دروس من كأس العالم.. كيف تصنع الهزائم الثقيلة والإخفاقات مستقبل المنتخبات؟
17 يونيو 2026
النتائج نصرًا أو هزيمة في كرة القدم وفي الكثير من المجالات الأخرى يمكن أن تكون منسيّة عابرة أو راسخة في الأذهان معبّرة، يتحدّد هذا الأثر حسب السياقات والخصوصيّات الثقافيّة والجماليّة أحيانًا، فقد تحفظ ذاكرة جمهور المنتخب التونسي على سبيل المثال تصدّيًا حاسمًا لمختار النايلي أو مراوغة عبقريّة من حمادي العقربي أو تسديدة أطلقها تميم الحزامي ارتطمت بالعارضة الأفقيّة، في المقابل يمكن أن تهمل السرديّات الكرويّة السائرة على الألسن مئات الأهداف المسجّلة حتّى المصيريّة منها، لكن في كلّ الحالات تظلّ النتائج العريضة فوزًا أو خسرانًا مدويّة في الذهن والوجدان، وغالبًا ما يكون لها أثر بعيد المدى يتخطّى مشاعر الفرح والنشوة أو أحاسيس الحزن والخيبة إلى مواقف صارمة وقرارات حاسمة.
ولئن كان النجاح حاثًّا على الاستقرار بمقتضى القاعدة الجوهريّة في كرة القدم "لا نغيّر فريقًا فائزًا" (Never change a winning team) فإنّ الإخفاق غالبًا ما يكون دافعًا إلى المراجعات والإقدام على إحداث تغييرات جوهريّة تمسّ التسيير الرياضي في كلّ مراحله وجوانبه نظامًا ومنظومة وعقليّة.
لئن كان النجاح حاثًّا على الاستقرار بمقتضى القاعدة الجوهريّة في كرة القدم "لا نغيّر فريقًا فائزًا"، فإنّ الإخفاق غالبًا ما يكون دافعًا إلى المراجعات والإقدام على إحداث تغييرات جوهريّة تمسّ التسيير الرياضي في كلّ مراحله وجوانبه نظامًا ومنظومة وعقليّة
في هذا المعنى يقول الصحفي والروائي الفرنسي برنار فاربار (Bernard Werber) في موسوعة المعرفة النسبيّة والمطلقة (L’Encyclopédie du Savoir Relatif et Absolu) ما معناه "الهزيمة ثائرةٌ مجدّدةٌ والنصر ميّال إلى المحافظة والثبات" (La défaite est novatrice, la victoire est conservatrice).
هذه الحكمة التي يعرضها صاحبها باعتبارها مصادرة ترقى إلى مرتبة القاعدة لا تخلو من وجاهة، لكنّ ذلك لا يُغنينا عن اختباراها والاستدلال على صحتها من خلال النظر في الأثر الذي خلّفته الخيبات أو الهزائم الثقيلة في المنتخبات، ولنا في مدوّنة كأس العالم عامّة وفي تجارب المنتخب التونسي خاصّة مرجعًا نعتمده وأمثلة يمكن الاحتكام إليها.
الهزائم الخلّاقة
لا تكتسي الهزيمة خطورتها وحجمها من ذاتها إنّما تكتسي هذا الأثر من صاحبها، فما يراه هذا المنتخب هزيمة مشرّفة لها مبرّراتها المقبولة يعتبره ذاك الفريق خُسرانًا مُبينًا لا يمكن التسامح معه، لذلك تختلف ردود الأفعال والقرارات وآثار الهزائم من بلد إلى آخر، وقديمًا قال المتنبيّ في هذا المعنى:
وتعظم في عين الصغير صغارها *** وتصغر في عين العظيم العظائم
تقوم شاهدًا على هذا تجارب خمسة منتخبات، الأولى تخصّ كوريا الجنوبيّة التي انقادت سنة 1998 إلى هزيمة مُذلّة ضدّ هولندا (5-0) وخسارة بنتيجة عريضة ضدّ المكسيك (3-1)، أفضت هذه الخيبة في خطوة أولى إلى طرد المدربّ غوس هيدينغ (Guus Hiddink) أثناء المونديال، لكنّ هذا القرار لم يكن كافيًا بالنسبة إلى الصحافة الرياضيّة وكثير من المسؤولين، فهُم على بيّنة من أنّ المدرّب لا يتحمّل مسؤوليّة الإخفاق وهو المعروف آنذاك بكفاءته العالية وقدرته الفائقة على تطوير المنتخبات، فاتجهت سلطة الإشراف إلى مراجعات عديدة تمثلت في تشجيع اللاعبين على الاحتراف في البطولة الأوروبية واعتماد الشفافيّة والعدالة والنزعة العلميّة في تكوين الشبان فأثمر ذلك ترشحًا دائمًا إلى كأس العالم واقتلاع المرتبة الرابعة في مونديال 2002 وبلوغ الثمن النهائي سنتي 2010 و2022 وتحقيق انتصار تاريخي على العملاق الألماني سنة 2018 (0-2) جعل الكوريين يؤمنون يومها بقدرتهم على مقارعة الكبار.
اقرأ/ي أيضًا: تونس في كأس العالم.. تاريخ المشاركات وأبرز تحديات مونديال 2026
المثال الثاني الذي يندرج ضمن باب حسن التدبير عند الإخفاق تمثّله بمنتهى الوضوح فرنسا فبعد صدمة عدم التأهل إلى كأس العالم سنة 1994، توجّهت الإدارة الفنيّة بثقلها إلى تعزيز مشاريع التكوين والعناية بتطوير الأكاديميات على غرار NF Clairefontaine التي تخرج منها نجوم كبار أمثال تيري هونري Thierry Henry وكليان مبابي Kylian Mbappé ( ونيكولا أنيلكا Nicolas Anelka) ( وغيرهم كثيرون ممّن أسهموا في صناعة ألقاب الديوك أوروبيًا وعالميًا.
المثال الثالث يتصل بالمنتخب البلجيكي الذي عجز عن الترشّح إلى كأس العالم سنتي 2006 و2010 فأثمر ذلك مشروعًا في غاية الجرأة تمثّل في توحيد أساليب التكوين، وحتّى يستوعب غير المختصّين أهمية هذا القرار تخيّل أنّ الإدارة الفنية للجامعة التونسيّة تتدخّل في سير اختيار الشبان وتكوينهم في الأندية خاصّة تلك التي تمتلك نفوذًا ماليًّا وجماهيريًا وإعلاميًّا. بعد ذاك الاختيار الحكيم ظهر الجيل الذهبي في المنتخب البلجيكي الذي تمكّن من إحراز المرتبة الثالثة في مونديال 2018.
لا تكتسي الهزيمة خطورتها وحجمها من ذاتها إنّما تكتسي هذا الأثر من صاحبها، فما يراه هذا المنتخب هزيمة مشرّفة لها مبرّراتها المقبولة يعتبره ذاك الفريق خُسرانًا مُبينًا لا يمكن التسامح معه، لذلك تختلف ردود الأفعال والقرارات وآثار الهزائم من بلد إلى آخر
فكرة توحيد الاختيارات الفنيّة في منتخبات الشبان والأندية لم تكن سليلة المدرسة البلجيكية فقد سبقتها إلى ذلك إسبانيا التي يمكن اعتمادها أنموذجًا رابعًا للقدرة على الاستفادة من الخيبات فبعد الخروج المبكر من 1986 إلى 2006، تتالت التتويجات القاريّة والعالميّة سنوات 2008 و2010 و2012.
المثال الخامس الذي لا يختلف اثنان في اعتباره آية من آيات الحكمة في تحويل الضعف إلى قوة هو بلا شكّ الأنموذج المغربي، فبعد مشاركة صفريّة في مونديال 1994 أفضت إلى ثلاث هزائم وبعد الفشل في مجرّد الترشح إلى كأس العالم سنوات 2006 و2010 و2014 اتجه المغاربة إلى إصلاح جذري يقطع مع سياسة التلميع والترقيع فتمّ إنشاء أكاديمية محمّد الخامس لكرة القدم وهو ما اقتضى تشييد مركّب رياضي ضخم ولضمان أوفر شروط النجاح راهن المسؤولون على الاستقرار الفني والإداري واجتهدوا في استقطاب اللاعبين من مزدوجي الجنسيّة دون تعسّف أو إجحاف أو محاباة أو إهمال للاعبين المحليين، تمكّن المغرب بعد هذا الإصلاح الجذري القاعدي من بلوغ نصف نهائي كأس العالم 2022 بعد ترشح باهر على منتخبات قويّة وعريقة مثل بلجيكا وإسبانيا والبرتغال.
هذه المنتخبات الخمسة هي مجرّد عيّنات الجامع بينها ثلاثة ضوابط لا غنى عنها للنجاح أوّلها هي الإعراض عن التبرير والتبخير والمغالطة، ثانيها التحلّي بالصبر والثبات والمثابرة وعدم المراهنة على جني النتائج في أوقات قياسيّة، ثالثها الحرص على التكوين القاعدي، هذه الضوابط تبدو واضحة بديهيّة فما الذي يفسّر غفلة التونسيين عنها؟
كرة المصالح والخزعبلات والتطبيع مع الخيبات
واجه المنتخب التونسي شأنه شأن منتخبات أخرى تجربة الفشل والإخفاق في نهائيّات كأس العالم وكأس إفريقيا، وانسحب قاريًّا مبكرًا في منافسات جمعته مع منتخبات تقع في أسفل التقييمات الرياضيّة تاريخيًّا وفنيًّا، وتكبّد عالميًا هزائم مزلزلة للرأي العام الرياضي أضخمها قبول خماسيّة ضدّ بلجيكا سنة 2018 ومثلها ضدّ السويد سنة 2026 عجّلت بطرد المدرب صبري اللموشي بعد مباراة واحدة في مونديال أمريكا وكندا والمكسيك.
اقرأ/ي أيضًا: السويد واليابان وهولندا.. كلّ ما يجب أن تعرفه عن مجموعة تونس في مونديال 2026
حصل قبل سنوات ثمانٍ بُعيد مونديال روسيا لغط طويل وسجال حادّ حول المدرّب واختياراته وحول الخطط التكتيكيّة، وأشار البعض إلى معضلة التكوين والبنية التحتيّة، وها نحن نعيد هذه الأيّام التقييمات نفسها بملفوظ متكرّر مقلق لكلّ ذي عقل يتطلّع إلى التطوّر والتغيير والبناء المُحكم.
نفس المتدخّلين والمتداخلين والناقدين والمحلّلين والمعلّقين بنفس عبارات الدهشة والغضب، لكنّ الأفق يبدو غير مبشّر بالحلول الواقعيّة الجادّة الحقيقيّة.
إذا تواصل هذا النهج في التعاطي مع الهزائم والخيبات لا نستبعد أن يحلّ بالمنتخب التونسي ما حلّ بمنتخبات أخرى سارت نحو الانحدار وأصبح الترشّح إلى كأس العالم بالنسبة إليها حدثًا بعيد المنال
الهزيمة يمكن إن أحسنّا توظيفها أن تثمر حِكمًا وعِبرًا ومنهاج حياة، غير أنّ فئة من القائمين على الشأن الرياضي خاصّة في تونس كفيلة بتأبيد الفشل، تتوخّى في ذلك سُبلًا عديدة بعضها مكشوف والكثير منها مخفيّ من هذه السبل نذكر ثلاثة:
الأوّل: يتمثّل في هيمنة أصحاب المصالح الخاصّة والضيّقة على الشأن الكرويّ تسييرًا وتدريبًا وإعلامًا، هؤلاء سيتوخون الصراخ والجلبة ككل مرّة حتّى يكتموا أيّ صوت بإمكانه أن يكشف ألاعيبهم.
ثانيًا: طغيان التقييم الانفعالي المتهافت المتعسّف المكرّر المفتقر إلى المنطق والواقعيّة والبرهنة العلميّة والبناء التدريجي للأفكار، بل وصل الأمر إلى ما يمكن نعته بالخزعبلات والتبريرات التي تستند إلى الشعوذة والدجل والأوهام والحديث عن الحارس المسحور واللاعب "الممسوس" (مسّه جنّ).
ثالثًا: التطبيع مع الفشل واليأس من إمكانيّة الإقلاع في خطاب قائم على السخط والتخوين والعودة الدائمة إلى الصفر وفلسفة الكلّ أو لا شيء.
إذا تواصل هذا النهج في التعاطي مع الهزائم والخيبات لا نستبعد أن يحلّ بالمنتخب التونسي ما حلّ بمنتخبات أخرى سارت نحو الانحدار وأصبح الترشّح إلى كأس العالم بالنسبة إليها حدثًا بعيد المنال منها المجر التي انقادت إلى الهزيمة 6-0 ضد الاتحاد السوفياتي سنة 1986 فلم تحسن التعاطي مع الحدث حينما تعاملت معه باعتباره نكسة وطنيّة فكانت النتيجة عجزًا عن الترشّح إلى نهائيّات كأس العالم منذ ما يزيد عن أربعة عقود، الطريف أنّ المجر نفسها قد تسببت بانتصارها الساحق على السلفادور سنة 1982 (10-1) في تلاشي هذا المنتخب وعجزه عن بلوغ المونديال من جديد منذ تلك الواقعة الكروية الموجعة.
يتّضح من خلال المعطيات المذكورة أنّ الإقلاع بعد الفشل مشروط في كلّ الأحوال بالحكمة، لكن لا صوت للعقل والحقّ في ظلّ "منظومة فاسدة" تتشابك فيها المصالح والمصائر تشابكًا مافيوزيًا ممّا يجعلها أكثر تمرسًا وتصلّبًا ضدّ كلّ مشروع ثوريّ أو إصلاحي يمكن أن ينقذ الكرة التونسيّة من قبضة "ثالوث الجهل واللصوصيّة والزبونيّة".
الكلمات المفتاحية
تونس ضدّ اليابان.. المباراة الـ 1000 في تاريخ كأس العالم مميّزة لأكثر من سبب
ستحظى مباراة تونس واليابان، بتغطية استثنائية من الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) وغيرها من الوسائل الإعلامية العالمية لتوثيق هذا الإنجاز الرقمي في سجلات كرة القدم باعتبراها ستكون المباراة رقم 1000 في تاريخ المونديال
تغير جغرافيا أندية البطولة التونسية.. الإفريقي والترجي أكبر المستفيدين
نهاية موسم 2024- 2025 دعّمت الهيمنة التي ما انفكّت جمعيّات العاصمة تفرضها كميًّا ونوعيًّا..
الأندية العربية تهيمن على رابطة أبطال إفريقيا حضورًا وتتويجًا
الأندية العربيّة تخطّت رهان المشاركة والفوز بالألقاب في دوري أبطال إفريقيا إلى مرتبة الهيمنة المطلقة حضورًا وتتويجًا
منظمة تندد بالحكم ضد الصحفي هيثم المكي والمحامي عبد الناصر العويني
أعلن المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية عن متابعته ببالغ انشغال تواصل إصدار أحكام سالبة للحرية ضد..
نقابة الصحفيين تطالب بمراجعة الحكم في حق الصحفيين حمزة البلومي وإنصاف البوغديري
كان قد صدر حكم عن محكمة الاستئناف بتونس يقضي غيابيًا بسجن حمزة البلومي وإنصاف البوغديري لمدة سنة لكل منهما، وبخطية مالية في حقهما، على خلفية الشكاية التي تقدم بها الرئيس الأسبق للجمهورية التونسية المنصف المرزوقي
حكم بسنة سجنًا في حق حمزة البلومي والمنصف المرزوقي يعلّق.. ما القصة؟
علق الرئيس السابق، المنصف المرزوقي، على حكم السجن الصادر ضدّ عدد من الصحفيين بسبب فيديو..
ما حقيقة اندلاع حريق بالسجن المدني بالمسعدين من ولاية سوسة؟
معطيات تؤكد أنّ سجينيْن بالسجن المدني بالمسعدين، تعرضا لتوّعك صحي استوجب نقلهما إلى المستشفى الجامعي فرحات حشاد، لتلقي الفحوصات اللازمة