ultracheck
رأي

حين يتحوّل التشخيص نفسه إلى "أمر غير طبيعي"

30 أغسطس 2026
حين يتحوّل التشخيص نفسه إلى "أمر غير طبيعي"
من زيارة الرئيس قيس سعيّد إلى إحدى وحدات إنتاج المياه المعدنيّة وتعليبها بتاريخ 22 أوت 2026 (رئاسة الجمهورية التونسية)
طارق الكحلاوي
طارق الكحلاوي أكاديمي وناشط سياسي من تونس

مقال رأي

 

زار الرئيس قيس سعيّد أحد معامل تعليب المياه في سياق أزمة تزويد اشتدّت حدتها، وتفقد في الاثناء سد نبهانة، وأيضا منطقة برج الرأس في المهدية، وعلّق على ما يجري بعبارة صارت مألوفة في خطابه: "ما يحدث غير طبيعي". العبارة صحيحة في جوهرها، لكنها تُخطئ في تحديد "ماهية اللاطبيعي". فثمة فعلًا أمر غير طبيعي يجري في تونس اليوم، غير أنه ليس انقطاع الماء ولا تراجع منسوب السد، بل هو تعطّل قدرة السلطة نفسها على قراءة أسباب ما يحدث، وإصرارها الدائم على استبدال التشخيص بالتخمين المؤامراتي.

  • حين يُقصى صانع القرار الخبير من آليات التفسير

في الزيارة نفسها، حاول أحد إطارات المعمل أن يشرح للرئيس أن اضطراب الإنتاج يعود إلى انقطاعات الكهرباء التي شهدتها البلاد في جويلية/يوليو، وامتدت إلى مناطق صناعية عديدة فأضرّت بوتيرة الإنتاج في أكثر من قطاع. وهذا تفسير يمكن التحقق منه ميدانيًا: إذ يؤكد المتابعون للملف عن قرب أن مخزون الماء المعلب استُنفد فعليًا خلال النصف الثاني من جويلية، تزامنًا مع اضطراب في التزود بالكهرباء شمل عدة مناطق صناعية. غير أن هذا النوع من التفسير، رغم دقته الفنية وقابليته للتدقيق، لا يبدو أنه يجد آذانًا صاغية عند من يفترض فيه أن يبني قراره على المعطى لا على الحدس.

ثمة فعلًا أمر غير طبيعي يجري في تونس اليوم، غير أنه ليس انقطاع الماء ولا تراجع منسوب السد، بل هو تعطّل قدرة السلطة نفسها على قراءة أسباب ما يحدث، وإصرارها الدائم على استبدال التشخيص بالتخمين المؤامراتي

المفارقة هنا مضاعفة: فحين يتاح للسلطة تفسير عقلاني وقابل للتحقق، من موظف ميداني يعرف تفاصيل الإنتاج أكثر من أي جهة أخرى، يُستقبَل هذا التفسير بلا مبالاة تقريبًا، بينما تُمنح القراءة المؤامراتية الجاهزة كامل الثقة دون أي عبء إثبات. وهذا بالضبط ما يجعل "اللاطبيعي" الحقيقي لا يكمن في العطب بل في آلية معالجته.

  • المؤامرة كإعفاء من المساءلة، لا كتفسير

القراءة المؤامراتية ليست مجرد خطأ تحليلي عابر، بل هي اختيار وظيفي يؤدي أدوارًا محددة. فهي تُعفي أولًا من المساءلة، وما دام العطب مؤامرة، يسقط السؤال عن التخطيط وخاصة استشراف أزمة محتملة للكهرباء في الصيف والصيانة الدورية وجدول الاستثمار في البنية التحتية المائية. وهي تُنتج ثانيًا كبش فداء جاهزًا يُصرف إليه الغضب الشعبي بدل أن يوجَّه نحو من يملك فعلًا سلطة القرار. وهي تُكرّس ثالثًا حالة استثناء دائمة تبرر تعليق النقاش العقلاني، لأن "الأزمة" تصبح معركة وجود لا مسألة إدارة.

اقرأ/ي أيضًا: قيس سعيّد يعلّق على أزمة الماء والكهرباء: الوضع العام غير طبيعي في تونس

غير أن لهذه المقاربة كلفة تتراكم في صمت. فالإطار الذي يعلم أن أي تفسير فني قد يُقرأ تواطؤًا أو تقصيرًا متعمدًا، يمتنع عن المبادرة وينتظر التعليمات، وهو أسوأ ما يصيب إدارة تحتاج في لحظة أزمة إلى قرار سريع مبني على معرفة ميدانية. وهذا ما يفسر جزئيًا لماذا تتكرر الأزمة الخدماتية نفسها دون أن يُبنى عليها تراكم معرفي أو إصلاح هيكلي.

  • اللاطبيعي هو التنصل من واجب النظر

حين يقف رئيس الدولة أمام معمل متوقف عن الإنتاج، ويستمع إلى تفسير فني دقيق قابل للتحقق، ثم يمر عليه دون أن يبني عليه خطابه، فإن ما يحدث هو تنصل من واجب أساسي في الحكم وهو واجب النظر إلى المشكلة كما هي، لا كما يقتضيها الخطاب الجاهز. فالسلطة، حين تتعامل مع كل عطب خدماتي بوصفه اعتداءً خارجيًا أو تخريبًا داخليًا منظمًا، تحرم نفسها من الأداة الوحيدة التي تمكّنها من حل المشكلة فعليًا أي التشخيص الموضوعي.

المفارقة الأعمق أن هذا الإصرار على القراءة المؤامراتية يُقدَّم غالبًا بوصفه يقظة سياسية، بينما هو في جوهره تهرّب من مسؤولية الفهم. فالمواطن في المهدية لا ينتظر من يخبره بوجود مؤامرة، بل ينتظر ماء في حنفيته. وحين يغيب الماء ويحضر الخطاب، يتأكد أن العطب الحقيقي ليس في السد ولا في المعمل، بل في الطريقة التي تُدار بها الدولة نفسها لحظة الأزمة.

حين يقف رئيس الدولة أمام معمل متوقف عن الإنتاج، ويستمع إلى تفسير فني دقيق قابل للتحقق، ثم يمر عليه دون أن يبني عليه خطابه، فإن ما يحدث هو تنصل من واجب أساسي في الحكم وهو واجب النظر إلى المشكلة كما هي، لا كما يقتضيها الخطاب الجاهز

وحينها تنتهي القراءة المؤامراتية إلى جعل السلطة، في ذهن جمهور الناس، في مظهر غير القادر والعاجز عن الإنجاز بل عن توفير "الوضع الطبيعي" والمعتاد في الخدمات الأساسية. بمعنى آخر تلتهم في نهاية الأمر القراءة المؤامراتية صانعيها، لأن الضحوية تجاه مؤامرات دائمة يصبح عبر الوقت ضعيفًا غير قادرة على إيجاد الحلول.

المفارقة أن السلطة الحالية، وخاصة منذ 25 جويلية، تسيطر بشكل كامل على مختلف نواحي السلطة التنفيذية بدون منافسة من أي طرف كان. هي ربما السلطة الأكثر صلاحيات من أي سلطة أخرى وفي سياق عام يتسم بسلبية الجمهور ورغبته التلقائية في تركها تفعل ما تشاء. صحيح أنّ الوضع المحلي والإقليمي والدولي معقد ومليء بالمطبات والمشاكل الهيكلية، لكن طريقة تجاوز ذلك ليس في التعتيم على الحقائق بل في إضاءة المشاكل.

وهو ما يصبح حتميًا بسبب محدودية قدرة الإعلام على إضاءة المشاكل، الناتجة في جزء منها على مراسيم وقوانين تمنع المسؤولين في الخوض علنًا في هذه المشاكل، وبرلمان محدود الصلاحيات لا يستطيع إجبارهم على المساءلة والخوض في أسباب الأزمات، والسياق الإعلامي العام الذي أدى لتراجع الشأن السياسي والعام بما في ذلك بتأثير تفعيل قوانين استيلاب الرأي، كلها عوامل لا تساعد في التشخيص الموضوعي بل في القراءة المؤامراتية التي تستفيد عمومًا من العتمة. 

وينتهي الأمر حينها بأن يتم النظر لأي نقاش لهذه المسائل بأنه "تأجيج للأوضاع". ديناميكية سلبية شاملة تعمق في الأزمات ولا تحل المشاكل، ومن ثمة لا يبقى إلا حالة الصدام مع الغضب العارم الذي ينفجر فجأة بدون أي وسائط (المهترئة والمهمشة)، خاصة إذا بدت السلطة في مظهر العاجز أمام ما تعتبره مؤامرات مستديمة.

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت" 

الكلمات المفتاحية

حرية التعبير حرية الصحافة المرسوم 54.jpg

10 ملاحظات حول تنقيح المرسوم 54.. وميض خافت لا يبدّد الظلام

"إن تنقيح المرسوم على محدوديته.. هو إقرار من السلطة السياسية صاحبة المرسوم أي رئيس الجمهورية بخطيئة إصداره بالصيغة الأصلية عام 2022، وما سبّبته من محاكمات وعقوبات سجنية شملت عديد التونسيين"


المرسوم 54 الشاذلي بن إبراهيم  Getty NurPhoto

المرسوم 54 ليس أصل الدّاء

بالعقيدة الزّجريّة ذاتِها، لنظام زين العابدين بن عليّ بادر الرّئيس، قيس سعيّد، في خريف عام 2022، بإصدار المرسوم 54.. وسرعان ما تحوّل هذا النّصّ إلى سيف مسلّط على رقاب كلّ نَفَسٍ نقديٍّ في البلاد


شرف هذا الطفل التونسي السجن من أجل فلسطين

شرف هذا الطفل التونسي السجن من أجل فلسطين

تلفيق التهم بتعلّة الفساد المالي وسوء التصرف في التبرعات، فهذا النوع من التهم قد يصدق في مسائل الشأن العام الداخلي والمحلي، لكنه لا يصلح في التعامل مع موجات التطوع والتبرع بالدم والمال لأجل فلسطين


شارع الحبيب بورقيبة LIONEL BONAVENTURE AFP.jpg

السلطة في مواجهة نفسها.. تحديات العام السياسي القادم في تونس

يربط خيط واحد بين هذه النقاط، ويكشف أن السلطة، في كل واحدة منها، تصنع بيدها الأسباب التي تُضعفها. فلا يوجد خصم يمنعها من حل أزمة الكهرباء، ولا مؤامرة تفرض عليها ملاحقة مناضلي الأسطول ومسانديهم..

طقس تونس.. أمطار متفرقة مع استقرار في درجات الحرارة
منوعات

طقس تونس.. سحب كثيفة مع أمطار وانخفاض في درجات الحرارة

معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تشهد انخفاضًا نسبيًا، وتصل أقصاها إلى 31 درجة بأقصى الجنوب

مطر طقس غيتي.jpg
منوعات

معهد الرصد الجوي يكشف الولايات المعنيّة بنزول أمطار غزيرة يوم الجمعة

معهد الرصد الجوي: يتواصل نزول أمطار متفرقة ومؤقتًا رعدية يوم الغد السبت 10 أكتوبر 2026 بالمناطق الساحلية الشمالية


إلزامية تقديم بطاقة عدد 3 عند طلب تأشيرات عمل جديدة للتونسيين بالإمارات
سیاسة

الإمارات تفرض البطاقة عدد 3 على التونسيين الراغبين في العمل بها

بالنسبة إلى المواطنين التونسيين الموجودين بدولة الإمارات بتأشيرات زيارة، الذين تحصلوا على فرص عمل ويرغبون في تسوية وضعياتهم القانونية واستكمال إجراءات الحصول على تأشيرات عمل، أفادت القنصلية بأنهم يتمتعون بمهلة قدرها 45 يومًا من تاريخ دخول القرار حيز التنفيذ.

طقس مطر غيتي_0.jpg
منوعات

طقس تونس.. الحرارة في انخفاض ملحوظ مع أمطار غزيرة بعدد من الجهات

معهد الرصد الجوي: الريح تكون قوية نسبيًا فتدريجيًا قوية قرب السواحل الشرقية وبالجنوب حيث تثير محليًا الرمال والأتربة وضعيفة فمعتدلة ببقية الجهات

الأكثر قراءة

1
منوعات

جوائز "إندا العالم العربي".. تتويج 3 مبادرات بيئية تونسية


2
سیاسة

حزب تونسي يستنكر ما رافق محاكمة رياض بن فضل ويطالب بالإفراج الفوري عنه


3
مجتمع

الكراء المملك في تونس.. كل ما يجب أن تعرفه لاقتناء مسكن


4
منوعات

البطولة التونسية..الترجي يتألّق بثلاثية والإفريقي والصفاقسي يتعرضان للهزيمة


5
مجتمع

وقفة احتجاجية رابعة أمام وزارة التربية.. متظلّمو مناظرة "الكاباس" يوضحون مطالبهم لـ"الترا تونس"