"دريسينغ روم".. سطور من التجاعيد تروي ذكريات النساء
23 أكتوبر 2025
وحيدة وقفت الممثلة حلا عمران أمام جمهور "دريم سيتي" لتقدم لهم عرض "دريسينغ روم" من إخراج بيسان الشريف ودراماتورجيا وائل علي، وهو عمل انطلق من محادثات بين عمران والشريف ليولد مسرحية لا يمكن تصنيفها بحسب الممثلة على أنها "مونودراما" ولا عرضًا من فئة الممثل الواحد رغم ما توحي به النظرة الأولى التي لا ترى فيها سوى الفنانة جالسة على كرسي تحمل بين يديها أصيصًا يحوي نبتة الميرمية، بجانبها طاولة فوقها أصيص آخر لنبتة العطرشية أو العطرشان وبعض الأواني ووراءها شاشة كبيرة.
البداية كانت تشي بالجو العام الذي سيخيم على العرض، فقد انطلقت الممثلة في دندنة بعض الكلمات من أغنية للفنان الحلبي صبري المدلل، واختارت مقام الصبا دون غيره من المقامات، وهو مقام معروف بالحزن الذي لا يعبر عن حالتها فحسب بل بالوضع العربي عمومًا، ليخيم على فضاء "بير الأحجار" وعلى الحاضرين جو جمع بين التحالف مع الفنانة في ما اختارت وبين التطلع لأن تكون الخاتمة مخالفة للبداية.
يستكشف عرض "دريسينغ روم" مرور الزمن ويُسائله من خلال التجاعيد والذاكرة والسياسة عبر جسد المرأة الموسوم بعلامات السنين، من خلال شهادات، من نساء تجاوزن "سن اليأس" يروين تجاربهن مع الموضوع
مع تقدم الوقت نكتشف مشاركات أخريات في العرض، قدمن شهادات عن موضوع المسرحية.
"دريسينغ روم" أو غرفة تبديل الملابس، هو عمل فني لا يتعلق بتغيير قطعة قماش تغطي جسدًا ما كما يبدو العنوان، بل يغوص نحو الأعمق، عن التغيير الجسدي الذي يحصل للمرأة عند وصولها لما يسمى "سن اليأس".
اقرأ/ي أيضًا: عرض "العروسة Quartet" في دريم سيتي.. نساء يتكلمن بأياديهن
وبغض النظر عن صواب التسمية من عدمها، اليأس من ماذا تحديدا؟ من الإنجاب مثلًا؟ ماذا إن كان للمرأة أطفال قبل بلوغها هذا السن؟ وماذا عن تجميد البويضات الذي يسمح بالإنجاب لاحقًا؟..
وبغض النظر عن كل ذلك، فإن التبديل أو التغيير بالنسبة للمرأة لا يبدأ فقط حين "اليأس"، بل قبل ذلك بعقود، يتغير جسمها من الطفولة إلى البلوغ ومن العذرية إلى ما بعد الزواج ومن الزواج إلى الحمل ومن الحمل إلى الولادة.
أوضح من التجاعيد أعمق من الجروح
بغض النظر عما سبق، فإن المسرحية لا تتحدث عن التغيير الجسدي فقط، بل عن كل تغيير يحدث للإنسان مهما كان جنسه ولو أن العمل تحدث أساسًا عن النساء، حيث تُقدّم لنا شهادات عبر الشاشة الكبيرة، من نساء تجاوزن "سن اليأس" عن تجاربهن مع الموضوع، إحداهن قالت إنها ارتاحت فيما قالت أخرى إنها لم تحس بمرور الزمن من وقت انقطاع الطمث إلى سنها الحالية، الخامسة والستين، "مرت 25 سنة لم أشعر بمرورها"، هكذا عبرت إحدى النسوة.
يستكشف "دريسينغ روم" مرور الزمن ويُسائله من خلال التجاعيد والذاكرة والسياسة عبر جسد المرأة الموسوم بعلامات السنين، جسدها الذي "مرّت فوقه" الحروب والأزمات الاجتماعية وأشكال العنف المتنوعة..

وتحاول الممثلة أن تشاركنا وصفة تخفي التجاعيد وتقلل من أثر التغيرات الفيزيولوجية على جسدها، فتقوم بنقع نبتة الميرمية والعطرشة في الماء الساخن، وتطحن ثلاث حبات، ربما كانت حلبة، مضيفة بعض الزعفران لتحصل على شراب سيساعدها على نيل مرادها أو هكذا اعتقدت ويعتقد من نصحها بهذه الوصفة.
المسرحية إذن في ظاهرها حل لمواجهة هذا التغير الجسدي والنفسي، وتسعى حلا عمران وراء وصفة سحرية للتغلب على "سن اليأس"، وهكذا يصبح المسرح مكانًا للتجربة، وتتخذ من الوقت المخصص للعرض فضاءً زمنيًا لتحضير هذه الوصفة الغامضة، تحت مراقبة جمهور جلس حولها بحميمية، وتعود بين الفينة والأخرى لتستعرض شهادات أولئك النسوة اللواتي اختلفت جنسياتهن وتجاربهن، لكنهن توّحدن خلف فكرة أن التغيير الحاصل في أجسادهن يلقي بظلاله على صحتهن النفسية.
اقرأ/ي أيضًا: "كل حاجة حلوة" في دريم سيتي.. أن تصبح الطفلة طوق نجاة أمها
بخفة وفكاهة وسخرية من الذات، تستكشف "دريسينغ روم" هذه اللحظة المحورية، بين الصفاء والمقاومة، إنها تمنح صوتًا لنساء من مختلف البلدان العربية، على جانبي البحر الأبيض المتوسط ليشاركن قصصهن وجراحهن ولحظات حميمية من حيواتهن.
"دريسينغ روم" عرض حساس ومؤثر، حيث يلتقي الحميم بالسياسي، وحيث يصبح الجسد مساحة للذاكرة والكلام والإبداع.
وطأة الحرب
وسط كل ذلك الحديث، تتساءل حلا عمران في المسرحية عن الجدوى من الحديث عن الحرب وهي التي تعرف وطأتها تمامًا كما بيسان الشريف ووائل علي حتى ولو لم يعيشوها، فأصولهم (سوريا وفلسطين) تجعل يومهم مخلوطًا بالأخبار والمتابعات رغم أنفهم، غير أنها أصبحت تعتقد أن الناس ملّوا السياسة والحرب، وتستعرض في هذا السياق كاتبًا فرنسيًا كتب مقالًا عن الجبن وأفضل أنواعه، ولمّا سئل عن وجاهة اختيار هذا التوقيت، أجاب: "إنه وقته تمامًا" في إشارة إلى أن الحديث في السياسة لم يعد مجديًا. تساءلت أيضًا عن الجدوى من المسرح؟ هل مازالت له القدرة على الاشتباك مع الواقع والوقائع؟ وطلبت من الجمهور أن يشاركها صياغة الخاتمة وكيف يمكن أن يكون ختام هذا العرض؟
يستعرض عمل "دريسينغ روم" شهادات النسوة اللواتي اختلفت جنسياتهن وتجاربهن، لكنهن توّحدن خلف فكرة أن التغيير الحاصل في أجسادهن يلقي بظلاله على صحتهن النفسية
لكن، ومع كل ذلك ورغم حسرة أغلب النساء لبلوغ هذه المرحلة العمرية، ومن وجهة نظر أخرى فهناك حسب رأيي نساء يفرحن بانقطاع الطمث وقدوم "سن اليأس". تذكّر أن تأثير الحرب في غزة قد جعل حوالي 700 ألف امرأة وفتاة تعانين وجوهًا أخرى للحرب، حيث تحولت الدورة الشهرية إلى "كابوس شهري" بسبب غياب الخصوصية وانعدام المياه النظيفة والفوط الصحية. وقد أكد نائب المدير التنفيذي لصندوق الأمم المتحدة للسكان، أن الظروف الصحية في قطاع غزة وصلت إلى مستويات مأساوية، لافتًا إلى أن الولادة الطبيعية لم تعد ممكنة نتيجة تعذر وصول النساء إلى المستشفيات وانعدام المعدات وسيارات الإسعاف، ولهذا تلد بعض النساء بين الأنقاض وعلى جوانب الطرق دون حتى مساحة خاصة داخل خيمة.
في هذه الحال ولتجاوز هذه المشكلة، تلجأ بعض النساء إلى استعمال حبوب تأخير الدورة الشهرية التي تسبب أعراضًا مثل الصداع، الغثيان، التقلبات المزاجية، ونزيفًا خفيفًا غير منتظم.
كما قد تحدث آثار جانبية أخرى مثل احتباس السوائل وزيادة الوزن الطفيفة، حب الشباب، آلام الثدي، وأحيانًا تساقط الشعر، وفي حالات نادرة، قد ترتبط المخاطر بزيادة خطر الإصابة بالجلطات الدموية، خاصة لدى المدخنات أو من لديهن عوامل خطر أخرى.
ألا يصبح "سن اليأس" نعمة في هذه الحال؟
الكلمات المفتاحية

"كل حاجة حلوة" في دريم سيتي.. أن تصبح الطفلة طوق نجاة أمها
مسرحية "كل حاجة حلوة" وإن كانت من فئة الممثل الواحد، فقد شارك فيها الجمهور كله تقريبًا، ففريق العمل يوزع على الداخلين للفرجة، قصاصات كتبت عليها بعض الكلمات والجمل التي لا يفهم المغزى منها في البداية

"صوت هند رجب".. هل يكفي أن يكون الموضوع جيدًا لصنع فيلم جيد؟
"كانت المخرجة التونسية ذكية في التوجه لأعمال لها جمهور متابع لهذه القضايا محليًا أو دوليًا.. وفي المطلق لا يكفي أن يكون لك موضوع جيد لتنجز فيلمًا جيدًا"

عرض رقوج.. مساحة للوفاء والوجع
عرض "رقوج" هو ليس بالإعادة العمياء أو "المونوتونية" للمسلسل، بل إعادة كتابة مطوّعة للمسرح حملت القضايا الرئيسية للمسلسل بجزئيه، فُكّت بها بعض الرموز المخفية لهذا الأخير.

ثورة تونس في سنّ المراهقة.. جلسة فضفضة على أريكة طبيب نفسي
الباحث والناشط السياسي ماهر حنين لـ"الترا تونس": يجب أن تعمّ الحرية إيقاع الحياة الجماعية، وعلينا الاعتقاد جميعًا بأنّ الخلاص هو خلاص جماعي لا فردي.. على اعتبار أنه لا يمكن لأي طبقة أو أي تيار فكري أن ينعتق بمفرده، فإما أن تعود الحرية للجميع أو أنها لن تعود لأحد

طريق من الطين.. عن تلاميذ الأرياف والمسافات الوعرة نحو المدارس
تحوّلت مسالك الطريق الجبلي مع المطر إلى شريطٍ طينيٍّ زلِق، بالكاد تشعر بثبات خطوتك فيه، فكلّ حركة هي بمثابة مغامرة صغيرة بين ارتكاز القدم والحذر من الانزلاق في طريق وعرة. فالتضاريس قاسية، كأنّها تختبر عزيمة أيّ شخص في كلّ منعطف

تجمّع لأنصار قيس سعيّد أمام المسرح البلدي بالعاصمة في ذكرى الثورة
رفع هؤلاء المتظاهرون عديد الشعارات، من بينها: "بالروح والدم نفديك يا علم"، "لا مصالح أجنبية على الأراضي التونسية"، "لا وصاية أجنبية على الأراضي التونسية"، "الشعب يريد قيس من جديد"، "الشعب يريد تطهير البلاد"..

17 ديسمبر.. من عيد ثورة الحرية إلى عيد "أنصار الرئيس"
تطوي الثورة التونسية التي اندلعت في 17 ديسمبر 2010، وألهمت الشعوب العربية على الانتفاض ضد أنظمة القهر والاستبداد، عامها الخامس عشر في مناخ لم يعد يطرح السؤال حول تحقيق أهدافها كما كان يُطرح دومًا في أفق المنجز الاقتصادي والاجتماعي الذي كان عنوانه حادثة إضرام محمد البوعزيزي النار في جسده، بل بات يطرح سؤال الحسرة حول ما كان يُقدَّم بوصفه "المنجز الوحيد للثورة": حرية التعبير

