ultracheck
رأي

حين يصبح انقطاع الكهرباء جريمة.. في خطاب المؤامرة والملاحقة بالاشتباه

25 يوليو 2026
حين يصبح انقطاع الكهرباء جريمة.. في خطاب المؤامرة والملاحقة بالاشتباه
سماح "الستاغ" بتركيب بطاريات تخزين الطاقة الكهروضوئية في المساكن، يكشف أنّ الدولة تُشرّع بضغط الأزمة لا باستباقها (صورة توضيحية/ إيمان بن يوسف/ أ ف ب/ Getty)
طارق الكحلاوي
طارق الكحلاويأكاديمي وناشط سياسي من تونس

مقال رأي 
 

نقلت وسائل الإعلام في الأيام الأخيرة عن مصدر مطّلع أنّ النيابة العمومية بعدد من محاكم الجمهورية — تونس وتونس 2 ونابل وصفاقس وبنزرت وغيرها — أذنت بفتح أبحاث عدلية عاجلة في ملابسات انقطاع الكهرباء عن عدة مناطق لفترات مطوّلة ودون سابق إنذار، وبسماع المسؤولين عن ذلك واتخاذ الإجراءات اللازمة على ضوء ما ستسفر عنه الأبحاث من تحديد للمسؤوليات. وقد أكد عميد المهندسين في تصريح يوم 24 جويلية/يوليو أنه تمّ فعلًا البدء في استدعاء مهندسين من "الستاغ" للتحقيق.

ونحن نشهد الذكرى الخامسة من استقرار سلطة 25 جويلية/يوليو، يستحق الخبر أن نقف عنده طويلًا، لا لأنه استثناء بل لأنه قاعدة ونموذج على أحد أهم مقومات الهوية الجينية لهذه السلطة. فحين تعجز السلطة عن تفسير عطب في السياسات العمومية، لا تفتح نقاشًا حول التخطيط ولا تنشر معطيات ولا تعتذر، بل تفتح ملفًا جزائيًا. ينتقل السؤال في لحظة واحدة من "لماذا لم نستعدّ لصيف أنذرت به المؤشرات منذ أشهر؟" إلى "من ذي الشبهة؟". ويتحوّل عجز مؤسسة عمومية أنهكها الدين وتأخّر الاستثمار وتقادم الشبكة إلى شبهة تستوجب البحث والسماع. هكذا تُدار الأزمات في تونس منذ خمس سنوات: تُستبدل المسؤولية السياسية بالمسؤولية الجزائية، ويُستبدل التفسير بالاتهام.

حين تعجز السلطة عن تفسير عطب في السياسات العمومية، لا تفتح نقاشًا حول التخطيط ولا تنشر معطيات ولا تعتذر، بل تفتح ملفًا جزائيًا. ينتقل السؤال في لحظة واحدة من "لماذا لم نستعدّ لصيف أنذرت به المؤشرات منذ أشهر؟" إلى "من ذي الشبهة؟"

يقدّم التاريخ سابقة دالّة. ففي 17 سبتمبر/أيلول 1793، وفي عزّ "عهد الإرهاب" إبّان الثورة الفرنسية، صدر "مرسوم المشتبه بهم" (Décret relatif aux gens suspects). واجهت الجمهورية يومها حصارًا خارجيًا وتمردات داخلية، فأباح المرسوم أن تعتقل السلطة فئة "المشتبه بهم" دون حكم ولا دليل قاطع، بتعريف مطاط يشمل من عجز عن إثبات ولائه أو لم يحصل على "شهادة المواطَنة". ويستشهد به الفكر القانوني إلى اليوم بوصفه النموذج الأصفى لانتقال الدولة من معاقبة الأفعال المثبَتة إلى ملاحقة الأشخاص بالشبهة.

وتعيد تونس اليوم إنتاج البنية ذاتها بمفردات معاصرة. فقد أصدرت السلطة المرسوم 54 لسنة 2022 باسم مكافحة الجرائم الإلكترونية، فصار أداة لتجريم الرأي: رفعت نحو خمس عشرة قضية ضد صحفيين ولاحقت عشرات المواطنين على تدوينات. وأتبعته بالمرسوم 14 حول "المضاربة غير المشروعة"، الذي شرّع عقوبات تبلغ السجن بقية العمر ووسّع تعريف الجريمة حتى شمل التخزين، فجعل مجرّد وجود بضاعة في مخزن قرينةً على "الاحتكار". وبذلك اكتمل جناحا الاشتباه: يلاحق الأول الكلمة، ويلاحق الثاني التخزين؛ يجرّم الأول المعارض، ويجرّم الثاني التاجر، ويقلب كلاهما قرينة البراءة.

اقرأ/ي أيضًا: حكم العصا مفسدة دائمة.. دروس ما بعد 25 جويلية

يؤدي هذا الخطاب ثلاث وظائف. يُعفي أولًا من المساءلة فما دام العطب مؤامرة، فلا لزوم لسؤال عن التخطيط أو الصيانة. ويوفّر ثانيًا كبش فداء يُوجه إليه الغضب. ويُنتج ثالثًا حالة استثناء دائمة تُبرّر تعليق الضمانات القانونية. غير أنّ لهذه الوظائف كلفة تتشكّل في صمت. فحين يعلم الإطار في مؤسسة عمومية أنّ الخطأ المهني قد ينتهي به إلى كرسي الاستنطاق، يمتنع عن المبادرة وينتظر التعليمات — وهو أسوأ ما يصيب إدارة تحتاج إلى قرار سريع في أزمة. وحين يعلم التاجر أنّ تخزين بضاعته قد يُقرأ احتكارًا، يمتنع عن تكوين المخزونات، فتتفاقم الندرة التي زعم القانون أنه يعالجها. وحين يعلم الصحفي أنّ تدوينة قد تكلّفه سنوات، ينكفئ عن التقصّي، فيفقد المجتمع كما الدولة أهم أجهزة إنذارها المبكر.

تحوّل عجز مؤسسة عمومية أنهكها الدين وتأخّر الاستثمار وتقادم الشبكة إلى شبهة تستوجب البحث والسماع. هكذا تُدار الأزمات في تونس منذ خمس سنوات: تُستبدل المسؤولية السياسية بالمسؤولية الجزائية، ويُستبدل التفسير بالاتهام

لا نحتاج إلى دليل خارجي على هذه الكلفة، فالسلطة نفسها قدّمته. ففي 16 جويلية الجاري أصدرت وزارة التجارة بلاغًا حول خزن منتجات الفلاحة والصيد البحري، ذكّرت فيه المتعاملين بأنّ الخزن يمثّل "آلية استراتيجية وهامة" لإسناد الإنتاج الوطني وتعديل السوق، وميّزت بين الخزن المنظّم والخزن العشوائي الاحتكاري، ثم دعتهم إلى ممارسة نشاطهم "بصفة عادية" وحثّتهم على الانخراط في تكوين المخزونات التعديلية والاستراتيجية. فالدولة التي شرّعت السجن بقية العمر على التخزين المشتبه فيه، تجد نفسها اليوم مضطرة إلى أن تُذكّر التجار بأنّ التخزين وظيفة مشروعة وأن تُطمئنهم إلى أنّ بوسعهم العمل بصفة عادية. فحين تحتاج الدولة إلى بلاغ يُقنع الفاعلين بأنّ نشاطهم الطبيعي ليس جريمة، تعترف ضمنًا بأنّ نصوصها جمّدت هذا النشاط. أنتجت السلطة المشكلة بالمرسوم وتحاول تلافيها بالبلاغ — والمرسوم يُلزم ويعاقب، أما البلاغ فيرجو ويطمئن، ولا تُبنى الثقة الاقتصادية على الرجاء بعد أن هُدمت بالتجريم.

اقرأ/ي أيضًا: أزمة الكهرباء والعشرية

ويتكرّر النمط ذاته في ملف الكهرباء نفسه. فقد أعلمت الشركة التونسية للكهرباء والغاز حرفاءها من القطاع السكني بأنه بات بإمكانهم رسميًا تركيب بطاريات تخزين الطاقة الكهروضوئية المرتبطة بمحوّلات هجينة، بما يتيح لمن يملكون ألواحًا شمسية أن يستفيدوا من الكهرباء المخزّنة حتى أثناء انقطاعات تعديل الأحمال، مع دليل فني يضبط شروط السلامة والتركيب. القرار في ذاته سليم ومنتظَر منذ سنوات، لكنّ توقيته يكشف ذات الذهنية. حيث لم يصدر في مناخ تخطيطي هادئ بل تحت وطأة الظلام وغضب الناس، أي أنّ الدولة تُشرّع بضغط الأزمة لا باستباقها.

وليست المشكلة في التوقيت وحده. فالإجراء قد يرتدّ عكسيًا إن بقي معزولًا، لأنّ البطاريات تُشحن أيضًا من الشبكة، ولأنّ ضمان التيار أثناء الانقطاع يشجّع على مزيد من الاستهلاك لا على ترشيده — فيُثقل كاهل الشبكة بدل أن يخفّفه. ولا يستقيم القرار إلا إذا رافقه مساران متوازيان. أولهما تعميم سريع للعدادات الذكية، التي لا يتجاوز عددها اليوم حدود مئة ألف من أصل نحو أربعة ملايين عدّاد — وبدونها لا تملك الستاغ أدوات التسعير حسب أوقات الذروة ولا إدارة الطلب، فتبقى تعالج الأزمة بالقطع العشوائي وحده. وثانيهما تسريع إحداث وحدات إنتاج شمسية بنظام التراخيص لفائدة المستثمرين التونسيين، مصمَّمة على مقاس الكثافة السكانية في المدن الصغيرة والأحياء، أي إنتاج لامركزي قريب من موقع الاستهلاك يخفّف الضغط على النقل والتوزيع ويحتفظ بالقيمة المضافة داخل النسيج الاقتصادي الوطني. أما أن نُجيز البطاريات ونؤجّل العدّادات والتراخيص، فذلك تلافٍ جزئي يعالج العرَض ويترك السبب.

لن تُصلح الأبحاث العدلية شبكة كهربائية متقادمة، ولن تُنتج ميغاواطًا واحدًا إضافيًا. ما يُنتج الكهرباء هو الاستثمار والصيانة والتخطيط في وقتها، وعدّادات ذكية تُدير الطلب، وتراخيص تُطلق طاقة التونسيين أنفسهم

هكذا يُنتج خطاب المؤامرة عكس ما يعد به. إذ يَعِد بحماية الدولة فيشلّ إدارتها، ويَعِد بحماية المستهلك فيُجفّف الأسواق، ويَعِد بكشف الحقيقة فيخنق من يستطيع كشفها. وقد أدرك ابن خلدون الآلية حين كتب أنّ "الظلم مؤذن بخراب العمران"، ولم يقصد مصادرة الأموال فحسب، بل كل اعتداء على الحقوق والأمن القانوني، لأنه يقتل حافز العمل والمبادرة، فينقبض العمران وتنهار الجباية.

وقد يُقال إنّ تركز السلطة في يد واحدة ثمنٌ لازم للنجاعة، وإنّ الديمقراطية عاجزة عن إدارة الأزمات. لكنّ التجربة التونسية القريبة تدحض ذلك. فحكومة إلياس الفخفاخ، وهي حكومة تحالف سياسي هشّ أفرزته انتخابات حرة ونزيهة وبرلمان مشتّت لا أغلبية فيه، واجهت مطلع 2020 موجة كوفيد الأولى فأدارتها بمنهج معاكس تمامًا لما نراه اليوم. قرّرت مبكرًا قبل أن تتفاقم الأرقام، وأغلقت الحدود ثم فرضت الحجر الصحي الشامل استباقًا لا ردّ فعل، واستندت إلى لجنة علمية أُعلنت توصياتها، وواظبت على التواصل اليومي بالمعطيات مع الناس بدل التعتيم عليهم. وكانت الحصيلة أنّ تونس عبرت الموجة الأولى بأرقام إصابات ووفيات من الأدنى في المنطقة، ونالت إشادة دولية واسعة. 

لم تستطع سلطة تحتكر القرار كاملًا أن تستعدّ لصيف أنذرت به المؤشرات منذ أشهر. فالتسلّطية الرئاسوية لا تنتج النجاعة، بل تُخفي عجزها عن التسيير العقلاني خلف خطاب المؤامرة

ولم تكن تلك الحكومة نموذجًا في كل شيء — خاصة بعد إسقاطها من قبل أكبر حزب في التحالف الذي أفرزها فقط ليحافظ على تحالف برلماني يقوّي سلطة الحزب على حساب المصالح العليا للبلاد، وتحت عنوان قضية "تضارب مصالح" لم يقرّها القضاء — لكنها أثبتت أنّ ائتلافًا ديمقراطيًا ضعيفًا سياسيًا يستطيع أن يستبق أزمة، بينما لم تستطع سلطة تحتكر القرار كاملًا أن تستعدّ لصيف أنذرت به المؤشرات منذ أشهر. فالتسلّطية الرئاسوية لا تنتج النجاعة، بل تُخفي عجزها عن التسيير العقلاني خلف خطاب المؤامرة.

يستدعي الأمر تمييزًا لا يقبل التمييع. تفترض المحاسبة قضاءً مستقلًا ومعايير واحدة وقرينة براءة، وتبدأ من أعلى الهرم لا من أسفله. أما الملاحقة بالاشتباه فتقلب المعادلة، إذ تستهدف من لا يملك حماية وتتوقّف عند من يملكها. فبعد خمس سنوات من شعار "من أين لك هذا؟"، لم تسترجع الخزينة ما يُذكر من "الأموال المنهوبة"، بينما امتلأت الملفات القضائية بصحفيين ومعارضين وتجار — والآن بإطارات كهرباء يُستدعون للبحث في عطب ورثوه ونبهوا منه ولم يصنعوه. إذ من يصنعه من يحدد السياسات العمومية وليس من ينفذها.

لن تُصلح الأبحاث العدلية شبكة كهربائية متقادمة، ولن تُنتج ميغاواطًا واحدًا إضافيًا. ما يُنتج الكهرباء هو الاستثمار والصيانة والتخطيط في وقتها، وعدّادات ذكية تُدير الطلب، وتراخيص تُطلق طاقة التونسيين أنفسهم. وما دامت السلطة تفضّل أن تبحث عن مشتبه به بدل أن تبحث عن سبب فني وتقني، وأن تتحرّك بعد الأزمة بدل أن تستبقها، فسيعود الظلام كل صيف — ومعه الأبحاث، والبلاغات، والمتهم الجديد.

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت" 

الكلمات المفتاحية

تثبيت أحكام قضية التآمر.. أحزاب محاكمة سياسية للمعارضة الرافضة للانفراد بالحكم

تثبيت حكم قضية التآمر في تونس.. هل من جديد؟

قرار رفض التعقيب، في الأثناء، يسدل الستار على مسار التقاضي ولكنه يؤشر على بدء مرحلة جديدة لقضية "التآمر" وهي حصره كملف سياسي في إطار النضال الحقوقي والديمقراطي لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين


حقوق حريات حزب المسار شبكة الحقوق

سؤال "ما البديل؟".. بين التّعجيز والعجز

لم يعد السّؤال عن البديل مجرّد ترف فكريّ.. والأهمّ من ذلك، أنه لم يعد من المُحرّمات في الشّارع التّونسيّ. ولعلّ الإجابة تستوجب، إعادة صياغة السّؤال ذاتِه، من "ما البديل؟" إلى "كيف نبني هذا البديل؟"


جحيم السّجون

جحيم السّجون في تونس

من التّهم الموجّهة من أنصار الرئيس سعيّد، لكلّ من يُثير مسألة الوفيّات الأخيرة، هي عدم حيازة تقرير طبّيّ يُؤكّد الحرّ سببًا للوفاة، والحال أنّه على الدّولة أن تُقدِم على تلك الإجراءات، من باب الشّفافيّة


حين يتحوّل التشخيص نفسه إلى "أمر غير طبيعي"

حين يتحوّل التشخيص نفسه إلى "أمر غير طبيعي"

طارق الكحلاوي: السلطة، حين تتعامل مع كل عطب خدماتي بوصفه اعتداءً خارجيًا أو تخريبًا داخليًا منظمًا، تحرم نفسها من الأداة الوحيدة التي تمكّنها من حل المشكلة فعليًا أي التشخيص الموضوعي

أمطار تونس منخفض جوي تقلبات جوية بلعيد.jpg
منوعات

درجة إنذار تتطلب الحذر.. أمطار رعدية ورياح قوية تشمل 18 ولاية تونسية

معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تصل إلى 41 درجة بالجنوب الغربي

البطولة العربية لألعاب القوى
منوعات

تونس تحصد 17 ميدالية في البطولة العربية لألعاب القوى تحت 18 سنة

اختتمت تونس يوم الأربعاء 9 سبتمبر 2026 مشاركتها في البطولة العربية لألعاب القوى تحت 18 سنة، التي احتضنتها مصر من 5 إلى 9 سبتمبر الجاري، بحصيلة جملية ناهزت 17 ميدالية


مدرج المنار.jpg
مجتمع

جامعة التعليم العالي: ندعو إلى مفاوضات عاجلة والترفيع في منحة العودة الجامعية

الجامعة العامة للتعليم العالي: تنامي أعداد الدكاترة الباحثين العاطلين عن العمل يظل مؤشرًا آخر على غياب التخطيط الكفيل بتحقيق التوازن بين منظومة التكوين الجامعي وحاجيات سوق الشغل

طقس
منوعات

طقس تونس.. درجات الحرارة في ارتفاع طفيف وتصل القصوى إلى 41 درجة

أعلن المعهد الوطني للرصد الجوي أن طقس اليوم الأربعاء 9 سبتمبر/أيلول 2026 سيكون قليل..

الأكثر قراءة

1
منوعات

إطلاق برنامج "مدرب المواهب" لاكتشاف براعم الكرة في تونس.. ما التفاصيل؟


2
سیاسة

تونس تُحذّر بجنيف من اختلالات النظام الدولي وتدعو لإصلاح مجلس الأمن


3
سیاسة

السالمي: الوضع الحالي في تونس متأزم وخطير والسلطة اختارت صدّ الأبواب


4
مجتمع

تقلبات جوية منتظرة في تونس.. دعوات لرفع درجة التأهب واليقظة


5
سیاسة

حراك "يزي" يعلن هويته السياسية: نرفض حكم الفرد في تونس