ultracheck
ثقافة وفنون

حين يتجاوز الإعجاب بالفنانين حدود المسرح.. ماذا يحدث خلف هوس المعجبين؟

18 أغسطس 2026
حين يتجاوز الإعجاب حدود المسرح.. ماذا يحدث خلف هوس المعجبين؟
ريان الفقيه (أخصائي نفسي) لـ"الترا تونس": الهوس بالمشاهير ظاهرة سبقت وسائل التواصل بقرون، السوشال ميديا لم تخلقها بالضرورة، لكنها جعلتها أكثر وضوحًا (صورة توضيحية/ Getty)
إيمان السكوحي
إيمان السكوحيصحفية من تونس

في فجر الثاني من أوت/أغسطس 2026، تجمّعت مجموعة من معجبات الفنان "الشامي" في مطار تونس قرطاج، في انتظار وصوله، قبل أن تتحول لحظة الاستقبال إلى حالة من التدافع والبكاء ومحاولات الاقتراب، في مشهد كشف حجم التعلّق الذي يمكن أن يصنعه بعض النجوم لدى جمهورهم.

لكن هذه ليست المرة الأولى التي يخرج فيها إعجاب الجمهور بالشامي عن الصورة التقليدية، ففي صائفة 2025، وخلال حفله في مهرجان بنزرت الدولي، انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي فيديو لطفلة تونسية وهي تبكي بشدة أثناء أدائه إحدى أغانيه. هذا المشهد، الذي بدا في البداية لحظة تأثر عابرة لمعجبة أمام فنانها المفضل، تحول سريعًا إلى مادة للسخرية والتنمر، قبل أن يتدخل المغني السوري للدفاع عنها والتأكيد على ضرورة احترام مشاعر الأطفال.

حادثتان مختلفتان في تفاصيلهما، لكنهما تلتقيان عند سؤال واحد: ماذا يحدث عندما لا يعود الفنان مجرد شخص نسمع أغانيه ونستمتع بأعماله، بل يصبح حاضرًا في عالمنا العاطفي والنفسي؟

يظل الإعجاب بالفنان بالنسبة إلى أغلب الناس، تجربة طبيعية: أغنية نحفظها، موهبة تلهمنا، أو شخصية فنية ننتظر أعمالها. لكن لدى فئة أخرى، قد يتجاوز الأمر حدود الإعجاب ليصبح تعلقًا شديدًا يبلغ حدّ الهوس

بالنسبة إلى أغلب الناس، يظل الإعجاب بالفنان تجربة طبيعية: أغنية نحفظها، موهبة تلهمنا، أو شخصية فنية ننتظر أعمالها. لكن لدى فئة أخرى، قد يتجاوز الأمر حدود الإعجاب ليصبح تعلقًا شديدًا، ثم هوسًا يستهلك جزءًا مهمًا من الحياة اليومية.

فأين ينتهي الإعجاب الطبيعي؟ ومتى يبدأ التعلق؟ ولماذا قد يصبح شخص لا يعرفنا أصلاً محورًا لمشاعرنا واهتماماتنا وحياتنا؟

"الترا تونس" يجيب عن هذه الأسئلة وغيرها في هذا التقرير:

  • حين يصبح الفنان بطلاً في قصة حب لم تحدث

في مرحلة المراهقة، حيث تتشكل الهوية وتكبر الحاجة إلى الاعتراف والقبول، يمكن للشخصية العامة أن تتحول بسهولة إلى نموذج مثالي يُسقط عليه المراهق مشاعره وتصوراته وأحلامه. فالفنان، في هذه الحالة يصبح شخصية في قصة عاطفية يعيشها المعجب داخل عالمه الخاص.

وهذا ما تعيشه (ه.ح) مراهقة تونسية في السادسة عشرة من عمرها مع أحد مغني الراب. فمنذ عامين وهي تتابعه باستمرار: أغانيه، صوره، أخباره وتفاعلاته على مواقع التواصل الاجتماعي. تعرف كلمات أغانيه عن ظهر قلب وبالنسبة إليها أصبحت تربطها به علاقة عاطفية من طرف واحد، تتغذى يوميًا من الشاشة والخيال.

 

فتاة تونسية (16 سنة) لـ"الترا تونس": أتابع منذ عامين باستمرار، أغاني فنان معيّن، صوره، أخباره وتفاعلاته على مواقع التواصل الاجتماعي، وأصبحت تربطني به علاقة عاطفية من طرف واحد (صورة توضيحية/ pexels)

 

تقول في تصريحها لـ"الترا تونس" إنها تشعر بالقرب منه رغم أنها لم تجمعهما علاقة فعلية. ترسل له الرسائل باستمرار، تنتظر أن يقرأها، ثم تنتظر الرد. وكل مرة يمر فيها الوقت من دون إجابة، يتسلل إليها الإحباط من جديد. أحيانًا تعود إلى حساباته أكثر من مرة في اليوم، تراقب تفاعلاته، وتبحث عن أي إشارة يمكن أن تمنحها شعورًا بأنه انتبه إلى وجودها.

اقرأ/ي أيضًا: الفرقة الكورية "بي تي آس BTS".. بين الهوس والاستغراب وانقسام الناس

لكن أكثر ما يكشف حجم هذا التعلّق هو الغيرة. فالمعجبات الأخريات لا يظهرن بالنسبة إليها كمجرد متابعات لفنان تحبه، بل كمنافسات محتملات على اهتمام شخص أصبحت صورته تحتل مساحة كبيرة من عالمها العاطفي. تعليق من فتاة، صورة، أو تفاعل بسيط يمكن أن يثير لديها غضبًا وقلقًا لا يتناسبان أحيانًا مع طبيعة العلاقة الحقيقية التي تجمعها بالفنان.

المشكلة ليست في أن تحب مراهقة فنانًا، ولا في أن تحفظ أغانيه أو تتابع أخباره. الإشكال يبدأ عندما يصبح ردّه شرطاً للشعور بالقيمة، وعندما تتحول حياته الرقمية إلى مقياس لمزاجها، وعندما تصبح الغيرة من أشخاص لا تعرفهم مصدرًا دائمًا للتوتر.

  • حين يتحوّل الإعجاب إلى هوس.. ماذا يحدث نفسيًا؟

يفسّر الأخصائي النفسي ريان الفقيه لـ"الترا تونس" التعلّق المبالغ فيه بالمشاهير بوجود عاملين أساسيين. أولهما الحرمان العاطفي، سواء خلال الطفولة أو حتى في مرحلة البلوغ. ففي بعض الحالات، قد يتعلّق الإنسان بمشهور لأنه يمثّل له الدور الذي حرم منه في حياته: أب حنون، زوج عطوف، أخت كبرى أو شخصية تمنحه، ولو بشكل متخيّل، الإحساس بالاهتمام والأمان. وعندما يعجز الفرد عن تلبية حاجياته العاطفية وإشباعها داخل علاقاته الحقيقية، قد يتحول المشهور إلى مساحة لتعويض هذا النقص، فينشأ تعلق يتجاوز حدود الإعجاب الطبيعي.

ريان الفقيه (أخصائي نفسي) لـ"الترا تونس": التعلّق المبالغ فيه بالمشاهير يعود لعاملين أساسيين. أولهما الحرمان العاطفي، سواء خلال الطفولة أو حتى في مرحلة البلوغ، وأيضًا إلى الرغبة في إثبات الذات وتحقيق النجاح

أما العامل الثاني، فيتمثل في الرغبة في إثبات الذات وتحقيق النجاح. فعندما لا يتمكن الإنسان من تحقيق طموحاته أو الوصول إلى الصورة التي يريدها عن نفسه، قد يلجأ، وفق الفقيه، إلى حالة من التماهي مع شخصية مشهورة يراها ناجحة ومحققة لما يتمنى الوصول إليه.

ومع الوقت، قد ينتقل الاهتمام من الأعمال التي يقدمها الفنان إلى شخصه وتفاصيل حياته، إلى درجة تذوب معها هوية المعجب تدريجيًا في هوية المشهور.

  • كيف نميّز بين الإعجاب الطبيعي والتعلّق المرضي؟

يوضح الفقيه أن الإعجاب الطبيعي يحافظ على هوية المعجب وحدوده النفسية. فالمعجب يدرك أن الفنان إنسان مثله، وأن ما يراه أمامه هو في جانب منه شخصية فنية ومهنية. قد تثيره أغنية، أو موهبة، أو طريقة أداء، فيصبح الفنان مصدر إلهام ومتعة، من دون أن يؤثر ذلك في حياته اليومية أو يعطّل علاقاته ومهامه.

أما في حالة التعلّق المرضي، أو ما يعرف بـمتلازمة عبادة المشاهير، فالصورة تختلف تمامًا. يقول الفقيه إن أجزاء متعددة من حياة المعجب قد تبدأ في التعطّل، بينما تذوب هويته تدريجيًا داخل هوية المشهور. ويصبح التعلق، في هذه الحالة، وسيلة لتعويض نقص أو حرمان أو سدّ فراغ داخلي.

 

ريان الفقيه (أخصائي نفسي) لـ"الترا تونس": الإعجاب الطبيعي يحافظ على هوية المعجب وحدوده النفسية، أما في حالة التعلّق المرضي، فالصورة تختلف تمامًا.. أجزاء متعددة من حياة المعجب قد تبدأ في التعطّل (صورة توضيحية/ Getty)

 

 

ولا يعني حضور الفنان بقوة على مواقع التواصل الاجتماعي أنه مسؤول مباشرة عن تكوين هذا الهوس. فحتى عندما تعتمد بعض الاستراتيجيات التسويقية على خلق إحساس بالقرب من الجمهور، من خلال مشاركة تفاصيل الحياة اليومية أو الجوانب الخاصة من حياة الفنان، لا يمكن الجزم بأن الفنان مسؤول عن النتيجة المرضية التي قد تنتج لدى بعض المعجبين. فالمسؤولية، وفق الفقيه، تقتضي أن يكون الفاعل على علم بردة الفعل أو بالنتيجة الحتمية لسلوكه، في حين أن الهوس بالمشاهير حالة استثنائية لا تتجاوز، حسب تقديره، نسبة محدودة من الجمهور، وهي ظاهرة سبقت وسائل التواصل الاجتماعي بقرون. السوشال ميديا لم تخلقها بالضرورة، لكنها جعلتها أكثر وضوحًا وأتاحت لها مساحة أكبر للظهور.

ريان الفقيه (أخصائي نفسي) لـ"الترا تونس": يصبح الأمر أكثر خطورة عندما ينتقل الإعجاب من أفكار ومشاعر داخلية إلى سلوكيات على أرض الواقع: غيرة مفرطة، مراقبة، تهديد، ملاحقة أو محاولة اقتحام الحياة الخاصة للفنان

ويصبح الأمر أكثر خطورة عندما ينتقل الإعجاب من أفكار ومشاعر داخلية إلى سلوكيات على أرض الواقع: غيرة مفرطة، مراقبة، تهديد، ملاحقة أو محاولة اقتحام الحياة الخاصة للفنان. ويستحضر الفقيه في هذا السياق قصة متداولة عن فتاة في الحادية والعشرين من عمرها أنهت حياتها إثر وفاة عبد الحليم حافظ، بعدما تركت رسالة تفيد بأنها لا تستطيع مواصلة العيش من دونه.

فلماذا قد يصبح الفنان أحيانًا أقرب إلى المعجب من الأشخاص الموجودين فعليًا في حياته؟

بالنسبة إلى الفقيه، الإجابة تختصر في ثلاث كلمات: الفراغ، والحرمان، والوحدة. والحل لا يكمن بالضرورة في التخلي عن الإعجاب، وإنما في الاستثمار في العلاقات الحقيقية والمتبادلة، والتعرّف إلى الذات، والوعي بالحاجيات النفسية والعاطفية غير المشبعة، إلى جانب تطوير التفكير النقدي.

أن يسأل الإنسان نفسه: ما الذي يعجبني في هذا الفنان أعماله، موهبته، شخصيته، الصورة التي بنيتها عليه؟ قد يكون بداية استعادة المسافة بين الواقع والخيال، وإطفاء تلك الهالة التي قد تحجب عن المعجب رؤية الفنان كإنسان عادي، ورؤية نفسه أيضًا كذات مستقلة لا تحتاج إلى الذوبان في شخص آخر حتى تشعر بقيمتها.

الكلمات المفتاحية

طفرة الشعر المولّد بالذكاء الاصطناعي كما يراها الشعراء التونسيون

طفرة الشعر المولّد بالذكاء الاصطناعي.. كيف تباينت آراء الشعراء التونسيين؟

الشعر اليوم في زمن الثورة الاتصالية بات تحت تهديد الذكاء الاصطناعي، الذي نراه حلّ محل الشعراء في بعض الأحيان ويلقى رواجًا على المنصات


قصر الجم

10 مواقع تونسية مصنفة على لائحة التراث العالمي لليونسكو.. ماذا نعرف عنها؟

تحوز تونس الترتيب العربي الأول في قائمة اليونسكو العالمية بـ 10 مواقع هامة من رصيدها الكبير. وهذه المواقع والمعالم التاريخية هي..


سامي يوسف

سامي يوسف يحوّل مسرح قرطاج إلى محراب للمناجاة

كان الحفل فرصةً تواصل خلالها الفنان سامي يوسف مع جمهوره التونسي بحضوره القوي وعفويته وبأنماطه الموسيقية العديدة وبكلمات أغانيه العميقة


مهرجان قرطاج الدولي في ستينيته.. متحف كبير للذاكرة الثقافية التونسية

مهرجان قرطاج الدولي في ستينيته.. متحف كبير للذاكرة الثقافية التونسية

ذاكرة مهرجان قرطاج الدولي، تحولت إلى وثائق وأرشيفات ثقافية وجب متحفتها بشكل من الأشكال كأن يخصص متحف يطلق عليه "متحف مهرجان قرطاج الدولي"، أو إنجاز شريط سينمائي وثائقي يحكي المسيرة المتوجة لهذه التظاهرة الواجهة والأعرق، أو إنجاز كتاب توثيقي، أو جميعهم معًا..

أمطار تونس منخفض جوي تقلبات جوية بلعيد.jpg
منوعات

درجة إنذار تتطلب الحذر.. أمطار رعدية ورياح قوية تشمل 18 ولاية تونسية

معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تصل إلى 41 درجة بالجنوب الغربي

البطولة العربية لألعاب القوى
منوعات

تونس تحصد 17 ميدالية في البطولة العربية لألعاب القوى تحت 18 سنة

اختتمت تونس يوم الأربعاء 9 سبتمبر 2026 مشاركتها في البطولة العربية لألعاب القوى تحت 18 سنة، التي احتضنتها مصر من 5 إلى 9 سبتمبر الجاري، بحصيلة جملية ناهزت 17 ميدالية


مدرج المنار.jpg
مجتمع

جامعة التعليم العالي: ندعو إلى مفاوضات عاجلة والترفيع في منحة العودة الجامعية

الجامعة العامة للتعليم العالي: تنامي أعداد الدكاترة الباحثين العاطلين عن العمل يظل مؤشرًا آخر على غياب التخطيط الكفيل بتحقيق التوازن بين منظومة التكوين الجامعي وحاجيات سوق الشغل

طقس
منوعات

طقس تونس.. درجات الحرارة في ارتفاع طفيف وتصل القصوى إلى 41 درجة

أعلن المعهد الوطني للرصد الجوي أن طقس اليوم الأربعاء 9 سبتمبر/أيلول 2026 سيكون قليل..

الأكثر قراءة

1
منوعات

إطلاق برنامج "مدرب المواهب" لاكتشاف براعم الكرة في تونس.. ما التفاصيل؟


2
سیاسة

تونس تُحذّر بجنيف من اختلالات النظام الدولي وتدعو لإصلاح مجلس الأمن


3
سیاسة

السالمي: الوضع الحالي في تونس متأزم وخطير والسلطة اختارت صدّ الأبواب


4
مجتمع

تقلبات جوية منتظرة في تونس.. دعوات لرفع درجة التأهب واليقظة


5
سیاسة

حراك "يزي" يعلن هويته السياسية: نرفض حكم الفرد في تونس