفاع نسبة التّونسيّيّن المصابين بهذا الدّاء إلى 26.6 بالمائة بحلول العام المقبل.

وتُساهم سياسات التّقشّف، أو "التّعويل على الذّات"، كما تُسمّى في الخطاب الرّسميّ، في مزيد اضطراب الأمن الغذائيّ وتراجع السّيادة الغذائيّة. فتخلّي الدّولة عن دعم القطاع الزّراعيّ بشكل تدريجيّ، انطلاقًا من تسعينيّات القرن الماضي، أدّى إلى عزوف متصاعد عن الاستثمار بل وتغيير النّشاط في أحيان كثيرة. وهو توجّه تمضي فيه السّلطة الحالية قُدمًا. ولعلّ قطاع الألبان أكبر مثال على هذا الانهيار السّريع، إذ تُقدَّر فيه الخسائر سنويًّا بما لا يقلّ عن 200 مليون دولار، يتكبّدها المزارع، بشكل كبير.

نحن إزاء كارثة حقيقيّة متعدّدة الأبعاد.. تُهدّد أجيالًا بأكملِها، تنشأ بسوء تغذية لتُصاب باكرًا بمرض مُزمن أو أكثر، ناهيك عن الكُلفة الاجتماعيّة الباهظة. الإجابة على تقدير الواقع هذا ستكون، على الأرجح، بشعار "لا عودة للوراء" العقيم.. شعار لا يُسمن ولا يُغني من جوع، في قضيّة الحال. قولًا وفعلًا! 

كما إنّ خطاب سعيّد يُتّخذ من معظم أجهزة الدّولة كتوجيه عامّ. فحين يشنّ رئيس سلطة الأمر الواقع حملاتٍ خَطابيّة، بين الفينة والأخرى، على "المحتكرين"، فإنّه ينسف منظومة التّخزين القانونيّة، إذ أمام الملاحقات القضائيّة والأحكام المتواترة بالسَّجن والغرامات الماليّة المشطّة، أصيبت المنظومة – ولا تزال -، الّتي تهدف أساسًا إلى الحدّ من إتلاف المنتجات الغذائيّة، من جهة، والحيلولة دون تذبذب الأسعار، من جهة أخرى، بالشّلل. ويُمثّل قطاع البطاطس أكبر مثال على ذلك. ففي عام 2024، أدّى عزوف أصحاب مخازن التّبريد عن تخزين المنتوج، خوفًا من يد الدّولة الطّولى، إلى تلف جزء كبير من المحاصيل، ممّا أدّى إلى نقص حادّ في العرض.

نحن إزاء كارثة حقيقيّة متعدّدة الأبعاد، على المستوى القريب والمتوسّط والبعيد، كارثة تُهدّد أجيالًا بأكملِها، تنشأ بسوء تغذية لتُصاب باكرًا بمرض مُزمن أو أكثر، ناهيك عن الكُلفة الاجتماعيّة الباهظة.

الإجابة على تقدير الواقع هذا ستكون، على الأرجح، بشعار "لا عودة للوراء" العقيم، ذلك الشّعار المتهافت غير العقلانيّ على أسئلة مشروعة منطقيّة.

شعار لا يُسمن ولا يُغني من جوع، في قضيّة الحال. قولًا وفعلًا! 

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

الكلمات المفتاحية

حمة الهمامي فيسبوك.jpg

دعوات للقتل.. ماذا بعد؟

من نافلة القول إنّ الصّمت أمام التّحريض بجميع أشكاله يُعتبر مشاركة ضمنيّة فيه، بل وصكًّا على بياض للمُضيّ قُدمًا في هذا الخطاب العنيف


11 سجينًا سياسيًا يدعون في رسالة مشتركة للتوحّد لاستعادة الحرية والديمقراطية

رسالة المعتقلين من سجون تونس.. أيّ وحدة مأمولة؟

توجّه 11 معتقلًا سياسيًا من داخل السجون برسالة للتونسيين والفاعلين في الشأن العام، تضمّنت دعوة للتوحّد و"تأجيل كل خلاف فكري وسياسي إلى أن تعود الديمقراطية".. فهل أن توحّد الديمقراطيين المختلفين بداهة في توجهاتهم السياسية والفكرية يؤمّن تغييرًا في موازين القوى بما يؤدي بالتبعية إلى إنهاء الانحراف الاستبدادي واستعادة المسار الديمقراطي؟


علم تونس Claudia Rolando REDA Getty

مرة أخرى حول السيادة.. عقول تُصدَّر وكهرباء تُرهَن

تلك هي المفارقة التونسية الراهنة: لم يسبق أن ارتفع صوت السيادة بهذا العلوّ، ولم يسبق أن كانت مضامينها بهذا الفراغ..


القمع تونس الشبكة التونسية للحقوق والحريات

في عبثيّة القمع

"إنّ سلطة الأمر الواقع تحظى، اليوم، في سياساتها القمعيّة، بدعم لا يُستهان به من قطاع من الرّأي العامّ، أي أنّ الأمر لم يعد يتعلّق بأجهزة ومؤسّسات رسميّة قمعيّة فحسب، بل بجزء من المجتمع يتبنّى القمع كأسلوب حكم ويُحرّض عليه.."

ستاغ انقطاع غيتي.jpg
مجتمع

"الستاغ" تنشر قائمة الجهات التي تعرف انقطاعًا في الكهرباء.. تعرّف عليها

الشركة التونسية للكهرباء والغاز "الستاغ": قد يتمّ اللجوء إلى القطع الدوري للكهرباء يوم الخميس 16 جويلية 2026، خلال الفترة الممتدّة من الساعة الواحدة بعد الزوال إلى الساعة الرابعة ظهرًا، وعلى فترات متقطّعة

نواجه التعتيم والمنع.. يوميات صحفيين في مواجهة عوائق الوصول إلى المعلومة
میدیا

"نواجه التعتيم والمنع".. يوميات صحفيين في مواجهة عوائق الوصول إلى المعلومة

عضو المكتب التنفيذي لنقابة الصحفيين لـ"الترا تونس": الصحفيون يواجهون صعوبات متزايدة في الحصول على المعلومات الرسمية، مع تسجيل غياب لافت للرواية الرسمية في عدد من الملفات الحساسة التي تحيط بها تساؤلات عديدة، من بينها ملف الهجرة، والقضايا الأمنية، وغيرها من الملفات التي تهم الرأي العام


طاقة متجددة
مجتمع

دعوات لتسريع اعتماد حلول تخزين الطاقة الكهربائية بالمنازل في تونس.. ما القصة؟

عبّر المجمع المهني للطاقات المتجددة، في بيان، نشره على صفحته الرسمية، يوم الأربعاء 15 جويلية/يوليو 2026، عن..

حمة الهمامي
سیاسة

تهديدات بالقتل تطال حمة الهمامي وآخرين.. استنكار واسع لتصاعد خطاب الكراهية في تونس

الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان: مقاومة خطاب الكراهية والتحريض على العنف ليست خيارًا سياسيًا، بل هي واجب قانوني وأخلاقي، وأن التساهل مع هذه الممارسات يمثل تهديدًا مباشرًا للديمقراطية وللحق في الحياة

الأكثر قراءة

1
سیاسة

فوزي بن عبد الرحمان: منظومة حكم سعيّد بقتلها السياسة حكمت على نفسها بالعزلة التامة


2
سیاسة

وزير خارجية تونس يقدّم التعازي لأمير قطر في قصر لوسيل


3
منوعات

صبري اللموشي يكشف كواليس نهاية تجربته مع المنتخب التونسي


4
مجتمع

رفض مطلب الإفراج عن الناشط عبد الله السعيد وتأجيل القضية


5
منوعات

12 ولاية تونسية ضمن مستوى إنذار مرتفع.. ما القصة؟