خارجية تونس والعدوان على إيران.. الحساب المُفرط يغلب الحناجر
2 مارس 2026
مقال رأي
بعد أكثر من 24 ساعة على بدء العدوان الإسرائيلي والأميركي على إيران التي ردّت باستهداف عواصم خليجية، حيث تتركّز قواعد عسكرية أميركية، وعلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، صدر بيان الخارجية التونسية.
وصف الحدث، في البداية، بأنه "تصعيد عسكري خطير" وذلك دون تسمية الأطراف الرئيسية أي إيران والولايات المتحدة وحتى إسرائيل، مع تأكيد على مبدأ سيادة الدول وإدانة الاعتداء على أراضيها مع تخصيص بشأن استهداف أراضي الدول العربية مع تسميتها. ويُختم البيان بفترة دعوة لـ"العودة إلى طاولة المفاوضات" وضرورة تحمّل مجلس الأمن لمسؤولياته.
بيان حذر جدًا اعتبره البعض يعكس موقفًا مسؤولًا ورصينًا على نحو تقاطعه مع العقيدة التقليدية للدبلوماسية التونسية على مرّ عقود وهي النأي بالنفس تفاديًا لأي اصطفاف، وإن كانت البوصلة محسوبة تاريخيًا على المعسكر الغربي.
بيان حذر جدًا للخارجية التونسية اعتبره البعض يعكس موقفًا مسؤولًا ورصينًا.. وفي المقابل، اعتبره البعض الآخر بيانًا لا يعكس نأيًا بالنفس بقدر ما يعكس تخاذلًا بالمساواة بين المعتدي والمعتدى عليه
في المقابل، اعتبر البعض الآخر أن البيان لا يعكس نأيًا بالنفس بقدر ما يعكس تخاذلًا بالمساواة بين المعتدي والمعتدى عليه والتفادي "غير المبرر" حتى في ذكر أطراف العملية العسكرية بما يفرغ الموقف من وضوحه السياسي دونًا عن الوضوح الأخلاقي أيضًا.
اقرأ/ي أيضًا: تونس تؤكد رفضها استهداف دول عربية وتدعو مجلس الأمن لتحمل مسؤولياته
هنا تتبيّن المعضلة الحقيقية أمام شوائب التناقض بين نصّ البلاغ و"بلاغة" الرئيس سعيّد الذي ما انفكّ يقدّم خطابًا مرتفع السقف. فتونس الرسمية تتحفّظ اليوم على مبدأ حلّ الدولتين على خلاف الموقف التقليدي، وتهاجم الصهيونية بوجه مكشوف، وهذا محمود، إلى درجة اتهامها بأنها تقف وراء تسمية إعصار "دانيال" عام 2023، وبذلك أسهم الخطاب التعبوي في ترفيع سقف التوقعات لجهة انتظار مواقف رسمية أكثر انتصارًا للمبدئية بعيدًا عن البراغماتية المخاتلة.
ولكن بالنهاية يبدو أن الحسابات التي قد تبدو مبالغًا فيها تسبق الحناجر أيضًا. فلو صدر بيان الخارجية في غير هذا الزمن كزمن الرئيس بورقيبة أو بن علي لكان متناغمًا بوصفه تنزيلًا لخيار وخطاب سائد حينها، ولكن الصورة مخالفة راهنًا.
فقبل ستة أشهر، استقبل الرئيس سعيّد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في قصر قرطاج، وتحدث الرئيس عن أنّه "من بين ترتيبات العدوّ الصهيوني بثّ الفرقة وزرع بذور الفتنة بين مكوّنات الأمة الواحدة، بل وبين أفراد الشعب الواحد"، مضيفًا أنّ "الإنسانية قاطبة تنتفض اليوم ضدّ الكيان الصهيوني".
تفادي الخارجية التونسية التعبير عن تضامنها الصريح مع إيران وعدم ذكرها أصلًا والاكتفاء بالحديث عن "تصعيد عسكري خطير".. يجعلنا أمام صورة مُربكة. هي أكثر من كونها غير أخلاقية
ووزير خارجية تونس محمد علي النفطي في المؤتمر الصحفي المشترك مع نظيره الإيراني أكد أن "تونس تقف إلى جانب إيران إزاء أي تهديدات تطالها". وعراقجي بدوره أكد أن العلاقات بين البلدين "تطوّرت في السنوات الأخيرة أكثر من ذي قبل".
بكلّ ذلك، إن تفادي الخارجية التونسية التعبير عن تضامنها الصريح ولم نقل الوقوف إلى جانب إيران في العدوان الذي استهدفها، بل عدم ذكرها أصلًا والاكتفاء بالحديث عن "تصعيد عسكري خطير" وتعميم لمبدأ عدم استهداف الدول وذلك دون تراتبية للأحداث، يجعلنا أمام صورة مُربكة. هي أكثر من أنها غير أخلاقية.
كان واضحًا، في المقابل، تخصيص الإدانة في استهداف الدول العربية وهذا مطلوب من جهة المبدأ، إذ إن استهداف أي بلد عربي، مهما كان مبرّره وغايته، يفترض إدانة رسمية من دبلوماسي كل بلد عربي. لكن المعضلة هو القفز نحو هذه الإدانة بماهي رد فعل "مرفوض" على الفعل الذي يجب أن يُعلن أيضًا أنه مرفوض.
اقرأ/ي أيضًا: العدوان على إيران.. أحزاب تونسية تندد وتحذيرات للمقيمين في الخليج العربي
ما مردّ هذا الإرباك المقلق؟ يبدو أنه لا يمكن تجاوز الدور الأميركي المباشر في هذا العدوان على نحو جعل المؤسساتية الدبلوماسية تفضّل الظهور في صورة الطرف الذي يدين "التصعيد" ويذكّر بالمبادئ لا أكثر، مع رفض تسمية جهة الاعتداء تفاديًا لذكر الطرف الأميركي وخشية إظهار انحياز لـ"الضحية" واستدعاء غضب الرجل البرتقالي الذي يميل بطبعه للاستعداء مع الجميع عدا الكيان.
ويتعزّز هذا التقدير بأنه في العدوان الإسرائيلي على إيران في جوان/يونيو 2025، أدانت الخارجية وقتها جهة الاعتداء، واعتبرت أن "الشرعية الدولية لا تجيزه ولا تبرّره تحت أي غطاء" مع عدم ذكر الطرف الأميركي دائمًا. لكن الصورة حاليًا مغايرة بحيث لا يمكن ذكر الطرف الإسرائيلي والحال أن الطرف الأميركي كان الطرف الحيوي في عدوان 28 فيفري/فبراير 2026، ولذلك كان الخيار هو عدم ذكر أي جهة مطلقًا، بل عدم ذكر إيران نفسها.
أن تعلن قبل أشهر أن تونس تقف إلى جانب إيران ضد أي تهديد يطالها، وتحتفي بوزير خارجيتها ثم لا تستطيع حتى ذكر اسم الدولة في بيان رسمي للخارجية التونسية ولا إدانة الاعتداء عليها حتى، فتلك ازدواجية
في المحصّلة، بلاغ الخارجية يعكس مرة أخرى الفجوة بين التصعيد الخطابي الذي ترفعه الحناجر من جهة وبلاغات المؤسسة التي تعدّ بالنهاية المعيار الواقعي لتحديد الموقف الرسمي من جهة أخرى.
فجوة بين تصعيد يبدو أنه مجرد اندفاعة بلاغية لتفريغ قناعة في لحظة ما أو في سياق تعبئة داخلية وحسابات واضحة تعكس براغماتية تبدو مفرطة في نهاية المطاف. فأن تعلن قبل أشهر أن تونس تقف إلى جانب إيران ضد أي تهديد يطالها، وتحتفي بوزير خارجيتها وتبشّره بأن "الإنسانية تنتفض اليوم ضد الكيان الصهيوني" ثم لا تستطيع حتى ذكر اسم الدولة ولا إدانة الاعتداء عليها حتى، فتلك ازدواجية. هنا لا نطرح السؤال عن مشروعية الموقف الرسمي في ذاته، بل عن السلوك المربك وبالخصوص تجاه الرأي العام الداخلي الذي ما فتئ يسمع خطابات صدامية بمعجم حربي أحيانًا.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية
البلديات التونسية في مهب رياح العبث
بعد مرور 3 سنوات كاملة على حلّ المجالس البلدية المنتخبة وإسناد تسييرها إلى الكتّاب العامين (الإدارة البلدية)، لا نزال إلى اليوم لا نعرف إن كانت ستعود إلى سالف عملها تحت إشراف مجالس منتخبة، أم لا
ضياع قرينة البراءة أمام قضاء منزوع الاستقلالية
الضحية ليس المتهم الذي يظلّ بريئًا إلى أن تثبت إدانته، ولكنها قرينة البراءة التي تعدّ حق جوهري لكل فرد، وهي حجر الأساس في الدفاع، ومن حولها ضمانات المحاكمة العادلة
500 دجاجة وكلب ونخّالة!
"المشهد الّذي يختزل تونس في 500 دجاجة وكلب ونخّالة، ليس سوى انعكاس لسياسة إدارة البلاد بعناوين صغيرة في زمن أحداثٍ كبيرة.."
زيادة بنحو 15.7%.. تسجيل 1310 تحركات احتجاجية منذ بداية 2026 في تونس
المرصد الاجتماعي التونسي: الفاعل الاجتماعي خرج من وضع الركود والتفكك الذي أصابه، وقد عاد للاعتماد أشكال الاحتجاج كآلية للمطالبة بالحق وكطريقة للتعبير عن الغضب والرفض وعدم الرضاء
البلديات التونسية في مهب رياح العبث
بعد مرور 3 سنوات كاملة على حلّ المجالس البلدية المنتخبة وإسناد تسييرها إلى الكتّاب العامين (الإدارة البلدية)، لا نزال إلى اليوم لا نعرف إن كانت ستعود إلى سالف عملها تحت إشراف مجالس منتخبة، أم لا
اتحاد الشغل: ندين الارتفاع غير المسبوق للأسعار ونطالب بالزيادة في الأجور
الهيئة الإدارية الوطنية لاتحاد الشغل: نرفض استمرار غياب الحوار الاجتماعي على مستوى المؤسّسات والجهات والمركز، وهو ما يُعقق الأزمة بدل حلَّها ويُضعف إمكانيات التوافق حول الإصلاحات الضرورية
إحياءً ليوم الأسير الفلسطيني.. نشطاء أسطول الصمود في إضراب جوع داخل السجن
هيئة الصمود التونسية: المناضلون المعتقلون في السجون التونسية منذ قرابة 41 يومًا، قرّروا تحويل زنازينهم إلى ساحات نضالية للتضامن مع الأسرى في سجون العدو، عبر دخولهم في إضراب عن الطعام