خصوبة الرجال في تونس.. تراجع يستدعي المواجهة
29 مايو 2025
كانت "قمر"، التونسية ذات الثمانية والثلاثين عامًا، تتحدث إلى فدوى، سكرتيرة طبيبة النساء والتوليد. بدا عليها الإحباط وهي تخبرها بأنها لم تستطع إقناع زوجها بالذهاب إلى المختبر لإجراء فحص السائل المنوي، وهو الفحص الوحيد المتبقي لاستكمال رحلة بحثهما عن أسباب تأخر الإنجاب.
منذ ما يقارب السنتين، وقمر تحلم بالأمومة. خضعت لكل الفحوصات والتحاليل والأشعة التي طلبتها الطبيبة، وأثبتت جميعها سلامتها. لكن العائق الوحيد الآن هو رفض زوجها القاطع لإجراء الفحص المطلوب، ورغم كل محاولاتها، لم تفلح في إقناعه.
قمر سردت تفاصيل قصتها في غرفة انتظار الطبيبة، حيث تجد النساء ملاذًا للحديث عن همومهنّ وأحاسيسهنّ بقلب مفتوح. ففي هذه المساحة، يجدن من يشاركهن التجربة والشعور، وكأنهن عثرن على مجموعة تفهمهن وتتعاطف معهن.
عند الحديث عن الخصوبة في تونس، والتي وصلت إلى 1.7 طفل لكل امرأة بحسب أحدث أرقام المعهد الوطني للإحصاء، يميل الكثيرون إلى توجيه أصابع الاتهام للمرأة وحدها
مثل قمر، تعاني سهام من مشكلة مشابهة؛ فزوجها يرفض زيارة الطبيب للفحص، ويلقي عليها باللوم في كل مرة يفشل فيها الحمل. هو مقتنع بأنها المسؤولة عن فقدان الجنين في الأشهر الأولى، ويعتبرها "وعاءً غير صالح للحمل"، مستبعدًا تمامًا أن يكون السبب تشوهًا في حيواناته المنوية.
عندما نتحدث عن الخصوبة في تونس، والتي وصلت إلى 1.7 طفل لكل امرأة بحسب أحدث أرقام المعهد الوطني للإحصاء، يميل الكثيرون إلى توجيه أصابع الاتهام للمرأة وحدها.
يرجعون هذا التراجع إلى تأخر سن زواج الفتيات بسبب الدراسة والعمل، مما يقلل من سنوات خصوبتهن. لكن البروفيسور علي سعد، أستاذ علم الأجنة والأنسجة والوراثة، يرى الأمر بشكل مختلف.
أستاذ علم الأجنة والأنسجة والوراثة: البيئة والطعام في تونس، يلعبان دورًا كبيرًا في تدهور خصوبة الرجل
يقول أستاذ علم الأجنة والأنسجة والوراثة لـ "الترا تونس": "عندما نتحدث عن العقم، يجب أن نقول دائمًا (عقم الزوجين)، بدلاً من تقسيمه إلى عقم ذكوري أو أنثوي.. هذا يعني أن المسؤولية لا تقع على طرف واحد، بل هي مشتركة بين الرجل والمرأة".
ويؤثر العقم على حوالي 15% من الأزواج، وتتوزع أسبابه بالتساوي بين الرجال والنساء، حيث يكون السبب ذكريًا في ثلث الحالات، وأنثويًا في ثلث آخر، ومختلطًا (ذكوريًا وأنثويًا) في الثلث المتبقي. هذا يعني أن الرجل يلعب دورًا في نصف حالات عقم الأزواج، على حد تعبيره.
ويشير الدكتور إلى أن أسباب العقم لدى الرجال تتعدد وتشمل:
نقص الهرمونات: الناتج عن مشاكل في الغدة النخامية.
أسباب وراثية: سواء كانت متعلقة بالكروموسومات أو طفرات جينية.
التهابات الجهاز التناسلي.
النكاف (الغدة النكفية) في مرحلة البلوغ.
الحرارة المرتفعة: التي تسببها دوالي الخصية.
المواد السامة: مثل التعرض المتكرر للمبيدات الحشرية أو بعض الأدوية المستخدمة في العلاج الكيميائي.
الخصية الهاجرة: عندما لا تستقر الخصيتان في كيس الصفن وتبقى داخل البطن.
ويضيف أخصائي الأجنة والأنسجة أن "بيئتنا وطعامنا في تونس، يلعبان دوراً كبيراً في هذا التدهور. فالتلوث، والإفراط في شرب الكحول، وتناول الخضروات والفواكه التي تحتوي على مبيدات حشرية، ووجود كميات كبيرة من هرمون الإستراديول في اللحوم التي نأكلها، إضافة إلى البلاستيك وحتى موجات الهواتف المحمولة، كل هذه العوامل ساهمت بشكل ملحوظ في تراجع خصوبة الرجال"، وفقه.
أستاذ في علم الأجنة والأنسجة والوراثة: يؤثر العقم على حوالي 15% من الأزواج، وتتوزع أسبابه بالتساوي بين الرجال والنساء، حيث يكون السبب ذكريًا في ثلث الحالات، وأنثويًا في ثلث آخر، ومختلطًا (ذكوريًا وأنثويًا) في الثلث المتبقي
وتشير التقديرات إلى أنّ الرجال فقدوا 10% من جودة حيواناتهم المنوية خلال الخمسين عامًا الماضية.
أما سبل العلاج فبيّن محدثنا أنها تشمل عدة جوانب:
تجنب الحرارة الشديدة.
تجنب المواد السامة، مثل المبيدات الحشرية والكحول.
في بعض الحالات، يتم العلاج بالهرمونات (العلاج التعويضي).
بالنسبة للحالات الأخرى، يكون الحل هو المساعدة الطبية على الإنجاب، وبشكل أساسي الحقن المجهري.
أخصائية الغدد والسكري: أكثر من 40% من التونسيين فوق سن الأربعين يعانون من ضعف جنسي
بدورها، أكدت الدكتورة أسماء بابا، أخصائية الغدد والسكري، أنّ الاضطرابات في الغدد الصماء لدى الرجل تؤدي إلى خلل هرموني ينعكس سلبًا على الخصوبة، وقد يصل إلى حد العقم. وأوضحت أن هذا الخلل الهرموني يؤثر على شكل وحجم وجودة الحيوانات المنوية.
عزت الدكتورة أسماء بابا أسباب هذا الخلل إلى التغيرات التكنولوجية والصناعية وما نتج عنها من مواد مصنعة وكيميائية. وأشارت إلى أن هذا الخلل قد يبدأ مبكرًا، حتى أثناء فترة الحمل، بسبب تعرض الأم لبعض المواد المصنعة كصبغات الشعر.
وكشفت الدكتورة أن الأبحاث أثبتت أن زجاجات الرضاعة البلاستيكية التي تحتوي على مادة "البيسفينول أ" تساهم في هذا الخلل الهرموني، مما يؤدي إلى مشاكل في خصوبة الذكور وفي وظائف الخصيتين. ولهذا السبب، منعت الاتحاد الأوروبي منع استخدام هذه المادة في عام 2011.
الدكتورة أسماء بابا (أخصائية الغدد والسكري) لـ"الترا تونس": الاضطرابات في الغدد الصماء لدى الرجل تؤدي إلى خلل هرموني ينعكس سلبًا على الخصوبة، وقد يصل إلى حد العقم
في سياق متصل، بيّنت أخصائية الغدد والسكري أنّ مشكلة خصوبة الرجال في تونس تتجاوز هذا الخلل الهرموني. فوفقًا لدراسة أجرتها الجمعية التونسية للأبحاث الجنسية عام 2008، والتي كان هدفها آنذاك إقناع السلطات بالسماح ببيع وتصنيع أدوية علاج العجز الجنسي، تبيّن أن أكثر من 40% من التونسيين فوق سن الأربعين يعانون من ضعف جنسي. هذا الضعف يؤثر بدوره على عملية الخصوبة. ورغم السماح ببيع وتصنيع هذه الأدوية بعد الثورة، مما أتاح للرجال فرصة العلاج، إلا أن النسبة لا تزال تفوق 40% اليوم. ويعتبر التدخين، الكحول، وتعاطي المخدرات من أهم أسباب هذا الضعف الجنسي لدى الرجال.
أخصائية علم النفس الاجتماعي: للرجل أيضًا هرمونات تلعب دورًا في الخصوبة
على صعيد آخر، بينت أخصائية علم النفس الاجتماعي، هاجر النيّال، أنَّ التمثلات الاجتماعية، وهي الأفكار والصور النمطية المتجذرة في أذهان الناس، موجودة في جميع المجتمعات، بما في ذلك العالم العربي والإسلامي.
هذه التمثلات بدأت تتشكل منذ تأسيس الأسرة، حيث كان الأب يُنظر إليه على أنه المسؤول الأول عن الجانب الاقتصادي، بينما كان دور الإنجاب محصورًا بالمرأة. هذه الصورة ترسخت عبر الأجيال لتصبح موروثًا ثقافيًا واجتماعيًا.
وتؤكد الأستاذة النيال في تصريح لـ"الترا تونس"، أنه إذا لم يحدث الإنجاب في الأسرة، فإنّ اللوم غالبًا ما يقع على المرأة؛ لأنها تُعتبر المسؤولة الوحيدة عن هذه العملية، وكأنها "مهنة" منوطة بعهدتها. وهذا يتنافى تمامًا مع الحقائق البيولوجية، حيث إنَّ الرجل والمرأة مسؤولان معًا عن عملية الإنجاب. بل إنَّ تمثلاتنا الجماعية ومخيلتنا غالبًا ما تربط الهرمونات والدورة الشهرية بالمرأة فقط، متجاهلين أنَّ الرجل لديه أيضًا هرمونات تلعب دورًا في الخصوبة، وفقها.
هاجر النيّال (أخصائية علم النفس الاجتماعي) لـ"الترا تونس": مطالبة الرجل بإجراء فحص للحيوانات المنوية، أو حتى زيارة طبيب النساء والتوليد، غالبًا ما يُنظر إليه على أنه مساس بكرامته وهيبته..
ترى الأخصائية أنَّ المجتمع التونسي قد تغير وتطور، وحدث نوع من تقسيم الأدوار بين الرجل والمرأة. ومع ذلك، لم يؤدِ هذا التغيير إلى محو الصورة النمطية للرجل والمرأة فيما يتعلق بالإنجاب، فهذا التمثل الاجتماعي راسخ وعميق. وتشير إلى أنَّ بداية التغيير يجب أن تنطلق من التربية، وهي عملية معقدة وصعبة. فالهوية الذكورية كانت وما زالت مميزة، حيث يُنظر إلى الرجل دائمًا على أنه في قمة العائلة وصاحب الولاية. ولتغيير هذه الصورة، لا بدّ من ثورة فكرية حقيقية.
توضح هاجر النيال أنَّ هذه التمثلات تؤدي إلى اعتبار الرجل مميزًا دائمًا، بينما المرأة دائمًا ناقصة. وهذا يعني أنَّ التشريعات والقوانين وحدها لا تكفي لحل هذه المشكلة، فالأمر برمته يكمن في تمثل فكري واجتماعي عميق داخل العقل الباطن للمجتمع.
تكشف النيال أنَّ مطالبة الرجل بإجراء فحص للحيوانات المنوية، أو حتى زيارة طبيب النساء والتوليد، غالبًا ما يُنظر إليه على أنه مساس بكرامته وهيبته. وإذا تم اكتشاف أنَّ الرجل هو سبب العقم وطالبت المرأة بالطلاق، فإنَّ المجتمع يعتبرها زوجة غير صالحة وغير أصيلة، وقد تُتهم حتى في شرفها. أما إذا حدث العكس (أي كانت المرأة هي سبب العقم)، فإنَّ للرجل الحق في أن يطلق ويبحث عن امرأة أخرى للإنجاب.
في ختام حديثها، تشدد الأخصائية على ضرورة الاستماع إلى الجيل الجديد من الشباب؛ لأنَّ لديه نظرة مختلفة تمامًا للخصوبة. فكثير منه لا يرغب في إنجاب أطفال على هذا الكوكب المهدد بالكوارث الطبيعية جرّاء التغيرات المناخية، ويشعرون أنهم لا يملكون القدرة الفكرية لتحمل مسؤولية طفل. ويرون أنَّ عدم الإنجاب خير من إنجاب الأطفال وإهمالهم، أو تربيتهم في ظلّ هذا العالم المتغيّر.
الكلمات المفتاحية
إقبال متزايد على السياحة الداخلية.. ما هي أفضل وجهات التونسيين لقضاء عطلة الصيف؟
مع حلول فصل الصيف، تشهد السياحة الداخلية في تونس حركيةً لافتةً، إذ يقبل العديد من التونسيين..
ماذا نعرف عن التوجيه الجامعي في تونس لسنة 2026؟
تمثل عملية التوجيه الجامعي في تونس مرحلة أساسية في المسار الدراسي للناجحين في امتحان الباكالوريا..
ارتفاع أسعار النزل والاصطياف في تونس سنة 2026 يثقل كاهل الأسر
تتواصل خلال صائفة 2026 موجة ارتفاع أسعار خدمات النزل والاصطياف في تونس، وسط شكاوى من غلاء تكلفة العطلة الصيفية مقارنة بالموسم الماضي..
منظمة تندد بالحكم ضد الصحفي هيثم المكي والمحامي عبد الناصر العويني
أعلن المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية عن متابعته ببالغ انشغال تواصل إصدار أحكام سالبة للحرية ضد..
نقابة الصحفيين تطالب بمراجعة الحكم في حق الصحفيين حمزة البلومي وإنصاف البوغديري
كان قد صدر حكم عن محكمة الاستئناف بتونس يقضي غيابيًا بسجن حمزة البلومي وإنصاف البوغديري لمدة سنة لكل منهما، وبخطية مالية في حقهما، على خلفية الشكاية التي تقدم بها الرئيس الأسبق للجمهورية التونسية المنصف المرزوقي
حكم بسنة سجنًا في حق حمزة البلومي والمنصف المرزوقي يعلّق.. ما القصة؟
علق الرئيس السابق، المنصف المرزوقي، على حكم السجن الصادر ضدّ عدد من الصحفيين بسبب فيديو..
ما حقيقة اندلاع حريق بالسجن المدني بالمسعدين من ولاية سوسة؟
معطيات تؤكد أنّ سجينيْن بالسجن المدني بالمسعدين، تعرضا لتوّعك صحي استوجب نقلهما إلى المستشفى الجامعي فرحات حشاد، لتلقي الفحوصات اللازمة