"دريم سيتي".. المضادون للثقافة السائدة

تتواصل تظاهرة "دريم سيتي" إلى غاية 13 أكتوبر 2019 (دريم سيتي)

 

مساء الرابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2019 كان هزيعًا أخيرًا للحملات الانتخابية الخاصة بالانتخابات التشريعية التونسية. كل الشوارع وكل الأحياء تقريبًا منشغلة ببرامج مرشحيها. شارع بورقيبة أو شارع الشوارع كما يحلو لأحد شعراء تونس تسميته كان هو الآخر منشغلًا ببقيّة باقية من مرشحي العاصمة في تجلّ نادر للديمقراطية التونسية، إلا نهج الدنمارك الكائن حذو السوق المركزية كان يشهد فعاليات افتتاح التظاهرة الفنية الثقافية "دريم سيتي" في نسختها السابعة والتي تتواصل إلى غاية 13 أكتوبر/ تشرين الأول 2019 وهي من تنظيم جمعيّة الشّارع فنّ، التي مقرّها دار باش حامبه بالمدينة العتيقة.

أمام الحوانيت المغلقة ووسط زحمة الروائح الكريهة المنبعثة من أكداس الزبالة التي خلفتها السوق بعد يوم طويل من البيع والشراء، ضرب أهل "الدريم سيتي" ميعادًا فأقام الفنان التشكيلي نضال شامخ ومجموعة أخرى من الفنانين الشباب رفقة فريق تقني مساعد مسرحًا خشبيًا دائريًا صغيرًا يتسع لبضع عشرات من الحضور لتنطلق حلقة نقاش "أثيني" موضوعها "السيادة الغذائية في مواجهة اتفاقية الأليكا".

نضال شامخ لـ"ألترا تونس": الفن يجب أن يتخلص من سطحيته ويخرج من الأطر المؤسساتية الخانقة ويتنقل إلى قلب الشارع بل إلى قلب الحياة

اقرأ/ي أيضًا: كنوز ورقية.. عن حكايات "كتب الفريب" القادمة من وراء البحار


 اختيار السوق المركزية لتنصيب المسرح النقال يهدف للتأسيس لتربية مختلفة للمجتمع التونسي (دريم سيتي)

 

وتم اختيار السوق المركزية أو "المارشي سنترال" لتنصيب هذا المسرح النقّال ليس إمعانًا في بهرج فني يتماشى مع افتتاح تظاهرة "دريم سيتي" التي تنعقد كل سنتين، بقدر ما هو تأسيس لتربية مختلفة للمجتمع التونسي على  النقاش الفكري الجّاد في الأمكنة المناسبة ومع عامة الناس.

وهذا ما حدث فعلًا في نقاش اتفاقية الأليكا حيث ناقش الحضور وغالبيتهم من الشباب مخاطر هذه الاتفاقية وانعكاساتها السلبية على الحياة الاقتصادية وعلى صحة الإنسان وعلى الفلاحة المحلية.     

المرحلة الثانية من تظاهرة "دريم سيتي" تمتد من 7 إلى 13 أكتوبر وهي تحتضن بالأساس أعمال ضيوف الدريم سيتي أو ما سمي بقسم "إبداعات"

اقرأ/ي أيضًا: "قصيّر ويحيّر"..5 جواهر تزيّن مهرجان سينما الأفلام القصيرة في تونس

"الميعاد" وتنصيب هذا المسرح الخشبي النّقال سيتخير له أربعة أماكن أخرى بالمدينة: بساحة باب بحر طيلة مسائي 5 و6 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري من أجل طرح موضوعين هامين للنقاش مع العموم وهما: "علاقة الجسد بالهندسة المعمارية" و"الفنّ بعيدًا عن الاستعمار"، ثم يتنقل المسرح المفكك يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول إلى أعلى المدينة وتحديدًا بساحة القصبة ليطرح موضوع "العنف الممارس من قبل أمنيين"، وتختم نقاشات الميعاد يوم 8 أكتوبر/ تشرين الأول بتنقّل المسرح وإعادة تركيبه بساحة إفريقيا لطرق موضوع " النسوية غير المؤسساتية".

وبخصوص "الميعاد" والمواضيع المختارة، تحدث الفنان التشكيلي نضال شامخ لـ"ألترا تونس" قائلًا إن الفن يجب أن يتخلص من سطحيته ويخرج من الأطر المؤسساتية الخانقة ويتنقل إلى قلب الشارع بل الى قلب الحياة"، مضيفًا أن "المواضيع المختارة هي تلك التي يتم التعتيم عليها من قبل السياسيين ومن الأهم في منظومة الإعلام. وحتى إن تم التطرق إليها فإن ذلك يكون بلا عمق وبلا طعم ولا رائحة ومجانبًا لأوجه الحقيقة".


"دريم سيتي" في دورتها السابعة تبدو كلوحة حضارية آخذة في الينوع (دريم سيتي)

 

وأكد نضال شامخ "أن دريم سيتي تسعى من جملة ما تسعى إليه إلى طرح القضايا التي يغفلها الإعلام قصدًا،  فيختار المحاورون الأماكن لرمزيتها ولعلاقتها الوثيقة بالموضوع، مضيفًا "كما نسعى لتشريك عامة الناس من مختلف الفئات ومنحهم فرصة الحوار والاستماع الى وجهات نظرهم".

"الدريم سيتي" في دورتها السابعة تبدو كلوحة حضارية آخذة في الينوع حيث تم مضاعفة مدتها الزمنية لتصبح عشرة أيام بدل خمسة أيام وبرنامجها ينقسم إلى مرحلتين: فمن 4 إلى 5 أكتوبر/ تشرين الأول 2019 هي مرحلة الإمعان في التفكير حول مفهوم الفضاء العام بإعادة النقاش إلى قلب المدينة والدفاع عن فلسفة الحوار كضرورة حياتية والالتقاء بالمواطنين ومنحهم الكلمة، سواء عبر "الميعاد" أو عبر مناقشة العروض السينمائية الوثائقية التي ستحتضنها دار الثقافة بن رشيق ونذكر منها "من يخاف من الإيديولوجيا "لمروى أورسانيوس و"حدائق الكلام" لتانيا الخوري و"الطوطم الصوفي" للفلوى كروشي و"إذاعة اللاتردّدات" لزينة زعتور.

تستضيف "دريم سيتي" 24 فنانًا من 16 بلدًا منهم 15 فنانًا أنجزوا أعمالًا خاصة بهذه التظاهرة التي تمنح متابعيها 148 عرضًا فرجويًا

أما المرحلة الثانية فتمتد من 7 إلى 13 أكتوبر/ تشرين الأول 2019 وهي تحتضن بالأساس أعمال ضيوف الدريم سيتي أو ما سمي بقسم " إبداعات " وهو الذي يمنح سكان المدينة أو عابريها حفلًا جماليًا غير معهود، فهذه الأعمال الفنية التي تراوح بين مختلف الأنماط الإبداعية على غرار المسرح والرسم والنحت والكوريغرافيا والتنصيب والموسيقى، هي نتاج المدينة نفسها، حيث يقيم الفنّانون الضيوف لمدة سنة بأكملها في المدينة متأملين معمارها وصناعاتها ويلتقون أهلها وحرفييها ومثقفيها، ومن تلك اللقاءات تنبت أفكار المشاريع الفنية ليتم إنجازها وعرضها فيما بعد في موعد "الدريم سيتي".


يتضمن الدريم كونسرت 4 حفلات كبرى تقدم موسيقى بديلة (دريم سيتي)

 

أما "الدريم كونسرت" فيتضمن أربع حفلات كبرى تقدم موسيقى بديلة ومختلفة عن السائد وهي تلك التي سيطرحها بفضاءات المدينة كل من زياد الزواري يوم 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2019 وأمير الصفار من بغداد يوم 11 أكتوبر/ تشرين الأول 2019 وجوبيتير وأوكويس من كنشاسا يوم 12 أكتوبر/ تشرين الأول 2019. أما الحفل الختامي فسيقدمه الـ"دي دجي" خالد المرابط يوم 13 أكتوبر/ تشرين الأول 2019.

"الدريم سيتي" في نسختها السابعة والتي يعمل في سبيلها 535 شخصًا بين فنانين وطلبة ومواطنين من سكان المدينة العتيقة، تستضيف 24 فنانًا من 16 بلدًا منهم 15 فنانًا أنجزوا أعمالًا خاصة بهذه التظاهرة التي تمنح متابعيها 148 عرضًا فرجويًا.

هذه التظاهرة الثقافية التي تحفر في جسد المدينة العتيقة وما جاورها وتحاول منذ 2007 تثمين المخزون الحضاري والمعماري والجمالي من خلال الاشتغال على مشروع ثقافي وفني متماسك ومتنافذ، يحيي جمال المدينة وسحرها وفتنتها الخالدة، وذلك بأدوات فكرية وفلسفية وفنية وثقافية مع درجات متفاوتة من الانفتاح على ثقافات أخرى قريبة وبعيدة وهو ما يعطي للمدينة العتيقة ألق الكونية التي تعتبر من الأهداف السامية التي تسعى إليها "دريم سيتي" إلى جانب بحثها في مفاهيم الحرية وحقوق الإنسان والعيش المشترك وتكريس فلسفة الحوار وقيم التثاقف.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

الدّورة الأولى لأيام قرطاج لفنون الخزف.. فتح جديد في أكوان الطين التونسي

حبيبة مسيكة.. بيانو يعيد "شهيدة الحب والحرية" للأضواء